ليلة انشقاق الجبل، في تلك الليلة التي انشق فيها الجبل عن ضوء أحمر غريب، لم يسمع أهل قرية السرو سوى دوي خافت يشبه نبضة قلب هائلة تحت التراب، ارتجفت النوافذ الخشبية، وتساقط الغبار من أسقف البيوت، واندفعت الكلاب نحو الحقول وهي تعوي في رعب شديد.
كانت أروى وحدها خارج القرية، تمشي بين أشجار الزيتون حاملة سلة أعشاب لأمها المريضة، حين رأت وهجا يتنفس بين الصخور عند حافة الوادي، يظهر لحظة ثم يخبو، كأن جوهرة مدفونة في جوف الأرض تحاول أن تفتح عينيها بعد نوم دام قرونا طويلة.
اقتربت الفتاة، وانحنت فوق حفرة صغيرة أحدثها سقوط صخرة سوداء، فرأت بيضة بحجم جرة الماء، حمراء شفافة تتدفق في أعماقها خيوط من النار، وحين مدت كفها إليها، جاءها من داخلها صوت طرق ضعيف، ثلاث ضربات متتابعة ثم سكون تام، عندئذ أدركت أروى أنها لم تعثر على حجر كريم، بل عثر شيء غامض عليها.
البيضة التي كانت تنبض تحت التراب
لم تكن أروى من الفتيات اللواتي يصدقن حكايات العجائز بسهولة، غير أنها عاشت منذ طفولتها على سماع قصة تنانين الياقوت التي كانت تحرس الوديان من جيوش الظلام، قبل أن يصطادها الملوك طمعا في قلوبها التي قيل إنها تمنح حاملها قوة لا تنطفئ، كانت جدتها تروي أن آخر تلك التنانين اختفى قبل مئة عام، وأن الدم الأحمر الذي يلمع أحيانا في صخور الجبل ليس معدنا، بل أثر أجنحة احترقت وهي تدافع عن صغارها، رغم أن أهل القرية كانوا يضحكون كلما روت العجوز حكايتها.
حملت أروى البيضة بين ذراعيها، ففوجئت بحرارتها اللطيفة تتسلل إلى جلدها، لا تحرقه بل تطمئنه، كأنها تحمل طفلا صغيرا التف حول نفسه طالبا الحماية، وعندما عادت إلى بيتها، أخفتها في مخزن القمح خلف أكياس الشعير، ثم جلست قربها حتى منتصف الليل، تراقب الضوء القرمزي يتسرب من قشرتها ويرسم على الجدران ظلال أجنحة ضخمة لا وجود لها.
أول شرخ في القشرة
قبل الفجر بقليل، سمعت أروى صوتا حادا يشبه انكسار كأس من البلور، فاستدارت لترى خطا ذهبيا يشق سطح البيضة، ثم امتد الخط متعرجا حتى أحاط بها كاملة، تراجعت خطوة، وارتفع صدرها بأنفاس سريعة، بينما انفرجت القشرة عن رأس صغير مغطى بحراشف حمراء براقة، تتخللها عروق ذهبية دقيقة تتحرك مع كل نبضة.
فتح المخلوق عينيه الصافيتين كقطعتين من العسل المشتعل، وحدق في أروى طويلا قبل أن يعطس شرارة صغيرة أحرقت طرف كيس القمح، شهقت الفتاة وأسرعت تطفئ النار بكفيها، بينما أصدر التنين صوتا واهنا يشبه ضحكة طفل، ثم تعثر خارج القشرة واندفع نحوها، متشبثا بثوبها بمخالبه الدقيقة.
قالت وهي تحمله بحذر: ماذا سأفعل بك الآن أيها البلاء اللامع؟ فرفع التنين رأسه، ومسح أنفه الصغير بذراعها، ثم أطلق خرخرة عميقة اهتزت لها الحبوب داخل الأكياس، ابتسمت أروى رغم خوفها، وأطلقت عليه اسم وهج.
عيون الإمبراطور تصل إلى القرية
لم يبق السر خافيا سوى ثلاثة أيام، ففي مساء اليوم الرابع، حلقت فوق القرية غربان سوداء ترتدي حول أعناقها أطواقا فضية، وكانت تلك الطيور تابعة لجواسيس الإمبراطور قاهر، حاكم المدن السبع وصاحب الخزائن التي لا يعرف أحد أين تنتهي، رأى أحد الغربان وهجا يقفز فوق سطح بيت أروى محاولا مطاردة فراشة، فانقض نحوه، لكن التنين نفث شرارة حمراء أصابت جناحه، فسقط الطائر خلف السور ثم نهض مترنحا وحلق نحو العاصمة.
مع شروق اليوم التالي، اهتز الطريق تحت سنابك عشرات الخيول، ودخل جنود الإمبراطور القرية بملابسهم الحديدية السوداء، يتقدمهم القائد نادر، رجل طويل يحمل على كتفه رمحا ينتهي بنصل يشبه فك الذئب، جمع الجنود الأهالي في الساحة، ثم رفع القائد لفافة تحمل الختم الإمبراطوري وقال بصوت صلب إن مولاه بلغه ظهور مخلوق نادر بين أهل القرية، وأن من يخفيه يعاقب بالخيانة، ومن يدل عليه يحصل على مئة قطعة من الذهب.
تبادل الأهالي نظرات قلقة، ولم يجرؤ أحد على الكلام، لكن أروى شعرت بقلبها يطرق أضلاعها بعنف حين تحرك وهج داخل السلة التي حملتها على ظهرها تحت عباءة واسعة، اقترب القائد منها وحدق في وجهها الملطخ بتراب الحقول، وسألها عما تحمله، فأجابت وهي تخفض رأسها إنها أعشاب لأمها، مد يده نحو السلة، وفي تلك اللحظة صدر من داخلها صوت عطسة مكتومة، ثم تسلل خيط رفيع من الدخان الأحمر إلى الهواء، توقف القائد، واتسعت عيناه.
الهروب عبر بئر الموتى
لم تنتظر أروى السؤال الثاني، بل دفعت الجندي الأقرب إليها وركضت نحو الأزقة، بينما تعالى خلفها صراخ القائد وصليل السيوف ووقع الدروع الثقيلة، كانت تعرف طرق القرية كما تعرف خطوط كفها، فانزلقت بين البيوت الطينية، وقفزت فوق حائط منخفض، ثم اندفعت نحو المقبرة القديمة حيث توجد بئر مهجورة كان الأطفال يسمونها بئر الموتى.
وصلت إلى حافتها، وأخرجت وهجا من السلة فوجدته يرتجف ويرفرف بجناحين صغيرين لم يقويا بعد على حمله، قالت له وهي تسمع الجنود يقتربون إن عليه أن يثق بها وإلا صارا زينة في قصر الإمبراطور، ضمت التنين إلى صدرها، وأمسكت بحبل قديم معلق على جانب البئر، ثم هبطت في الظلام، بينما ظهرت خوذات الجنود عند الحافة فوقها.
أطلق أحدهم سهما مر بمحاذاة كتفها وارتطم بالحجارة، وحين كاد الحبل ينقطع تحت ثقلها، نفث وهج نارا مفاجئة أضاءت البئر وكشفت فتحة جانبية ضيقة في الجدار، تأرجحت أروى نحوها، وأدخلت جسدها بصعوبة، ثم سقطت داخل نفق بارد تفوح فيه رائحة الرطوبة والعظام القديمة، كان ذلك النفق أول طريق خارج القرية، وأول خطوة نحو قلب الخطر.
الطريق إلى وادي الرماد
خرجت أروى من النفق عند سفح الجبل مع غروب الشمس، وكان الدخان يتصاعد من القرية خلفها، فعرفت أن الجنود بدأوا تفتيش البيوت وإحراق المخازن لإجبار أهلها على الاعتراف، عضت شفتها حتى شعرت بطعم الدم، لكنها لم تفكر في العودة، فقد فهمت أن رجوعها سيمنح الإمبراطور ما يريد، ولن يعيد الأمن إلى أحد.
تذكرت كلمات جدتها عن مكان بعيد يسمى وادي الرماد، حيث عاش آخر حراس التنانين قبل أن يختفوا، وقيل إن معبدا قديما لا يزال قائما هناك، يحمل في جدرانه سر حماية المخلوقات الياقوتية، كان الوصول إلى الوادي يتطلب عبور غابة الصفير، ثم اجتياز نهر أسود تملؤه دوامات حادة كالسكاكين، وبعدها صعود ممر جبلي لا يظهر إلا تحت ضوء القمر.
سارت أروى طوال الليل، بينما كان وهج يختبئ داخل عباءتها، يخرج رأسه أحيانا ليلتقط الحشرات المضيئة أو ينفث دخانا على الأشواك التي تعترض الطريق، ومع كل ساعة، كانت حراشفه تزداد لمعانا، وكأن جسده يشرب ضوء النجوم ويخزنه في أعماقه.
الرجل الذي يعرف لغة النار
عند حافة غابة الصفير، وجدت أروى رجلا مسنا جالسا قرب نار زرقاء، يرتدي عباءة من جلود رمادية ويحمل حول عنقه قلادة على شكل جناح مكسور، قال من دون أن ينظر إليها إنها تأخرت يا حاملة الياقوت، توقفت أروى، وأمسكت عصا غليظة وسألته عن هويته.
رفع الرجل وجهه، وكان نصفه الأيسر مشوها بندوب حمراء قديمة، وقال إن اسمه ساهر، وإنه كان آخر من درب تنينا قبل أن يذبح الإمبراطور قاهر سلالتهم بأكملها، خرج وهج من العباءة، وحدق في الرجل، ثم أصدر زئيرا صغيرا، فاقترب ساهر ببطء وركع أمامه، وتمتم بكلمات غريبة تشبه فرقعة الحطب، فأجابه وهج بأصوات متقطعة.
التفت الشيخ إلى أروى وقد غابت السخرية عن ملامحه، وقال إن التنين يعرفها بوصفها أمه، لكنه خائف لأن دمه يحمل ذاكرة الذين قتلوا قبله، سألته أروى عن سبب رغبة الإمبراطور فيه، فأجاب ساهر وهو يطفئ النار الزرقاء بيده العارية أن قلب تنين الياقوت لا يمنح الخلود كما يظن الناس، بل يمنح القدرة على إيقاظ النار المدفونة تحت الأرض، ومن يسيطر عليها يستطيع أن يحرق المدن من دون جيش، شعرت أروى ببرودة تسري في ظهرها رغم حرارة وهج الملتصق بصدرها.
كمين الجسر الأسود
وافق ساهر على مرافقتها إلى وادي الرماد، لكنه حذرها من أن عيون الإمبراطور سبقتهم إلى الطرق، وأن القائد نادر لا يعود إلى سيده خالي اليدين، وصل الثلاثة إلى النهر الأسود عند الظهيرة، وكان الجسر الخشبي المعلق فوقه يتأرجح مع الريح، بينما تصطدم المياه بالصخور وتصدر صوتا كزمجرة آلاف الوحوش.
خطت أروى فوق الجسر بحذر يتبعها ساهر، لكنهم بلغوا منتصفه حين انطلقت صفارة من الضفة الأخرى، وخرج الجنود من بين الأشجار رافعين أقواسهم، وفي الخلف ظهر القائد نادر على ظهر حصانه، وأعلن أن الطريق قد انتهى، وأنه إن سلمته التنين سيترك أهل قريتها أحياء، تجمدت أروى والتفتت إليه غاضبة، فأجابها بابتسامة باردة أن الرحمة كلمة يستخدمها المنتصر عندما يريد من المهزوم أن يركع بهدوء.
أعطى إشارة بيده، فانهمرت السهام نحو الجسر، فرفع ساهر ذراعيه وردد كلمات بلغة النار، لتشتعل حبال الجسر فجأة وتتصاعد ستارة من اللهب أذابت رؤوس السهام، لكن النار أخذت تلتهم الخشب تحت أقدامهم.
أول تحليق لوهج
صرخ ساهر يأمرها بالركض إلى الضفة الأخرى، فاندفعت أروى فوق الألواح المتهاوية، بينما كان وهج على كتفها يفتح جناحيه مذعورا، وكلما سقط لوح تحت قدمها لمحت النهر الأسود يدور في الأسفل كفم بلا قاع، وصلت إلى الطرف الآخر، لكن جنديا خرج من وراء صخرة ورفع سيفه فوقها، فوثب وهج من كتفها ونفث شعلة قوية أصابت صدر الرجل وأسقطته.
لم يعد اللهب مجرد شرارة صغيرة، بل صار قوسا أحمر شديد السطوع ترك على الدرع الحديدي حفرة متوهجة، هجم جنديان آخران، فرفرف وهج بعنف، وارتفع لأول مرة في الهواء، متعثرا كطائر يتعلم النجاة في اللحظة نفسها التي يتعلم فيها الطيران، دار فوق أروى، ثم انقض على الحبال الأخيرة للجسر وأحرقها، فسقط نصفه الخلفي في النهر ومعه عدد من الجنود.
بقي القائد نادر على الضفة المقابلة يراقبهم بوجه جامد، قبل أن يصيح أنه لن يحميه إلى الأبد، وأن الإمبراطور ينتظرهم في الوادي، التفت ساهر إلى أروى وعيناه ممتلئتان بقلق لم يبد على وجهه من قبل، مدركا أن هذا يعني أن الإمبراطور يعرف مكان المعبد.
معبد القلوب المتحجرة
ظهر وادي الرماد بعد يومين من السير، أرضا رمادية محاطة بجبال سوداء، لا تنبت فيها شجرة ولا تسمع فيها زقزقة طائر، كأن الحياة نفسها توقفت عند حدوده، في منتصف الوادي ارتفع المعبد، منحوتا داخل صخرة هائلة على هيئة تنين باسط جناحيه، وكانت بوابته فما مفتوحا تزينه أنياب من حجر أحمر.
ما إن اقترب وهج حتى أضاءت الرموز المنقوشة على الجدران، واهتزت الأرض، ثم انفتحت البوابة مصدرة أنينا ثقيلا يشبه تنفس مخلوق نائم، دخلت أروى وساهر، فوجدا قاعة واسعة مصطفة على جانبيها تماثيل تنانين بأحجام مختلفة، غير أن عيونها لم تكن حجرية، بل كانت تحتوي على نقاط ضوء خافتة تنبض ببطء.
أوضح ساهر أن هذه ليست تماثيل، بل أجساد تنانين ماتت وهي تحرس بيضها، وحفظت ذاكرتها هناك، اقترب وهج من أحدها، ووضع رأسه الصغير على مخلبه الحجري، فانطلقت من التمثال صورة ضوئية لتنين ضخم يطير فوق مدن قديمة، ثم أحاط به الصيادون وأمطروه بالرماح، ارتجف وهج، وأطلق صرخة طويلة امتلأت بها القاعة، فانحنت جميع التماثيل الحجرية نحوه كأنها تستجيب لندائه.
السر المخفي في قلب المعبد
في نهاية القاعة وجدوا منصة دائرية تتوسطها فجوة بحجم جسد وهج، وفوقها كلمات محفورة بلغة قديمة استطاع ساهر قراءتها، أوضح لها أن آخر أبناء الياقوت لا ينجو إلا إذا اتحد اختياره بإرادة حاميه، وحينها لا يستطيع أحد انتزاع قوته منه إلا بالموت، وأن على أروى ووهج أن يرتبطا بعهد النار، فتشعر هي بألمه ويشعر هو بخوفها، وإذا مات أحدهما انطفأ الآخر.
ساد الصمت لحظة، ثم دوى تصفيق بطيء عند مدخل القاعة، ظهر الإمبراطور قاهر محاطا بجنوده، مرتديا درعا ذهبيا تتوسطه جوهرة حمراء كبيرة، وخلفه وقف القائد نادر وعلى وجهه جرح أسود خلفه لهب وهج، كان الإمبراطور رجلا نحيفا على خلاف ما توقعته أروى، لكن عينيه كانتا باردتين كقطعتي فضة، رفع يده، فأحاط الجنود بأروى وساهر، وأشهروا رماحا ذات أطراف زرقاء كان معدنها يخنق نار التنانين كما همس ساهر.
خيانة قديمة تستيقظ من الرماد
طلب الإمبراطور من ساهر أن يخبر أروى من دله على أعشاش التنانين قبل مئة عام، خفض ساهر رأسه، وارتعشت يده المشوهة، واعترف أنه كان شابا أحمق، وأن والد الإمبراطور وعده بتحرير عائلته إن كشف له الطريق، لكنه قتلهم وقتل التنانين جميعا بعد أن حصل على ما يريد، تراجعت أروى عنه، وشعرت بالخديعة أكثر حدة من نصل السيف، لكن ساهر أوضح لها أنه قادها إلى المكان الوحيد الذي يمكن أن يصلح فيه ما فعل.
أشار الإمبراطور إلى جنوده، فانقض اثنان منهم على وهج بشبكة فضية، لكن التنين قفز مبتعدا، فاصطدم بالشبكة وتلوى صارخا حين خمد الضوء في حراشفه، أطلقت أروى صرخة، وحاولت الوصول إليه، إلا أن القائد نادر أمسك بذراعها وثبت سيفه عند عنقها، اقترب الإمبراطور من وهج، وأخرج خنجرا شفافا بلون الجليد.
عندها اندفع ساهر نحو المنصة، وضرب كفه على الرمز المركزي، فانطلقت من الجدران دوائر من النار واهتزت التماثيل الحجرية، اخترق رمح أزرق ظهره، لكنه لم يسقط، بل ثبت يده فوق الرمز وطلب من أروى أن تضع وهجا في الفجوة وتختاره كما اختارها.
عهد النار والدم
ضربت أروى القائد نادر بمرفقها، وانحنت تحت سيفه، ثم التقطت قطعة حجر حادة وضربت بها يده حتى أفلتها، ركضت نحو وهج، وقطعت الشبكة الفضية بخنجر سقط من أحد الجنود، فاندفع التنين إلى صدرها وهو يرتجف، وقد خفت بريقه حتى صار مثل جمرة توشك على الموت.
حملته إلى المنصة ووضعته في الفجوة، ثم ضغطت كفيها حوله وقالت إنها لن تتركهم يأخذونه ولو احترق قلبها مع قلبه، اشتعل الرمز تحتها، وانطلقت النار عبر ذراعيها كآلاف الإبر الحارقة، فرأت في لحظة واحدة ذكريات وهج، وشعرت بوحدته داخل البيضة، وسمعت صرخات أسلافه، ورأت السماء من خلال عيون مخلوقات طاردها البشر حتى الموت، وفي المقابل، رأى وهج طفولة أروى وفقر بيتها ووجه أمها الشاحب ولياليها الطويلة في الحقول وخوفها الذي كانت تخفيه خلف عنادها.
اندفع من صدرهما ضوء أحمر هائل، وارتفعت أروى عن الأرض بينما بدأت حراشف وهج تتسع وتتكاثر، وامتد جناحاه حتى غطيا المنصة كاملة، خلال لحظات، لم يعد تنينا صغيرا، بل صار بحجم حصان ثم أكبر، وارتفع رأسه حتى لامس سقف القاعة، بينما توهجت عروقه الذهبية كأنه صيغ من نار حية، زأر وهج، فتحطمت الرماح الزرقاء، وتراجعت الجدران نفسها أمام صوته.
سقوط إمبراطور الجشع
أمر الإمبراطور جنوده بالهجوم، لكن كثيرين منهم ألقوا أسلحتهم وفروا، بينما ثبت القائد نادر في مكانه ورفع رمحه متحديا، انقض وهج، فضرب الأرض أمامه بذيله، وانشق الحجر تحت أقدام القائد ليسقط داخل حفرة عميقة قبل أن يتمكن من طعن التنين.
أما الإمبراطور فركض نحو الممر الخلفي حاملا خنجره، لكن أروى وقفت أمامه وقد انعكس في عينيها بريق وهج الأحمر، عرض عليها أن تصبح سيدة على القرى كلها إن ابتعدت، فأجابته أنه لا يفهم سوى الأشياء التي يمكن شراؤها، ولهذا لن يفهم أبدا لماذا خسر، اندفع إليها بالخنجر، غير أن وهج أطلق نفخة نار صغيرة أصابت الجوهرة المثبتة في درعه، فتشققت وأطلقت صريرا مخيفا.
تغير وجه الإمبراطور، فقد كانت الجوهرة تحتوي على شظايا من قلوب التنانين القديمة، وحين انكسرت خرجت منها أرواح حمراء تدور حوله في دوامة نارية، صرخ وهو يحاول الهرب، لكن الأرواح أحاطت به ورفعت جسده عن الأرض، ثم حملته إلى أحد التماثيل الحجرية المفتوحة الأفواه، في لحظة خاطفة، ابتلع الضوء الإمبراطور، وانغلق فم التمثال، ولم يبق منه سوى تاج ذهبي سقط على الأرض وتدحرج حتى قدم أروى، فركلته بعيدا.
على المنصة، كان ساهر لا يزال حيا، لكن الدم غمر عباءته الرمادية، فركعت أروى قربه، سألها بصعوبة إن كان العهد قد نجح، فاقترب وهج وخفض رأسه الكبير حتى لامس جبين الشيخ، ابتسم ساهر للمرة الأخيرة، وقال إن أعمارهم إذن لم تذهب سدى، ثم أغمض عينيه، وخمدت النار الزرقاء التي كانت تلمع في قلادته.
عودة التنين إلى السماء
خرجت أروى من المعبد مع بزوغ الفجر، وكانت السماء مغطاة بسحب رمادية ثقيلة، غير أن وهج نشر جناحيه وضرب الهواء، فاندفعت عاصفة ساخنة مزقت الغيوم وكشفت قرص الشمس، انحنى التنين، فصعدت أروى فوق ظهره، وأمسكت بالحراشف الممتدة على عنقه، ثم ارتفع بها فوق الوادي.
لأول مرة رأت العالم من السماء، فالجبال التي بدت لها في الماضي عظيمة صارت تموجات داكنة، والأنهار تحولت إلى خيوط فضية، أما الطرق التي أخافتها فغدت شقوقا ضيقة لا تكاد ترى، عادا إلى قرية السرو، فوجدا الجنود قد فروا بعد انتشار خبر موت الإمبراطور، وخرج الأهالي من البيوت المهدمة ينظرون إلى التنين الضخم في رهبة.
هبط وهج في الساحة، وركضت أم أروى نحو ابنتها تحتضنها، بينما أخذ الأطفال يقتربون من التنين بحذر، يحمل بعضهم الخبز وبعضهم أوعية الماء، انحنى وهج، فمد طفل صغير يده ولمس طرف أنفه، فضحك حين خرج منه دخان دافئ.
لم تصبح أروى ملكة، ولم تأخذ تاج الإمبراطور، بل بقيت في قريتها، وساعدت الناس على إعادة بناء بيوتهم، بينما صار وهج يحلق كل صباح فوق الحقول ويحرس الطرق من قطاع الطرق وبقايا الجنود.
بعد سنوات، ظهرت في كهوف الجبل ثلاث بيضات حمراء جديدة، تلمع في العتمة مثل نجوم صغيرة، عندها عرفت أروى أن وهج لم يكن آخر تنين من الياقوت، بل كان أول عودة لهم.
ليست القوة فيما يستطيع المرء امتلاكه، بل فيما يختار ألا يستولي عليه حين يصبح في متناول يده، فقد امتلك الإمبراطور الجيوش والذهب والخوف، لكنه ظل فقيرا أمام فتاة لم يكن لديها سوى قلب يرفض أن يبيع كائنا وثق بها، أما أروى، فلم تنتصر لأنها كانت أشجع من الجميع، بل لأنها حملت خوفها معها ومضت رغم ثقله، وحين اختارت حماية حياة أضعف منها، اكتشفت أن الرحمة قد تتحول أحيانا إلى جناحين، وأن القلب الذي يصون النور يصبح هو نفسه عصيا على الظلام.
