عودة الغائب بعد أربعين عاما إلى قرية السدرة

الراوي
0

عودة إلى قرية لم تعد كما كانت، حين توقفت الحافلة عند المنعطف الترابي، بحث سالم الديب بعينيه عن شجرة التوت التي اعتاد أبوه أن ينتظره تحتها، وعن المئذنة القصيرة التي كانت تهديه إلى البيت كلما عاد من الحقول قبيل الغروب، لكنه لم يجد هذه ولا تلك.

في موضع الذكريات ارتفع برج إسمنتي تعلوه هوائيات سوداء، وعلى أرض كانت في ذاكرته حقلا للذرة تحرسه فزاعة ترتدي جلبابا قديما، قامت محطة وقود تتوهج بأضواء بيضاء ساطعة.

هبط سالم من الحافلة ممسكا بحقيبة جلدية صغيرة، وظل واقفا وسط غبار الطريق كأنه نزل في قرية أخرى، راوده شعور غريب بأن أربعين عاما لم تمر فوق المكان وحده، بل مرت فوق عينيه أيضا، فبدلت كل ما كان يعرفه.

أدار رأسه باحثا عن وجه مألوف، فمر بجانبه فتى يقود دراجة نارية، تجلس خلفه فتاة تضحك وهي تمسك هاتفا مضيئا، ثم اختفيا في شارع مرصوف لم يكن له وجود يوم رحل.

أخرج سالم من جيبه مفتاحا صدئا وتأمل أسنانه الداكنة طويلا، ثم تمتم في نفسه متسائلا إلى أين سيذهب إن كان البيت نفسه قد نسي هذا المفتاح.

عودة الغائب بعد أربعين عاما إلى قرية السدرة


أربعون عاما من الغياب

كان سالم في الثالثة والعشرين عندما غادر قرية السدرة، وبلغ الثالثة والستين حين عاد إليها، وبين العمرين توزعت حياته بين بلاد بعيدة وموانئ صاخبة وغرف ضيقة لم تكن نوافذها تطل إلا على جدران أشد ضيقا.

غادر وهو يعتقد أن غربته لن تتجاوز عامين أو ثلاثة، يجمع خلالها من المال ما يكفي لترميم منزل أبيه والزواج من زينب ابنة الخباز، وكان يتخيل أنه سيعود قبل أن تتغير رائحة الفرن أو يبهت طلاء الباب الأزرق.

لكن الأعوام مضت دون أن تنتظر أحدا، مات أبوه أثناء غربته الأولى، ثم رحلت أمه، وتزوجت زينب، وتعاقبت الحروب والأزمات، حتى أصبح الرجوع وعدا يؤجله سالم كلما اقترب من الوفاء به.

ظل يرسل المال إلى ابن عمه منصور، وكان يختم كل رسالة برجاء واحد، أن يحفظ البيت حتى عودته، وكان منصور يجيبه دائما بالعبارة نفسها، مؤكدا أن بيت سالم سيظل محفوظا.

قبل سبعة أعوام انقطعت رسائل منصور، ثم علم سالم من رجل ينتمي إلى قرية مجاورة أنه مات، ومنذ ذلك الحين أصبح البيت بلا حارس، والقرية بلا صوت مألوف يستطيع أن يخاطبه.

البحث عن اسم قديم

سار سالم نحو وسط القرية متكئا على عصاه، لا لأنه عاجز عن المشي من دونها، بل كأنه كان يحتاج إلى شيء يؤكد له أنه ما زال ثابتا على قدميه، راحت عيناه تتفحصان الواجهات الزجاجية بحثا عن دكان الحاج صابر القديم.

لكنه وجد في مكان الدكان متجرا للهواتف المحمولة، تعلو بابه لافتة زرقاء تعد الزبائن بأن العالم بين أيديهم، وخلف المنضدة جلس شاب نحيل وقد وضع سماعة صغيرة في أذنه.

سأله سالم عن دكان الحاج صابر، فرفع الشاب عينيه عن الشاشة وتأمل الرجل العجوز أمامه، ثم سأله عما كان الحاج صابر يبيعه، أجابه سالم بأنه كان يبيع السكر والزيت والكاز، وكان يعرف أسماء جميع أهل القرية.

ضحك الشاب بخفة وقال إن سالم ربما يقصد دكانا قديما هدم قبل ولادته، ثم نصحه بأن يسأل العم نجيب الجالس عند المقهى، فهو أدرى بأخبار كبار السن.

لم يؤذ سالم أن يعامل باعتباره رجلا عجوزا بقدر ما آلمه أن يتحول الحاج صابر، الذي كان يعرف مواليد القرية وأمواتها، إلى مجرد اسم مجهول في ذاكرة جيل لم يشهد أيامه.

سأل الشاب عن بيت عبد الجليل الديب، فعبس قليلا وأخذ يحرك أصابعه على هاتفه كأنه يبحث عن الاسم في سجل إلكتروني، ثم أخبره أنه لا يعرف أحدا بهذا الاسم، وأن شارع النخيل يقع في نهاية الطريق ولعل المنزل موجود هناك.

غادر سالم المتجر والمفتاح الصدئ مستقر في قبضته، وقد شعر للمرة الأولى أن الاسم الذي حمله طوال حياته لم يعد قادرا على فتح باب واحد في قريته، ولا حتى على إيقاظ ذكرى في قلب أحد.

البيت الذي لم يعرف صاحبه

قادته قدماه إلى المكان الذي يفترض أن يكون فيه منزل أسرته، لكنه لم يجد السور الطيني القديم، كان جدار مرتفع من الطوب الأحمر قد حل مكانه، وقد غطته كتابات باهتة وبقايا إعلانات انتخابية ممزقة.

وحده الباب الأزرق بقي قائما، ضيقا ومتآكلا، كأنه جزء نجا من سفينة غرقت منذ زمن، غير أن نافذته الصغيرة أغلقت بلوح معدني، وتدلى من حلقته قفل جديد لامع.

اقترب سالم ومرر أصابعه فوق الخشب المتشقق، ثم حاول إدخال مفتاحه القديم في القفل، فلم يدخل منه إلا نصفه، أعاد المحاولة بلا جدوى، ثم طرق الباب ثلاث طرقات متباعدة، بالطريقة ذاتها التي كان يطرق بها حين يعود ليلا كي تعرف أمه أنه ابنها فلا تفزع.

سأله صوت امرأة من الداخل عن هويته، فقال إن اسمه سالم، وبعد لحظات فتح الباب قليلا، وظهرت امرأة في الأربعين تلف رأسها بوشاح رمادي وتراقبه بحذر.

سألته عن سالم الذي يقصده، فأجاب بصوت أثقله الزمن بأنه سالم عبد الجليل الديب، صاحب هذا البيت.

الحقيقة خلف الباب الأزرق

اتسعت عينا المرأة، لكنها لم تفتح الباب أكثر، أخبرته أن أسرتها اشترت المنزل من الحاج منصور قبل خمسة عشر عاما، وأنها تملك عقدا مسجلا يثبت ذلك.

شعر سالم كأن الأرض تميل تحته، وسألها غير مصدق إن كان منصور قد باع البيت بالفعل، هزت رأسها ونادت زوجها، فخرج رجل عريض الكتفين، تأمل سالم طويلا ثم دعاه إلى الدخول.

لم يبق من فناء الطفولة إلا شجرة رمان عجوز عند إحدى الزوايا، أما البئر فقد غطاه الإسمنت، وتحولت غرفة أمه إلى مطبخ تفوح منه رائحة القهوة والهيل.

جلس سالم على كرسي بلاستيكي، بينما جاء الرجل بملف أصفر وأخرج منه عقد البيع، حمل العقد توقيع منصور وبصمة إصبعه، وفي أسفل الصفحة عبارة تفيد بأن الوريث الوحيد، سالم عبد الجليل، مفقود منذ أكثر من ثلاثين عاما.

قرأ سالم العبارة مرتين، لم يشعر بأن أحدهم سرق منزله فحسب، بل كأن وجوده نفسه قد سرق، ثم ختمت السرقة بكلمة رسمية قاسية تقول إنه مفقود.

اعتذر صاحب المنزل وأكد أنه اشتراه بحسن نية، وأن أحدا لم يخبرهم بأن سالم ما زال حيا، وحينها رفع سالم نظره إلى شجرة الرمان وسأل لماذا لم يقطعوها.

أخبرته المرأة أنهم حاولوا ذلك ذات مرة، لكن ابنتها مرضت في الليلة نفسها، فخافت الأم وتركت الشجرة، وأضافت أن كبار السن يقولون إن صاحبة البيت القديمة غرستها يوم أنجبت ابنها الوحيد.

مد سالم يده نحو الجذع العتيق ولمسه كمن يضع يده على كتف أمه بعد غياب طويل، وتذكر قولها إن جذور تلك الشجرة ستحفظ له الطريق إليها.

الرجل الذي ما زال يتذكر

غادر سالم المنزل قبل الغروب وتوجه إلى المقهى الذي أرشده إليه بائع الهواتف، كان المكان مكتظا بالشبان، تتداخل فيه أبخرة الشاي مع دخان السجائر، فيما تعرض شاشة كبيرة مباراة بلا صوت.

في إحدى الزوايا جلس رجل مسن يلف كتفيه بعباءة بنية ويراقب رقعة الشطرنج أمامه باهتمام شديد، اقترب منه سالم وسأله إن كان نجيب ابن رضوان.

رفع الشيخ رأسه وضيق عينيه طويلا، ثم نهض فجأة حتى سقط حجر الشطرنج من يده، ونطق اسم سالم بصوت مرتجف.

كانت تلك المرة الأولى منذ عودته التي يخرج فيها اسمه من فم شخص يعرف معناه، فتح نجيب ذراعيه واحتضنه، وبكى الصديقان في صمت أثار دهشة الشبان المحيطين بهما.

جلسا متقابلين، وأخذ نجيب يبحث تحت تجاعيد سالم ولحيته البيضاء عن الفتى الذي كان يسابقه يوما إلى النهر، أخبره أنه ظن أنه مات في بلاد الغربة، فأجابه سالم بأنه ظن بدوره أن القرية ستبقى حية ما دام يتذكرها.

قبر يحمل اسم رجل حي

كشف نجيب لصديقه أن منصور باع المنزل بعدما استصدر شهادة تعتبر سالم غائبا مجهول المصير، وبعد البيع انتقل إلى المدينة واشترى متجرا كبيرا، ثم انتهت حياته في حادث قبل سبع سنوات.

راح سالم يسأل عن أهالي القرية الذين عرفهم، بينما أخذ نجيب يسرد أسماء الموتى والمهاجرين والراحلين، حتى بدت القرية القديمة في خيال سالم أشبه بمقبرة واسعة لا يعيش فيها سوى ما بقي من الذكريات.

فجأة صمت نجيب وأخذ يحرك ملعقته داخل كأس الشاي دون أن يشرب، أدرك سالم أنه يخفي أمرا، فسأله عنه، فأجابه بأن هناك شيئا ينبغي أن يراه بعينيه.

قاد نجيب سالم إلى المقابر الواقعة خلف المسجد الجديد، سارا بين شواهد الرخام الحديثة حتى بلغا قبرين متجاورين، يحمل أحدهما اسم أبيه والآخر اسم أمه.

غير أن شاهدا ثالثا صغيرا عند رأسيهما جعل الهواء ينحبس في صدر سالم، فقد كان يحمل اسمه كاملا، وتحت الاسم عبارة تصفه بالغائب الذي لم يعد، ثم دعاء بالرحمة.

تراجع سالم خطوة، ثم اقترب ولمس الحروف المحفورة بأنامله كأنه يتحسس جرحا في جسده، وسأل نجيب عمن يرقد في هذا القبر.

أخبره نجيب أن القبر فارغ، وأن أمه أقامت الشاهد بعد انقطاع أخباره لسنوات طويلة، كانت تأتي إليه كل خميس لتحدث ابنها الغائب، فقد احتاجت إلى مكان تبكي عنده، حتى إن لم يكن تحت ترابه أحد.

جلس سالم أمام قبره الوهمي وأخذ حفنة من التراب بين أصابعه، وبدت له سنوات غربته كلها كحفرة حفرها بيديه، ثم قضى عمره واقفا عند حافتها.

سر مدفون تحت شجرة الرمان

في صباح اليوم التالي عاد سالم إلى البيت الأزرق، لا ليطالب أصحابه بالرحيل، وإنما ليطلب منهم السماح له بالجلوس ساعة تحت شجرة الرمان.

استقبلته ابنة الأسرة، وكانت شابة تدعى ليان تدرس الصحافة في المدينة وتعود إلى القرية خلال العطلات، كانت قد سمعت من والديها قصة الرجل الذي ظهر فجأة حاملا مفتاحا لا يستطيع أن يفتح شيئا.

سألته إن كان يعرف القرية حقا قبل أن تصبح على صورتها الحالية، ابتسم سالم بمرارة، وقال إنه كان يعرف أصوات أبوابها كلها، ويميز الكلاب التي تنبح في وجوه الغرباء من تلك التي تستقبل المألوفين بهز ذيولها، أما اليوم فقد أصبح هو نفسه الغريب الذي لا يتذكره أحد.

أخبرته ليان أن الجامعة طلبت منها إعداد مشروع عن تاريخ القرية، واقترحت أن يساعدها، ضحك سالم للمرة الأولى منذ عودته، متسائلا كيف تبحث عن تاريخ قرية عند رجل وضعوا اسمه على قبر فارغ.

أجابته ليان بجدية بأن القبور الفارغة ربما تحفظ حكايات أكثر من البيوت الممتلئة.

الصندوق الذي كشف خيانة منصور

أثناء حديثهما لمح سالم حجرا مسطحا عند قاعدة الرمانة، عرفه على الفور، فقد وضعه أبوه قديما ليجلس عليه أثناء سقي الشجرة.

أزاح الحجر بقدمه، فظهرت تحته حلقة حديدية صغيرة غطاها التراب، انحنت ليان لمساعدته، وأخذا يحفران حتى لمست أصابعها صندوقا معدنيا علاه الصدأ.

فتحا الصندوق بعد جهد، فظهرت داخله مجموعة رسائل قديمة ملفوفة في قطعة قماش، وسوار أمه الفضي، ودفتر حسابات صغير يحمل اسم منصور.

كانت الرسائل كلها مكتوبة بخط أمه وتحمل عنوان سالم القديم في الميناء البعيد، لكنها لم تحمل أختام البريد، ولم يفتح أحد منها رسالة واحدة.

قرأ سالم الرسالة الأولى، فارتجف الورق بين يديه، كانت أمه تخبره بأنها تلقت رسالته التي وعد فيها بالعودة في الشتاء، وأنها أصلحت غرفته ودهنت الباب من أجله، وأن منصور وعدها بإرسال ردها إليه في اليوم التالي.

ثم فتح رسالة كتبت بعد خمس سنوات، تشكو فيها الأم من صمته وتتساءل لماذا لا يجيبها، كان منصور يخبرها بأن الرسائل تضيع في البحر، لكن قلبها كان يحدثها بأن شخصا ما يمنعها من الوصول.

أما الرسالة الأخيرة فكان حبرها باهتا وخطها متقطعا، طلبت منه أمه فيها ألا يغضب من القرية إذا عاد ولم يجدها، فالبيوت لا تخون، وإنما بعض الناس هم الذين يبيعون مفاتيحها، وأخبرته بأنها تركت تحت الرمانة ما يثبت أنه لم يتخل عن أهله.

انتقل سالم إلى دفتر الحسابات، فوجد سجلا للأموال التي أرسلها على امتداد عشرين عاما، وبجانب كل مبلغ ملاحظة بخط منصور تثبت أنه تسلمه، ولم ينفق على المنزل إلا القليل منه.

وفي الصفحة الأخيرة ظهرت مسودة اعتراف لم يكتمل، أقر فيها منصور بأنه أخفى رسائل الأم، وزور بعض الأوراق، وروج خبر موت سالم كي يستولي على المنزل والأرض المجاورة.

كانت ليان تصور الوثائق بهاتف مرتجف، أخبرت سالم أن ما عثر عليه يمنحه فرصة لاسترداد البيت وربما الأرض أيضا، لكنه رفع عينيه إلى الباب الأزرق ثم إلى النافذة التي كانت أم ليان تراقبه منها بقلق.

في تلك اللحظة فهم أن المنزل لم يعد جدران طفولته وحدها، بل أصبح أيضا طفولة أسرة أخرى لم ترتكب خيانة منصور ولم تكن تعرف شيئا عنها.

معركة استرداد الاسم

انتشر خبر الصندوق في أنحاء القرية قبل حلول الظهيرة، حضر المختار، وتجمع الشبان أمام المنزل، وبدأت الحكاية تنتقل من شخص إلى آخر حتى صار سالم بطلا في رواية وضحية في أخرى.

أصر نجيب على أن يلجأ صديقه إلى المحكمة ليستعيد حقوقه، بينما سيطر الخوف على صاحب المنزل من فقدان مأوى أسرته، أما زوجته فكانت تمسح دموعها بصمت، كما لو أنها تعتذر عن ذنب لم ترتكبه.

وضعت ليان الوثائق أمام سالم وأخبرته أن القرار قراره، لكنها طلبت منه ألا يسمح بدفن الحقيقة مرة أخرى.

أخذ الأوراق إلى مكتب محام في البلدة، وقضى هناك ساعات يستمع إلى تفاصيل الدعاوى والميراث والتزوير والتعويضات، أكد له المحامي أن الأدلة قوية، وأن إمكانية استعادة العقار قائمة.

لكن عندما سأله المحامي عما يريده بالتحديد، عجز سالم عن الإجابة للحظات، لقد صار في إمكانه أن يستعيد المنزل بالقانون، لكنه لن يستطيع أن يعيد أمه إلى انتظارها خلف الباب، ولا أباه إلى إصلاح السقف، ولا زينب إلى المرور قرب النافذة وهي تحمل الخبز.

قال في النهاية إنه يريد قبل كل شيء أن يعرف الناس أنه لم يترك أهله بإرادته، فأجابه المحامي بأن المحكمة تستطيع إعادة الحقوق، لكنها لا تستطيع إعادة الأعمار.

خرج سالم والملف تحت ذراعه بينما كانت الشمس تميل إلى المغيب، شاهد أطفالا يركضون في ساحة القرية ويلتقطون صورا لشاهد القبر الذي يحمل اسمه، فأدرك أن معركته الحقيقية لم تكن ضد منصور الذي مات، ولا ضد عقد بيع قديم، بل ضد النسيان الذي كاد يحوله إلى اسم على قبر لا صاحب له.

قرار غير معنى العودة

في اليوم التالي جمع سالم أهالي القرية في الساحة القديمة، ووقف أمامهم حاملا المفتاح الصدئ ورسائل أمه ودفتر منصور.

راقبه بعض الحاضرين بشفقة، وبعضهم بفضول، في حين وقف الشبان في الخلف يصورون حديثه بهواتفهم، دون أن يدركوا أنهم يسجلون لحظة عودة رجل من موت رمزي استمر عقودا.

أخبرهم سالم أنه جاء وهو يعتقد أن غايته استرداد بيت، لكنه اكتشف أن البيت الذي كان يبحث عنه لم يعد موجودا إلا في داخله، وما وجده أخطر من ضياع الجدران، فقد أدرك أن حكاية جيل كامل كادت تضيع معها.

أعلن أنه لن يطالب بإخلاء الأسرة التي اشترت المنزل بحسن نية، على أن تعترف البلدية بحقه في التعويض عن الأرض والأموال التي استولى عليها منصور.

ثم اقترح تخصيص البيت الحجري المهجور المجاور للمدرسة ليصبح مكتبة ومركزا يوثق تاريخ قرية السدرة، على أن تتولى ليان مع شباب القرية جمع صور العائلات ورسائل المغتربين وشهادات كبار السن.

تعالت الهمهمات في الساحة، ثم بدأ نجيب يصفق بيدين مرتجفتين، تبعه الأطفال والشبان، حتى امتلأ المكان بصوت افتقده سالم منذ عودته، صوت قرية تنادي اسمه، لا لتسأله عن هويته، بل لتعلن أنها تذكرته.

دار الغائبين تحفظ ذاكرة القرية

استغرقت أعمال ترميم البيت الحجري عدة أشهر، وأسهم أهالي السدرة بما استطاعوا، حمل بعضهم الحجارة، وتبرع آخرون بالكتب، فيما جمعت ليان عشرات التسجيلات لكبار السن قبل أن يطوي النسيان ما بقي في ذاكرتهم من الحكايات.

اختار سالم للمكان اسم دار الغائبين، ووضع مفتاحه الصدئ داخل إطار زجاجي عند المدخل، وأسفل المفتاح ثبت لوحة توضح أن المفاتيح ليست جميعها مصنوعة لفتح الأبواب، فبعضها يفتح ما أغلقه النسيان.

خصصت الدار ركنا لرسائل المهاجرين، وآخر لصور الحقول والمنازل القديمة، كما وضع سالم رسائل أمه داخل صندوق زجاجي بعدما نسختها ليان وحفظت محتوياتها.

أما شاهد القبر الذي يحمل اسمه، فقد رفض سالم هدمه، اكتفى بحذف عبارة الدعاء للميت، واستبدل بها كلمات تخبر كل من يقرأها أنه غاب طويلا، ثم عاد ليحكي.

حين عرفت القرية اسمه من جديد

في مساء افتتاح دار الغائبين وقف سالم عند الباب يستقبل الزوار، وبينما كان المكان يمتلئ بالأهالي، تقدم منه الشاب الذي يعمل في متجر الهواتف ومد يده إليه بخجل، وسأله إن كان يتذكر يوم جاء يبحث عن بيت عبد الجليل ولم يعرف الشاب الاسم.

ابتسم سالم وأكد له أنه يتذكر جيدا، أخرج الشاب هاتفه وعرض عليه صفحة إلكترونية أنشأها شباب القرية، تضم صور الدار وتاريخ العائلات وتسجيلات كبار السن، وتحمل اسم ذاكرة السدرة.

أخبره أن قصة سالم وضعت في الصفحة الأولى، وأن أشخاصا من خارج القرية بدأوا يرسلون إليهم الصور والوثائق القديمة، وأضاف أن العالم الذي أصبح بين أيديهم لم يكن ينقصه سوى شخص يروي له الحكاية.

تأمل سالم الشاشة الصغيرة، فرأى صورته واقفا تحت شجرة الرمان، وإلى جانبها اسمه كاملا، لم يعد موصوفا بالمفقود أو الميت، بل بمؤسس دار تحفظ أسماء أولئك الذين حملتهم الطرق إلى الأماكن البعيدة.

مفتاح لباب أكبر

دخل طفل صغير إلى المكتبة وتوقف أمام المفتاح المعلق داخل إطاره الزجاجي، ثم سأل أمه عن صاحبه.

قبل أن تجيبه المرأة، انحنى سالم نحو الطفل وأخبره أن المفتاح كان لرجل اعتقد أنه سيعود يوما ليفتح به منزله، لكنه عندما رجع وجد بابا أكبر ينتظره.

سأله الطفل إن كان الرجل قد استطاع فتح ذلك الباب، نظر سالم إلى القاعة المكتظة بالوجوه، وإلى ليان وهي تسجل حكايات نجيب، ثم إلى رسائل أمه التي خرجت أخيرا من ظلام الصندوق.

أجاب الطفل بأن الرجل فتحه، ولكن بعدما أدرك أن الإنسان لا يعود حقا بمجرد وصوله إلى المكان، وإنما حين يجد فيه من يناديه باسمه.

ثمرة الرمان وبداية الغد

بعد انصراف الزوار خرج سالم وسار نحو البيت الأزرق، فرأى صاحبته واقفة عند الباب تحمل سلة صغيرة من ثمار الرمان.

قدمت له أكبر ثمرة في السلة، وأخبرته أنها أول ثمرة نضجت في ذلك العام، ثم قالت إن الشجرة ستظل له مهما تغير أصحاب المنزل.

تناولها سالم وشق قشرتها بيديه، فتألقت حباتها الحمراء تحت ضوء القمر كقلوب صغيرة متجاورة، تذوق حبة، فاختلطت الحلاوة بالحموضة في فمه.

كانت النكهة نفسها التي حفظها منذ طفولته، لكنها هذه المرة لم تستدعه إلى الماضي، بل دفعته برفق نحو الغد.

أدرك سالم أن الهوية ليست حجرا ثابتا في جدار قديم، ولا اسما محفورا على باب أو قبر، وإنما خيط خفي يصل ما كانه الإنسان بما يستطيع أن يصبحه، مهما مزقت المسافات أجزاء ذلك الخيط.

وقد يعتقد الغائب أن العودة تعني العثور على كل شيء كما تركه، لكنه قد يكتشف أن الأماكن لا تحفظ أصحابها إلا حين يعودون إليها ليمنحوها معنى جديدا.

فالماضي، مهما كان عزيزا، لا يستطيع أن يكون وطنا كاملا، لكنه قد يصبح نافذة يطل منها الإنسان للمرة الأخيرة، ثم يغلقها برفق، ليفتح أمام الضوء بابا جديدا لم يكن موجودا من قبل.

التصنيفات:

إرسال تعليق

0 تعليقات
يُرجى عدم نشر تعليقات لا تحترم الشروط هنا, جميع التعليقات تخضع للمراجعة.
إرسال تعليق (0)

المحتوى

+

إقرأ أيضاً

يستخدم موقع Dseel.com ملفات تعريف الارتباط (Cookies) لضمان حصولك على أفضل تجربة إستخدام وتخصيص المحتوى المفضل للزوار, باستمرارك في تصفح الموقع، فإنك توافق على استخدامنا لها لمعرفة المزيد.