لم تكن السماء تمطر في تلك الأمسية بقدر ما كانت تهوي على المدينة دفعة واحدة، كأن الغيوم قد انشقّت فوق الشوارع وأفرغت ما خبأته من ماء وغضب لسنوات طويلة.
عند مدخل محطة الحافلات، وقفت فتاة تحمل كتبها إلى صدرها، بينما كان الهواء يقلب مظلتها الرخيصة بعنف حتى انكسر أحد أضلاعها المعدنية، وارتفع طرفها الأسود مثل جناح طائر مصاب.
قبل أن تبتلعها العاصفة، امتدت فوق رأسها مظلة رمادية واسعة، وسمعت صوت رجل يلهث إلى جوارها قائلًا:
إما أن نتقاسمها، أو نغرق كلانا على انفراد.
لم تكن تعرف أن تلك المظلة الممزقة ستظل مفتوحة فوق حياتهما سنوات، حتى بعد أن يتوقف المطر.
مدينة تركض تحت العاصفة
كان سامر قد خرج من مبنى الشركة متأخرًا، يحمل حقيبة حاسوبه بيد، ومظلة رمادية باليد الأخرى، بينما كانت رائحة الأسفلت المبتل تصعد من الأرض دافئة وحادة، ممزوجة بعوادم السيارات وبخار المقاهي.
في الثالثة والثلاثين، كان قد أتقن السير بسرعة من غير أن يرى شيئًا حوله؛ موظف حسابات يعرف كيف يوازن الأرقام، لكنه لم يعرف منذ أعوام كيف يوازن بين أيامه المتشابهة ورغبته القديمة في أن يصبح مصممًا معماريًا.
على الرصيف المقابل، لمح الفتاة تحاول جمع أوراق تناثرت من ملف أزرق، بينما كانت المظلة المقلوبة تتخبط في قبضتها ككائن يريد الفرار.
تردد نصف خطوة، ثم اندفع عبر الطريق، فتسللت المياه إلى حذائه، وصفعته الريح من جانبه حتى كادت تنتزع مظلته هي الأخرى.
نصف مساحة لشخصين غريبين
رفع سامر مظلته فوق رأس الفتاة، وانحنى ليلتقط ورقة التصقت بحافة الرصيف، وقد ذابت بعض كلماتها تحت المطر.
قال وهو يناولها الورقة:
أظن أن هذه نجت، وإن كانت تبدو كأنها خاضت حربًا.
نظرت إليه الفتاة بعينين واسعتين يلمع فيهما انعكاس مصباح الشارع، ثم ابتسمت رغم ارتجاف شفتيها.
قالت:
إنها مخططات مشروعي النهائي.
لو ضاعت، فسأضطر إلى خوض الحرب نفسها.
كان اسمها ليان، طالبة في عامها الأخير بكلية الفنون التطبيقية، وقد أمضت ثلاثة أشهر في إعداد مشروع عن تحويل المباني المهجورة إلى مساحات تعليمية للأطفال.
حين ذكرت كلمة مخططات، انحرفت عينا سامر إلى الأوراق المبتلة، وتوقف للحظة أطول مما ينبغي أمام رسم يدوي لواجهة مكتبة قديمة.
سألها:
أنت من رسم هذا؟
هزت رأسها، ثم قالت وهي تحاول حماية الملف تحت معطفها:
نعم، لكن المشرف يراه حالمًا أكثر مما يجب.
ابتسم سامر ابتسامة شاحبة، وشعر بشيء قديم يتحرك داخله مثل باب صدئ دفعته الريح فجأة.
قال:
أحيانًا تكون المشكلة في الواقع، لا في الحلم.
الطريق الذي طال أكثر من المعتاد
لم تصل الحافلة، وبدأ الماء يرتفع عند حافة الطريق، فتشاركا السير إلى محطة المترو التي تبعد قرابة عشرين دقيقة.
كانت المظلة تضيق بهما كلما اشتدت الريح، فيميل سامر بها نحو ليان، ويترك كتفه الأيسر للمطر حتى تشبع قميصه بالماء والتصق بجلده.
لاحظت ذلك فقالت:
أنت تبتل بالكامل.
أجاب من غير أن ينظر إليها:
لدي معطف آخر في المنزل.
أما هذه الأوراق، فلا أظن أن لها نسخة جافة.
في كل مرة هبت فيها الريح، ارتجفت أضلاع المظلة، حتى صدر منها طقطقة حادة، وانشق نسيجها قرب الحافة.
ضحكت ليان وهي تشير إلى الثقب الصغير:
يبدو أنها قررت الانضمام إلى مظلتي.
قال سامر:
لا بأس، المظلات المحترمة لا تترك رفاقها وحدهم في المصائب.
ضحكت للمرة الثانية، وكان ضحكها خفيفًا على نحو غريب وسط ضجيج العاصفة، كأن أحدًا أشعل مصباحًا صغيرًا في شارع انقطعت عنه الكهرباء.
المقهى ذو النافذة الضبابية
حين وجدَا المقهى القديم عند ناصية الشارع، كانت الريح قد شقت المظلة من جانبها، فدخلا مسرعين تحت جرس نحاسي رنّ فوق الباب.
جلسا قرب نافذة غطاها البخار، ووضع سامر الأوراق قرب المدفأة، بينما طلبت ليان كوبين من الشاي رغم اعتراضه.
قالت وهي تفرد المخططات بحذر:
هذا أقل ما يمكن تقديمه لرجل ضحّى بمظلته وكتفه.
رد سامر:
المظلة كانت مريضة منذ الشتاء الماضي.
سكت قليلًا، ثم مد يده نحو أحد الرسوم وقال:
هذه الواجهة تحتاج إلى فتحة ضوء هنا.
الأطفال يحتاجون أن يروا السماء، حتى لو كانوا داخل مبنى قديم.
نظرت إليه ليان بدهشة صريحة، ثم دفعت الورقة نحوه ومعها قلم رصاص.
قالت:
ارسم ما تقصده.
تجمدت أصابعه فوق القلم، وشعر أن المقهى كله صمت فجأة؛ رائحة الشاي، أزيز المدفأة، ارتطام المطر بالزجاج، وحتى عقارب الساعة المعلقة خلف النادل.
أمسك القلم أخيرًا، ورسم خطًا مترددًا، ثم آخر أكثر ثباتًا، قبل أن تنساب يده فوق الورق كما لو أنها تتذكر طريقًا ظل مغلقًا طويلًا.
راقبته ليان من دون مقاطعة، حتى انتهى من رسم سقف زجاجي مائل يسمح للضوء بالدخول، ويحمي القاعة من حرارة الصيف.
سألته:
أنت مهندس؟
أعاد القلم إليها بسرعة، وقال:
كنت أريد أن أكون.
السر الذي أخفاه الموظف خلف الأرقام
لم تكن إجابة سامر كاملة، لكنها لم تكن كذبة أيضًا.
درس العمارة عامين، ثم مات والده فجأة، فترك الجامعة وعمل ليعيل أمه وأخاه الأصغر، ومع مرور الوقت صار الرجوع إلى الدراسة يبدو كمدينة بعيدة لا تصل إليها القطارات.
حكى ذلك وهو يراقب قطرات الماء تنزلق على الزجاج، فتتجمع ثم تفترق، كأنها طرق صغيرة تحاول العثور على مصب واحد.
قالت ليان بعد صمت:
أنت لم تترك العمارة.
أنت فقط وضعتها في غرفة وأغلقت الباب.
ابتسم بمرارة:
الغرف المغلقة تمتلئ بالغبار.
أشارت إلى الرسم الذي أنجزه قبل لحظات، وقالت:
لكنها لا تنسى شكل أصحابها.
كانت الجملة بسيطة، إلا أنها أصابته في موضع ظل يحرسه بعناية سنوات، فخفض عينيه إلى كوب الشاي كي لا ترى ارتباكه.
اتفاق تحت مظلة لم تعد تصلح
عندما هدأ المطر قليلًا، خرجا من المقهى، وحاولا فتح المظلة الرمادية، لكنها انثنت في المنتصف وانشق طرفها تمامًا.
وقفا تحت مظلة متجر مغلق، يتأملان هيكلها المعدني المائل، ثم انفجرا بالضحك دون سبب واضح سوى أن العاصفة لم تترك لهما شيئًا آخر يفعلانه.
أخرجت ليان من حقيبتها شريطًا لاصقًا، وبدأت تصلح الشق على عجل.
قال سامر ساخرًا:
هل تحملين ورشة صيانة كاملة في حقيبتك؟
أجابته:
طالب الفنون لا يعرف متى ينهار مشروعه أو مظلته.
قبل أن يفترقا عند مدخل المترو، مدت إليه بطاقة صغيرة كتبت عليها رقم هاتفها.
قالت:
سأعرض الرسم على مشرفي غدًا، لكن بشرط.
رفع حاجبه منتظرًا.
قالت:
إن وافق عليه، تساعدني في بقية المشروع.
وإن لم يوافق، تساعدني أيضًا كي أثبت له أنه مخطئ.
نظر سامر إلى البطاقة، ثم إلى المظلة التي ربطتها بالشريط اللاصق، وقال:
هذا ليس شرطًا.
هذا فخ.
ابتسمت ليان:
أعرف.
الرسالة التي وصلت في الصباح
في اليوم التالي، جلس سامر أمام شاشة الشركة يراجع أعمدة طويلة من النفقات، لكن الخطوط السوداء تحولت أمام عينيه إلى نوافذ وأقواس وسلالم.
عند العاشرة وثلاث عشرة دقيقة، اهتز هاتفه برسالة من رقم غير مسجل.
المشرف رفض السقف الزجاجي، وقال إنه غير عملي.
لدي اجتماع ثانٍ بعد أسبوع.
هل ما زلت مستعدًا للدخول في الفخ؟
ظل سامر يحدق في الرسالة، بينما كان مديره يشرح بالقرب منه أخطاء تقرير الشهر الماضي.
كتب بعد دقائق:
سنثبت له أن الضوء عملي.
منذ ذلك الصباح، بدأت لقاءاتهما الأسبوعية في المكتبة العامة، ثم امتدت إلى المقاهي الرخيصة وقاعات الجامعة والمباني القديمة التي كانا يتسللان إليها لقياس النوافذ وتوثيق الشقوق.
كانت ليان ترى في الخراب احتمالات لا يراها الآخرون، بينما كان سامر يملك قدرة مدهشة على تحويل خيالها إلى مقاسات وحسابات ومسارات قابلة للتنفيذ.
حين عاد الخط إلى يده
اشترى سامر دفتر رسم جديدًا بعد اثني عشر عامًا من آخر دفتر امتلكه، وأخفاه في البداية داخل درج مكتبه تحت ملفات الضرائب.
كان يرسم ليلًا بعد نوم والدته، فيملأ الصفحات بواجهات المدارس والمكتبات ومحطات الحافلات، ثم يرسل الصور إلى ليان قبل الفجر.
كانت ترد بتعليقات قصيرة لا تخلو من السخرية:
هذه النافذة تحتاج شجاعة أكبر.
هذا السلم يبدو خائفًا من الوصول.
أخيرًا رسمت مبنى يتنفس.
بعد شهرين، فاز مشروع ليان بالمركز الأول في معرض الجامعة، واختارت لجنة أهلية تنفيذ جزء منه داخل مكتبة مهجورة في حي شعبي.
حين صعدت إلى المنصة، لم تنسب الفكرة إلى نفسها وحدها، بل قالت أمام الحضور:
هذا المشروع بدأ تحت مظلة ممزقة، وأنقذه شخص كان يظن أنه نسي كيف يرسم.
كان سامر يقف في الصف الأخير، وحين التفتت العيون نحوه، شعر بحرارة مفاجئة تصعد إلى وجهه.
صفق الحاضرون، لكنه لم يسمع إلا صوت المطر القديم وهو يضرب نافذة المقهى.
السنوات التي صنعتها المصادفة
تخرجت ليان، وبدأت العمل في شركة تصميم صغيرة، بينما عاد سامر إلى الدراسة المسائية بعد أن ساعدته في إعداد ملف أعمال من الرسومات التي تراكمت في دفتره.
لم يكن الطريق سهلًا؛ كان يخرج من الشركة عند الخامسة، يحضر المحاضرات حتى العاشرة، ثم يعود إلى منزله بعينين محمرتين ويدين تفوح منهما رائحة الورق والحبر.
في الليالي التي كان يشك فيها بقدرته على الاستمرار، كانت ليان ترسل إليه صورة المظلة الرمادية المعلقة في غرفتها وقد امتلأت برقع الشريط اللاصق.
وتكتب تحتها:
شيء بهذه الحالة نجا من العاصفة.
لا تجرؤ على الانسحاب.
احتفظت بالمظلة منذ لقائهما الأول، رغم أنه أصر أكثر من مرة على أنها لم تعد صالحة لشيء.
كانت تجيبه:
بعض الأشياء لا تُحفظ لأنها نافعة، بل لأنها تعرف كيف بدأت الحكاية.
المشروع الذي أعادهما إلى البداية
بعد ست سنوات، أسست ليان مكتبًا صغيرًا متخصصًا في تطوير المساحات العامة المهملة، ودعت سامر، الذي أصبح مهندسًا معتمدًا، ليكون شريكها.
أطلقا على المكتب اسم مساحة، وبدآ بمشروعات متواضعة؛ حديقة بين بنايتين، فصل دراسي داخل مخزن قديم، ومكتبة صغيرة تحت جسر.
لم يربحا كثيرًا في البداية، لكن كل مساحة افتتحاها كانت تمتلئ بأصوات الأطفال، ورائحة الخشب الجديد، وضوء الشمس المنساب من نوافذ لم تكن موجودة من قبل.
وذات صباح شتوي، وصل إلى مكتبهما ظرف مختوم من بلدية المدينة، يحمل دعوة للمشاركة في مسابقة إعادة تصميم محطة الحافلات القديمة.
كانت المحطة نفسها التي التقيا عندها أول مرة.
وقف سامر قرب النافذة، يقرأ عنوان المشروع مرارًا، بينما أخرجت ليان من خزانة زجاجية المظلة الممزقة.
قالت وهي تفتحها بصعوبة:
أظن أنها تريد العودة إلى مسرح الجريمة.
المخطط الذي أخفى رسالة قديمة
عادا إلى المحطة في يوم غائم، لكن المطر لم يكن قد بدأ بعد.
كانت المقاعد المعدنية صدئة، والسقف القصير لا يحمي المنتظرين، والجدران مغطاة بإعلانات ممزقة وأسماء كتبها مجهولون ثم اختفوا.
قاس سامر المسافات، وصورت ليان الشقوق، قبل أن تلاحظ ورقة صغيرة عالقة داخل أنبوب معدني خلف أحد المقاعد.
سحبتها بأطراف أصابعها، فوجدتها مطوية بعناية داخل غلاف بلاستيكي اصفرّ من الزمن.
فتحاها، فإذا بها جزء من ورقة مشروع ليان القديم، وعليها الرسم الأول الذي خطه سامر في المقهى؛ السقف الزجاجي المائل نفسه، لكن أسفل الرسم عبارة بقلمه لم يتذكر أنه كتبها.
حين يجد الإنسان مكانًا يحمي حلمه، يتوقف المطر عن كونه عذرًا.
ظل سامر صامتًا، يقلب الورقة بين يديه، بينما راحت أولى قطرات المطر تنقر السقف المعدني فوقهما.
قالت ليان:
كيف وصلت إلى هنا؟
حاول أن يتذكر، ثم قال:
ربما سقطت من الملف في ذلك اليوم.
تأملت العبارة، ثم نظرت إلى المحطة الخالية وقالت:
أو ربما انتظرتنا.
المحطة التي أصبحت نافذة للمدينة
صمما سقفًا واسعًا من الزجاج المقوى، تحيط به ألواح تجمع مياه الأمطار وتستخدمها لري أحواض النباتات الممتدة بمحاذاة الرصيف.
وفي منتصف المحطة، أضافا مكتبة مفتوحة صغيرة، يستطيع الركاب استعارة الكتب منها وإعادتها في أي وقت.
رفضت اللجنة التصميم أولًا بحجة ارتفاع التكلفة، لكن سامر وليان أعادا بناء الخطة، وتواصلا مع مؤسسات محلية، وقدما نموذجًا يوضح كيف ستخفض أنظمة المياه والطاقة المصروفات مستقبلًا.
بعد أسابيع من المناقشات، فاز مشروعهما.
في يوم الافتتاح، تجمعت العائلات والطلاب والموظفون تحت السقف الجديد، بينما كان المطر يهطل فوق الزجاج ويجري في قنوات شفافة كأنه جزء من العرض.
وقف سامر إلى جوار ليان، وقد بدا المكان حولهما أوسع مما كان في ذاكرتهما، إلا أن زاوية الرصيف بقيت كما هي، تحمل أثر خطوته الأولى نحوها.
المظلة الأخيرة
اقترب طفل صغير من الخزانة الزجاجية التي وضعا داخلها المظلة الرمادية الممزقة، وبجوارها لوحة قصيرة تحكي كيف بدأت فكرة المشروع.
سأل الطفل أمه:
لماذا احتفظا بمظلة مكسورة؟
سمعه سامر، فانحنى نحوه وقال:
لأنها لم تكن مكسورة تمامًا.
كان فيها مكان يكفي لشخصين.
نظر الطفل إلى المظلة ثم إلى السقف الكبير فوق المحطة، وقال بجدية:
والآن صار فيها مكان للجميع.
ابتسمت ليان، لكن عينيها امتلأتا بلمعان لم يكن من انعكاس الزجاج.
أخرجت من حقيبتها مظلة جديدة بلون أزرق داكن، وناولتها إلى سامر.
قالت:
أظن أن الوقت حان لتتوقف عن الاعتماد على المظلات الممزقة.
فتحها، ثم نظر إلى السماء المتدفقة فوق السقف الشفاف، وأعاد إغلاقها.
قال:
لا حاجة إليها اليوم.
سألته وهي تراقب المطر خلف الزجاج:
لكنه يهطل بغزارة.
أجاب:
أعرف.
لكننا أخيرًا بنينا مكانًا لا نحتاج فيه إلى الهرب منه.
ما بقي بعد انقضاء المطر
مع حلول المساء، غادر الزوار، وبقي سامر وليان تحت أضواء المحطة الدافئة، يتأملان المقاعد الجافة والكتب المرتبة وأحواض النباتات التي امتلأت بقطرات لامعة.
لم يكن أي منهما قادرًا على تحديد اللحظة التي تحولت فيها صداقتهما من لقاء عابر إلى طريق كامل؛ ربما حدث ذلك في المقهى، أو عند أول مخطط، أو في إحدى الليالي التي منع فيها أحدهما الآخر من الاستسلام.
قبل أن يغادرا، أطفأت ليان أضواء الخزانة، فاختفت المظلة القديمة خلف انعكاسهما على الزجاج.
خرجا من المحطة يسيران جنبًا إلى جنب، والمظلة الجديدة مطوية في يد سامر، بينما كان المطر يخف شيئًا فشيئًا، وتظهر بين السحب فتحة صغيرة بلون الفجر.
لم تعد المظلة الممزقة تحميهما من الماء، لكنها فعلت ما هو أبعد من ذلك؛ منحت كل واحد منهما مساحة ضيقة رأى فيها الآخر، ثم اتسعت تلك المساحة حتى صارت حياة كاملة من الأبواب والنوافذ والفرص.
وهكذا، لم يكن أعظم ما حدث في تلك الليلة أن غريبًا أنقذ فتاة من المطر، بل أن كليهما أنقذ في الآخر حلمًا كان على وشك الغرق، من غير أن يعرف أيهما في البداية أنه هو المحتاج إلى النجاة, حكاية تنين الياقوت قصة الفتاة القروية التي تحدت إمبراطور الجشع لإنقاذ آخر تنين من هنا.
