عودة الغائب رجل يبحث عن هويته في قرية لم تعد تعرف اسمه

الراوي
0

حين توقفت الحافلة عند المنعطف الترابي، لم يجد سالم الديب شجرة التوت التي كان أبوه ينتظره تحتها، ولم يرَ المئذنة القصيرة التي طالما دلّته إلى البيت كلما عاد من الحقول قبل الغروب.

وجد برجاً إسمنتياً يرفع هوائيات سوداء في السماء، ومحطة وقود تتلألأ أضواؤها البيضاء فوق أرض كانت، في ذاكرته، حقلاً للذرة تحرسه فزّاعة مرتدية جلباباً قديماً.

هبط من الحافلة حاملاً حقيبة جلدية صغيرة، وبقي واقفاً وسط غبار الطريق، كأن السائق أنزله في القرية الخطأ، أو كأن أربعين عاماً لم تمر فوق المكان، بل مرت فوق عينيه وحدهما وبدّلتا ما كان يراه.

أدار رأسه ببطء، يبحث عن وجه يعرفه، فمرّ بجواره فتى يقود دراجة نارية، وخلفه فتاة تضحك وهي تمسك هاتفاً مضيئاً، ثم ابتلعهما شارع مرصوف لم يكن موجوداً حين رحل.

مدّ سالم يده إلى جيبه وأخرج مفتاحاً صدئاً، تأمل أسنانه الداكنة وهمس بصوت لم يسمعه أحد:

إن كان البيت قد نسي هذا المفتاح أيضاً، فأين أذهب؟

عودة الغائب رجل يبحث عن هويته في قرية لم تعد تعرف اسمه

الطريق الذي محا آثار العائدين

كان سالم في الثالثة والعشرين حين غادر قرية السدرة، وفي الثالثة والستين حين عاد إليها، وبين العمرين امتدت بلاد بعيدة، وموانئ صاخبة، وغرف ضيقة لا تطل إلا على جدران أكثر ضيقاً.

رحل يومها وهو يظن أن الغياب عامان أو ثلاثة، يجمع خلالهما ما يكفي لترميم بيت أبيه والزواج من زينب، ابنة الخباز، ثم يعود قبل أن تتغير رائحة الفرن أو يبهت لون الباب الأزرق.

لكن الأعوام، حين تبدأ في الابتعاد، لا تلتفت لمن يناديها؛ مات أبوه وهو في غربته الأولى، ثم لحقت به أمه، وتزوجت زينب، وتعاقبت الحروب والأزمات حتى صار الرجوع وعداً يؤجله كلما أوشك أن يفي به.

كان يرسل المال إلى ابن عمه منصور، ويكتب في آخر كل رسالة، احفظ البيت حتى أعود، فيجيبه منصور بعبارة واحدة لا تتغير، بيتك محفوظ يا سالم.

منذ سبعة أعوام انقطعت رسائل منصور، ثم وصل خبر موته على لسان رجل من قرية مجاورة، فصار البيت بلا حارس، والقرية بلا صوت يعرف كيف يخاطبه.

سؤال عند دكان غريب

مشى سالم نحو وسط القرية، مستنداً إلى عصا لم يكن يحتاج إليها بقدر حاجته إلى شيء يثبت أنه ما زال واقفاً، وكانت عيناه تفتشان بين الواجهات الزجاجية عن دكان الحاج صابر.

في موضع الدكان وجد متجراً للهواتف المحمولة، تتدلى فوق بابه لافتة زرقاء كتب عليها، العالم بين يديك، وخلف منضدته جلس شاب نحيل يضع سماعة صغيرة في أذنه.

اقترب سالم وسأله:

أين دكان الحاج صابر؟

رفع الشاب عينيه عن الشاشة، وتأمل وجهه المتغضن وثوبه الداكن قبل أن يقول:

الحاج صابر؟ لا أعرفه يا عم، ماذا كان يبيع؟

ابتلع سالم مرارة السؤال، وقال:

كان يبيع السكر والزيت والكاز، ويعرف أسماء أهل القرية كلهم.

ضحك الشاب بخفة، ثم أشار إلى صف من البيوت الحديثة:

ربما تقصد الدكان القديم الذي هُدم قبل ولادتي.

اسأل العم نجيب عند المقهى، فهو يعرف أخبار العجائز.

لم يزعج سالم وصفه بالعجوز، بل آلمه أن يصبح الحاج صابر، الذي كان يعرف مواليد القرية وأمواتها، مجرد احتمال في ذاكرة شاب لم يولد بعد حين أُغلق دكانه.

سأل الشاب مرة أخرى:

وبيت عبد الجليل الديب، هل تعرفه؟

قطّب الشاب حاجبيه، ثم حرّك أصابعه فوق هاتفه كمن يبحث عن الاسم في سجل إلكتروني، وقال:

لا يوجد هنا أحد بهذا الاسم، لكن شارع النخيل في نهاية الطريق، لعل البيت هناك.

ابتعد سالم وهو يخفي المفتاح في قبضته، وقد شعر للمرة الأولى أن الاسم الذي حمله طوال حياته لا يفتح في هذه القرية باباً ولا يوقظ في أحد ذكرى.

بيت لا يعترف بصاحبه

قادته قدماه إلى المكان الذي كان يفترض أن يكون فيه البيت، غير أن السور الطيني اختفى، وحلّ مكانه جدار مرتفع من الطوب الأحمر تتناثر فوقه كتابات باهتة وإعلانات انتخابية ممزقة.

ظل الباب الأزرق قائماً وحده، ضيقاً ومتآكلاً، كأنه قطعة نجت من سفينة غارقة، لكن نافذته الصغيرة سُدّت بلوح معدني، وقفل جديد لامع تدلى من حلقته.

اقترب سالم، ومرر أصابعه فوق الخشب الذي تشقق مثل جلد كفّ عجوز، ثم وضع المفتاح الصدئ في القفل، فلم يدخل إلا نصفه.

جرب مرة أخرى، ثم طرق الباب ثلاث طرقات متباعدة، بالطريقة نفسها التي كان يطرق بها حين يعود ليلاً حتى تعرف أمه أنه هو ولا تفزع.

جاءه صوت امرأة من الداخل:

من؟

ارتعشت شفتاه قبل أن يجيب:

سالم.

ساد الصمت لحظة، ثم انفتح الباب بقدر شبر، وظهر وجه امرأة في الأربعين، تلف رأسها بوشاح رمادي وتنظر إليه بعينين حذرتين.

قالت:

سالم من؟

أجاب، وقد ثقل اسمه فجأة على لسانه:

سالم عبد الجليل الديب، صاحب البيت.

المرأة خلف الباب الأزرق

اتسعت عينا المرأة، لكنها لم تفتح الباب أكثر، بل أمسكت حافته بقوة وقالت:

هذا البيت اشتريناه من الحاج منصور منذ خمسة عشر عاماً، ولدينا عقد مسجل.

شعر سالم أن الأرض مالت تحت قدميه، فسأل:

منصور باع البيت؟

هزت رأسها، ثم نادت زوجها، فخرج رجل عريض الكتفين يمسح يديه بمنشفة، وتفرس في سالم طويلاً قبل أن يدعوه إلى الداخل.

لم يبقَ من الفناء القديم سوى شجرة رمان عند الزاوية، جذعها ملتف ومتآكل، أما البئر فقد غُطيت بالإسمنت، وغرفة أمه صارت مطبخاً تفوح منه رائحة القهوة والهيل.

جلس سالم على كرسي بلاستيكي، بينما أحضر الرجل ملفاً أصفر وأخرج منه عقد بيع يحمل توقيع منصور وبصمة إصبعه، وفي أسفل الصفحة عبارة تقول إن الوريث الوحيد، سالم عبد الجليل، مفقود منذ أكثر من ثلاثين عاماً.

قرأ سالم العبارة مرتين، وشعر كأن أحدهم لم يسرق البيت فقط، بل سرق وجوده أيضاً، ثم ختم السرقة بكلمة رسمية لا تعرف الرحمة، مفقود.

قال صاحب البيت معتذراً:

اشتريناه بحسن نية، ولم يخبرنا أحد بأنك حي.

رفع سالم رأسه، وسأل:

وهذه الشجرة، لماذا لم تقطعوها؟

نظرت المرأة إلى الرمانة العتيقة وقالت:

حاولنا، لكن ابنتي مرضت في الليلة نفسها، فخافت أمها وتركتها.

يقول كبار السن إن صاحبة البيت القديمة زرعتها يوم وُلد ابنها الوحيد.

مدّ سالم يده نحو الجذع، ولمسه كما يلمس المرء كتف أمه بعد غياب طويل، ثم قال بصوت مبحوح:

كانت تقول إن جذورها ستحفظ الطريق إليّ.

الجيل الذي لم يسمع الحكاية

خرج سالم من البيت قبل الغروب، وقد ترك خلفه الرجل والمرأة يتهامسان بشأن العقد، واتجه إلى المقهى الذي دلّه عليه بائع الهواتف.

كان المقهى مزدحماً بشبان يرتدون قمصاناً رياضية، تتصاعد من بينهم أبخرة الشاي ودخان السجائر، وفوقهم شاشة كبيرة تعرض مباراة بلا صوت.

في الزاوية جلس رجل مسن يلف كتفيه بعباءة بنية، ويحدق في رقعة الشطرنج أمامه كما لو أن مصير القرية متوقف على حركة حجر واحد.

اقترب سالم وقال:

أنت نجيب ابن رضوان؟

رفع الشيخ وجهه، وضيق عينيه طويلاً، ثم نهض فجأة حتى سقط حجر الشطرنج من يده.

سالم؟

خرج الاسم من فمه مرتجفاً، لكنه كان كافياً ليعيد إلى الرجل العائد شيئاً من وزنه، ففتح ذراعيه واحتضنه، وبكى الاثنان في صمت لم يفهمه الشبان الجالسون حولهما.

جلسا متقابلين، وأخذ نجيب يتأمل ملامح صديقه القديم، يبحث تحت التجاعيد واللحية البيضاء عن الفتى الذي كان يسبقه إلى النهر.

قال نجيب:

ظننت أنك متّ في بلاد الغربة.

أجابه سالم:

وأنا ظننت أن القرية ستبقى حية ما دمت أذكرها.

اسم مكتوب على شاهد قبر

أخبره نجيب أن منصور باع البيت بعد أن استصدر شهادة تعتبر سالم غائباً لا يُعرف مصيره، ثم رحل إلى المدينة واشترى متجراً كبيراً، قبل أن يموت في حادث قبل سبعة أعوام.

وحين سأله سالم عن بقية الناس، بدأ نجيب يسرد أسماء الموتى والراحلين، حتى بدت القرية القديمة مقبرة واسعة لا يسكنها سوى الذكريات.

ثم سكت الشيخ فجأة، وأخذ يقلب ملعقته في كأس الشاي دون أن يشرب، فقال سالم:

ماذا تخفي عني يا نجيب؟

رفع نجيب عينيه وقال:

هناك شيء يجب أن تراه بنفسك.

قاد سالم إلى المقابر الواقعة خلف المسجد الجديد، وسارا بين شواهد رخامية حديثة حتى توقفا أمام قبرين متجاورين؛ الأول يحمل اسم أمه، والثاني اسم أبيه.

أما القبر الثالث، الصغير القائم عند رأسيهما، فكان يحمل نقشاً جعل الهواء ينسحب من صدر سالم دفعة واحدة:

سالم عبد الجليل الديب

الغائب الذي لم يعد

رحمه الله

تراجع خطوة، ثم قرأ اسمه مرة أخرى، ومد أصابعه إلى الحروف المحفورة كأنه يتحسس جرحاً في جسده.

سأل:

من المدفون هنا؟

أجاب نجيب:

لا أحد.

أمك أقامت هذا الشاهد بعد أن انقطعت أخبارك سنوات، وكانت تأتي كل خميس لتحدثك.

قالت إنها تحتاج إلى مكان تبكي عنده، حتى لو كان خالياً.

جلس سالم أمام القبر الوهمي، وأخذ التراب بين أصابعه، فبدت له غربته كلها كأنها حفرة حفرها بنفسه، ثم قضى عمره واقفاً على حافتها.

الرسالة المدفونة تحت الرمانة

في صباح اليوم التالي، عاد سالم إلى البيت الأزرق، لا ليطالب به، بل ليطلب من أصحابه أن يسمحوا له بالجلوس ساعة تحت شجرة الرمان.

استقبلته ابنة الأسرة، وكانت شابة تدعى ليان، تدرس الصحافة في المدينة وتعود إلى القرية في العطلات، وقد سمعت من والديها حكاية الرجل الذي جاء يحمل مفتاحاً لا يفتح شيئاً.

جلست قربه وسألته:

هل حقاً كنت تعرف القرية قبل أن تصبح هكذا؟

ابتسم سالم بمرارة وقال:

كنت أعرف صوت كل باب فيها، وأعرف أي كلب ينبح على الغرباء وأيها يكتفي بهز ذيله.

الآن أصبحت أنا الغريب، ولا كلب واحد تذكرني.

قالت ليان وهي تتأمل الشجرة:

نحن نعرف المكان بشكله الحالي فقط، لكن الجامعة طلبت مني إعداد مشروع عن تاريخ القرية.

ربما تستطيع مساعدتي.

ضحك سالم للمرة الأولى منذ عودته، وقال:

تبحثين عن تاريخ قرية في رجل كتبوا اسمه على قبر فارغ؟

أجابته دون ابتسام:

ربما كانت القبور الفارغة تحفظ حكايات أكثر من البيوت الممتلئة.

ما أخفته الجذور

أثناء حديثهما، لاحظ سالم حجراً مسطحاً عند قاعدة الشجرة، كان أبوه قد وضعه قديماً ليجلس عليه حين يسقي الرمانة.

أزاحه بقدمه، فظهرت حلقة حديدية صغيرة مطمورة في التراب، وانحنت ليان تساعده على الحفر حتى اصطدمت أصابعها بصندوق معدني صدئ.

فتحاه بصعوبة، فوجد سالم داخله رسائل قديمة ملفوفة في قطعة قماش، وسوار أمه الفضي، ودفتر حسابات صغيراً يحمل اسم منصور.

كانت الرسائل جميعها مكتوبة بخط أمه، وعلى أظرفها عنوانه القديم في الميناء البعيد، لكنها لم تحمل أختام البريد، ولم تُفتح قط.

قرأ الرسالة الأولى، فارتعش الورق بين يديه:

يا سالم، وصلتنا رسالتك التي تقول إنك سترجع في الشتاء، وقد أصلحت غرفتك ودهنت الباب من أجلك.

منصور وعدني أن يرسل إليك ردي غداً.

فتح رسالة أخرى كُتبت بعد خمس سنوات:

يا بني، لا أعرف لماذا لا تجيب.

يقول منصور إن الرسائل تضيع في البحر، لكن قلبي يقول إن أحداً يمنعها من الوصول.

أما الرسالة الأخيرة، فكان حبرها باهتاً وخطها متقطعاً:

إن عدت يوماً ولم تجدني، فلا تغضب من القرية.

البيوت لا تخون، لكن بعض الناس يبيعون مفاتيحها.

تحت الرمانة تركت لك ما يثبت أنك لم تتخلَّ عنا.

قلب سالم دفتر الحسابات، فوجد سجلاً للأموال التي أرسلها طوال عشرين عاماً، وإلى جوار كل مبلغ ملاحظة بخط منصور تشير إلى أنه استلمه ولم ينفق منه على البيت إلا القليل.

وفي الصفحة الأخيرة وُجدت مسودة اعتراف غير مكتمل، يعترف فيها منصور بأنه أخفى رسائل الأم، وزوّر بعض الأوراق، وأشاع أن سالم مات ليستولي على المنزل والأرض المجاورة.

رفع سالم رأسه نحو ليان، وكانت تمسك هاتفها بيد مرتجفة وتصور الوثائق، فقالت:

بهذا الدفتر تستطيع استرداد البيت، وربما الأرض أيضاً.

أعاد سالم النظر إلى الباب الأزرق، ثم إلى النافذة التي ظهرت خلفها أم ليان وهي تراقبه بقلق، وشعر أن البيت لم يعد جدران طفولته، بل صار طفولة أسرة أخرى لا ذنب لها في خيانة منصور.

معركة الاسم الأخير)

انتشر خبر الصندوق في القرية قبل الظهيرة، فجاء المختار، وتجمع الشبان أمام البيت، وبدأ كل واحد يروي الحكاية بطريقة مختلفة، حتى صار سالم بطلاً في رواية وضحية في أخرى.

أصر نجيب على أن يذهب إلى المحكمة ويسترد حقه، بينما خشي صاحب البيت أن يخسر مأواه، وظلت زوجته تمسح دموعها في صمت، كأنها تعتذر عن جريمة لم ترتكبها.

أما ليان، فوضعت الوثائق أمام سالم وقالت:

القرار لك، لكن لا تترك الحقيقة مدفونة مرة أخرى.

حمل سالم الأوراق وذهب إلى مكتب المحامي في البلدة، وقضى ساعات يستمع إلى حديث عن الدعاوى والإرث والتزوير والتعويض، وكان المحامي يؤكد له أن القضية قوية وأن استرداد العقار ممكن.

وحين سأله المحامي عما يريده تحديداً، بقي سالم صامتاً، فقد اكتشف أنه يستطيع استعادة البيت قانوناً، لكنه لا يستطيع استعادة أمه وهي تنتظر خلف الباب، ولا أباه وهو يصلح السقف، ولا زينب وهي تمر قرب النافذة حاملة الخبز.

قال أخيراً:

أريد أن يعرف الناس أنني لم أتركهم بإرادتي.

أجابه المحامي:

المحكمة تعيد الحقوق، لا الأعمار.

خرج سالم يحمل الملف تحت ذراعه، وكانت الشمس تميل نحو الغروب، فشاهد مجموعة من الأطفال يركضون في ساحة القرية ويلتقطون صوراً للقبر الذي يحمل اسمه.

عندها أدرك أن معركته الحقيقية لم تكن مع رجل مات، ولا مع عقد بيع، بل مع النسيان الذي كاد يحوّله إلى شاهد قبر لا صاحب له.

البيت الذي اتسع للجميع

في اليوم التالي، جمع سالم أهل القرية في الساحة القديمة، ووقف بينهم ممسكاً بالمفتاح الصدئ والرسائل ودفتر منصور.

كان بعض الوجوه يراقبه بشفقة، وبعضها بفضول، بينما وقف الشبان في الخلف يصورون كلماته بهواتفهم، غير مدركين أنهم يسجلون عودة رجل من موت رمزي دام عقوداً.

قال سالم:

كنت أظن أنني عدت لأسترد بيتاً، ثم عرفت أن البيت الذي أبحث عنه لم يعد موجوداً إلا في داخلي.

لكنني وجدت شيئاً أخطر من ضياع الجدران؛ وجدت أن حكايتنا كلها كادت تضيع.

أعلن تنازله عن المطالبة بإخلاء الأسرة التي اشترت المنزل بحسن نية، مقابل أن تعترف البلدية بحقه في التعويض عن الأرض والأموال التي استولى عليها منصور.

ثم طلب أن يُخصص البيت الحجري المهجور بجوار المدرسة ليصبح مكتبة ومركزاً لتوثيق تاريخ القرية، وأن تتولى ليان والشباب جمع صور العائلات ورسائل المغتربين وحكايات كبار السن.

تعالت الهمهمات، قبل أن يصفق نجيب بيدين مرتعشتين، ثم تبعه الأطفال والشبان، حتى امتلأت الساحة بصوت لم يسمعه سالم منذ عودته، صوت قرية تنادي اسمه لا لتسأله من يكون، بل لتعلن أنها تذكرته.

مفتاح لباب جديد

استغرق ترميم البيت الحجري عدة أشهر، شارك فيها أهل القرية بما استطاعوا؛ حمل بعضهم الحجارة، وتبرع آخرون بالكتب، وجمعت ليان عشرات التسجيلات لكبار السن قبل أن تأكل ذاكرتهم بقية الحكايات.

اختار سالم للمكان اسم دار الغائبين، وعلّق عند مدخلها المفتاح الصدئ داخل إطار زجاجي، وتحته لوحة صغيرة كتب عليها:

ليس كل مفتاح مصنوعاً ليفتح باباً؛ بعض المفاتيح تفتح ما أغلقه النسيان.

خصصت الدار ركناً لرسائل المهاجرين، وركناً لصور الحقول والبيوت القديمة، ووضع سالم رسائل أمه في صندوق زجاجي بعد أن نسختها ليان وحفظتها.

أما الشاهد الذي يحمل اسمه في المقبرة، فقد رفض هدمه، واكتفى بإزالة عبارة رحمه الله، ووضع مكانها سطراً جديداً:

غاب طويلاً، ثم عاد ليحكي.

العنصر الأخير، حين عرفته القرية

في مساء افتتاح الدار، وقف سالم عند الباب يستقبل الزوار، فاقترب منه الفتى الذي كان يعمل في متجر الهواتف، وبدا عليه الخجل وهو يمد يده مصافحاً.

قال الشاب:

أتذكر حين سألتني عن بيت عبد الجليل ولم أعرفه؟

ابتسم سالم:

أتذكر.

أخرج الشاب هاتفه وعرض عليه صفحة إلكترونية أنشأها شباب القرية، تحمل صور الدار وتاريخ العائلات وتسجيلات كبار السن، وكان عنوانها، ذاكرة السدرة.

قال بحماس:

أضفنا قصتك في الصفحة الأولى، والناس من خارج القرية بدأوا يرسلون صوراً ووثائق قديمة.

يبدو أن العالم الذي بين أيدينا كان ينقصه فقط من يروي له الحكاية.

تأمل سالم الشاشة الصغيرة، فرأى صورته واقفاً تحت شجرة الرمان، وإلى جوارها اسمه كاملاً، لا بوصفه مفقوداً ولا ميتاً، بل مؤسساً لدار تحفظ أسماء الذين أخذتهم الطرق البعيدة.

وفي تلك اللحظة دخل طفل صغير إلى المكتبة، وتوقف أمام المفتاح المعلق وسأل أمه:

لمن كان هذا المفتاح؟

قبل أن تجيب المرأة، انحنى سالم إلى الطفل وقال:

كان لرجل ظن أنه سيعود ليفتح به بيته، لكنه حين رجع وجد باباً أكبر ينتظره.

سأل الطفل:

وهل فتحه؟

نظر سالم إلى القاعة الممتلئة بالوجوه، وإلى ليان وهي تسجل حكاية نجيب، وإلى رسائل أمه وقد خرجت أخيراً من ظلام الصندوق، ثم قال:

نعم، لكن بعد أن فهم أن الإنسان لا يعود حقاً حين يصل إلى المكان، بل حين يجد من يناديه باسمه.

خرج سالم بعد انصراف الزوار، وسار نحو البيت الأزرق، فوجد صاحبته تقف عند الباب وتحمل سلة صغيرة من ثمار الرمان.

ناولته أكبر ثمرة وقالت:

هذه أول ثمرة نضجت هذا العام.

الشجرة لك، مهما تغير أصحاب البيت.

أخذها سالم، وشق قشرتها بيديه، فتألقت الحبات الحمراء تحت ضوء القمر كقلوب صغيرة متراصة، وتذوق واحدة منها، فامتزجت في فمه الحلاوة بالحموضة.

كانت النكهة ذاتها التي حفظها منذ طفولته، إلا أنه لم يشعر هذه المرة بأنها تستدعيه إلى الماضي، بل كانت تدفعه برفق نحو الغد.

ليست الهوية حجراً ثابتاً في جدار قديم، ولا اسماً محفوراً على باب أو قبر؛ إنها الخيط الخفي الذي يصل ما كناه بما نستطيع أن نصبحه، مهما قطعت المسافات أجزاءه.

وقد يظن الغائب أن العودة تعني أن يجد كل شيء في انتظاره كما تركه، لكنه يكتشف أحياناً أن الأماكن لا تحفظ أصحابها إلا إذا عادوا ليمنحوها معنى جديداً.

فالماضي، مهما كان عزيزاً، لا يصلح وطناً كاملاً، لكنه يستطيع أن يكون نافذة؛ نطل منها مرة أخيرة، ثم نغلقها برفق، ونفتح أمام الضوء باباً لم يكن موجوداً من قبل، قصة لحن النجوم حكاية النجمة التي أنامت حيوانات الغابة بنغمة سحرية من هنا.

التصنيفات:

إرسال تعليق

0 تعليقات
يُرجى عدم نشر تعليقات لا تحترم الشروط هنا, جميع التعليقات تخضع للمراجعة.
إرسال تعليق (0)

المحتوي

+

إقرأ أيضاً

يستخدم موقع Dseel.com ملفات تعريف الارتباط (Cookies) لضمان حصولك على أفضل تجربة إستخدام وتخصيص المحتوى المفضل للزوار, باستمرارك في تصفح الموقع، فإنك توافق على استخدامنا لها. لمعرفة المزيد