قصة مدرسة التاسعة مساء فصل قاوم التعب وكشف سراً

الراوي
0

عند التاسعة مساءً تمامًا، حين كانت المحال تُسدل أبوابها المعدنية بصخب يشبه أنينًا طويلًا، كانت جنة تفتح بابًا خشبيًا ضيقًا في آخر زقاق تتكاثف فوقه رائحة الزيت المحترق والغبار الرطب.

لم يكن خلف ذلك الباب متجرٌ يواصل العمل خلسة، ولا مخزنٌ تضاء مصابيحه لصفقة متأخرة، بل فصل صغير بمقاعد متفاوتة الأحجام وسبورة سوداء تكسو حوافها شقوق بيضاء كأنها تجاعيد وجه عجوز.

كل ليلة، كانت جنة تكتب على السبورة حرفًا جديدًا، ثم تلتفت نحو المقاعد الخالية أكثر مما تلتفت نحو الجالسين، متسائلة في صمت، كم ليلة يحتاج الإنسان كي يتعلم القراءة، وكم ليلة يحتاج التعب كي يهزمه؟

وفي المقعد الأخير، كانت آية تضيق عينيها كلما رفعت جنة الطباشير، ثم تخفض رأسها سريعًا قبل أن يلاحظ أحد أن الحروف أمامها لم تكن حروفًا، بل أشباحًا بيضاء تتداخل فوق جدار أسود.

قصة مدرسة التاسعة مساء فصل قاوم التعب وكشف سر قصة واقعيه

فصلٌ يبدأ بعد انطفاء المدينة

كان الفصل قائمًا في غرفة تابعة لجمعية أهلية قديمة، تعلوها مروحة سقف تدور ببطء ثقيل، فتدفع الهواء الساخن من زاوية إلى أخرى من دون أن تنجح في تبريده.

وضعت جنة فوق مكتبها إبريق شاي صغيرًا، وعدة أكواب زجاجية، وعلبة سكر كانت تنقص كل ليلة أسرع من قطع الطباشير؛ فقد اكتشفت أن العامل المتعب يحتاج إلى رشفة حلوة قبل أن يجرؤ على الإمساك بالقلم.

دخل منصور أولًا، مرتديًا قميصًا أزرق تفوح منه رائحة الحديد والزيوت، وجلس وهو يفرك أصابعه الخشنة التي قضت النهار بين صفائح المعدن والمطارق.

تبعه سالم، عامل المخبز، وعلى حاجبيه بقايا دقيقة من الدقيق، ثم جاءت أم راضي بخطوات متثاقلة بعد يوم كامل من تنظيف البيوت، تحمل حقيبة قماشية بداخلها كراسة وقلم وقطعة خبز ملفوفة في ورق.

أما آية، فكانت تدخل دائمًا بعدهم بدقائق، تضم دفترها إلى صدرها، وتختار المقعد الأخير قرب النافذة، حيث يسهل عليها أن تختبئ خلف ظل الستارة المتربة.

ابتسمت جنة وهي تنظر إلى الوجوه المرهقة أمامها، ثم كتبت على السبورة بخط كبير:

العلم باب.

قالت وهي تنفض غبار الطباشير عن أصابعها:

من يقرأ الجملة كاملة الليلة، سأعدّ له الشاي بنفسي.

ضحك منصور وقال:

وكأنك لا تعدينه لنا كل ليلة يا أستاذة جنة.

ردت وهي ترفع حاجبًا:

الليلة سأزيد ملعقة سكر.

ارتفعت ضحكات قصيرة، لكنها سرعان ما ذابت في تثاؤب سالم وانحناءة رأس أم راضي، بينما ظلت آية تحدق في السبورة بعينين نصف مغمضتين.

الحروف التي تشبه الدخان

بدأ منصور يقرأ الكلمة الأولى متلعثمًا، يضغط على كل حرف كأنه يرفع قطعة حديد ثقيلة، ثم نجح في جمع الأصوات حتى خرجت كلمة العلم من فمه مشوهة قليلًا، لكنها مفهومة.

صفقت جنة له، وصفق الآخرون، فابتسم الرجل ابتسامة طفل عثر على اسمه مكتوبًا فوق هدية.

انتقلت جنة بنظرها إلى آية.

دورك يا آية.

تحركت الفتاة في مقعدها، ثم رفعت رأسها نحو السبورة، وضاقت عيناها حتى كاد جفناها يتلامسان.

قالت بعد صمت:

لا أعرف.

حاولي فقط، لا أحد هنا يعرف قبل أن يحاول.

حدقت آية طويلًا، ثم قالت بصوت خافت:

الحرف الأول، باء؟

ساد الفصل صمت مفاجئ، فالكلمة لم يكن فيها حرف الباء أصلًا.

ضحك سالم ضحكة صغيرة لم يقصد بها السخرية، لكنها أصابت آية كحصاة قاسية، فاحمر وجهها وخفضت رأسها حتى كاد ذقنها يلامس الدفتر.

قالت جنة بحزم:

لا أحد يضحك على خطأ في هذا الفصل.

نحن جئنا إلى هنا لأن الخطأ طريقنا الوحيد إلى الصواب.

اعتذر سالم على الفور، لكن آية ظلت ساكنة، تمرر إصبعها فوق الصفحة البيضاء كما لو كانت تبحث فيها عن حفرة تختبئ داخلها.

لم تعرف جنة أن آية لم تخطئ في قراءة الحرف، بل لم تره أصلًا.

كراسٍ فارغة تلتهم الأمل

في الأسبوع الأول، امتلأت الغرفة بأحد عشر عاملًا وعاملة، حتى اضطرت جنة إلى استعارة مقعدين من الغرفة المجاورة، وكانت ضحكاتهم ترتفع كلما نجح أحدهم في كتابة اسمه للمرة الأولى.

في الأسبوع الثالث، صاروا ثمانية، ثم ستة، ثم أربعة، وكأن التعب كان يقف عند باب الفصل كل ليلة وينادي واحدًا منهم إلى سريره قبل انتهاء الدرس.

منصور تغيب بعد إصابة يده في المصنع، وسالم صار يبدأ عمله في الثالثة فجرًا، أما أم راضي فكانت تأتي يومًا وتغيب يومين، لأن ساقيها لم تعودا تحتملان صعود السلالم نهارًا والجلوس ليلًا.

كانت جنة تضع علامات الحضور في دفترها، ثم تحدق في الفراغات المتزايدة بجوار الأسماء، فتحس أن تلك المربعات البيضاء ليست غيابًا عابرًا، بل ثقوب صغيرة تتسع في جدار حلمها.

وفي إحدى الليالي، لم يحضر سوى آية ورجل مسن يدعى عم صابر، قضى نصف الدرس يقاوم النوم، ثم غادر معتذرًا لأن الحافلة الأخيرة ستمر بعد عشر دقائق.

بقيت آية وحدها أمام جنة، جالسة في آخر الفصل كعادتها، بينما كانت الساعة المعلقة فوق الباب تُصدر نقرات حادة يتردد صداها في الغرفة الفارغة.

قالت جنة:

اقتربي إلى المقعد الأول، لن تحتاجي إلى الجلوس بعيدًا ما دام الفصل خاليًا.

هزت آية رأسها بسرعة.

أنا مرتاحة هنا.

تأملتها جنة، ولاحظت كيف كانت الفتاة تميل برأسها إلى الأمام كلما كتبت حرفًا، ثم تتراجع كلما التفتت إليها.

كتبت جنة كلمة بيت بحروف كبيرة، وسألتها:

ماذا ترين؟

تجمدت آية لحظة، ثم أجابت:

لا أستطيع.

لا تستطيعين القراءة أم لا تريدين المحاولة؟

انخفض صوت آية حتى صار أقرب إلى الهمس:

لا فرق.

رسالة الممول

في صباح اليوم التالي، استدعاها حسام إلى مكتبه في مقر الجمعية، وكان المكان باردًا على نحو مبالغ فيه، تتناثر فوق جدرانه شهادات تقدير وصور لمشروعات ناجحة.

جلس خلف مكتب عريض، وأمامه تقرير الحضور الذي أرسلته جنة في نهاية الشهر، وقد وضع دائرة حمراء حول الأرقام الأخيرة.

قال من دون مقدمات:

متوسط الحضور أصبح ثلاثة أشخاص في الليلة.

أجابت جنة:

لأن مواعيد عملهم صعبة، وبعضهم يحتاج إلى وقت حتى يعتاد الدراسة بعد يوم طويل.

رفع حسام الورقة بين إصبعين، كأنها دليل إدانة.

نحن نمول فصلًا، لا غرفة انتظار فارغة.

شعرت جنة ببرودة المكيف تنزلق تحت أكمامها، لكنها أبقت صوتها ثابتًا.

الذين يأتون يتعلمون فعلًا.

منصور كتب اسمه وحده، وأم راضي بدأت تقرأ أسماء محطات الحافلة.

النتائج لا تُقاس بالقصص المؤثرة، بل بالأرقام.

مال حسام إلى الخلف، ثم قال بلهجة حاسمة:

أمامك أسبوع واحد.

إن لم يصل الحضور إلى ثمانية أشخاص على الأقل، سنغلق الفصل ونحوّل التمويل إلى مشروع آخر.

وضعت جنة كفيها على طرف المكتب.

أسبوع لا يكفي لإعادة من أنهكهم العمل.

إذن ربما لم يكن المشروع مناسبًا منذ البداية.

خرجت من المكتب وهي تشعر أن العبارة الأخيرة التصقت بثيابها كرائحة دخان، لا تزول مهما ابتعدت.

المعلمة التي طرقت أبواب الغائبين

في اليوم الأول من المهلة، ذهبت جنة إلى مصنع الأدوات المعدنية، وانتظرت منصور أمام البوابة حتى خرج مع العمال عند السابعة والنصف، ويده ملفوفة بضماد رمادي.

قال لها وهو يخفي يده خلف ظهره:

لا أستطيع الإمساك بالقلم الآن.

ناولته ورقة مطبوعة عليها كلمات كبيرة.

لا أريدك أن تكتب.

تعال واقرأ، وسنكتب عنك حتى تشفى.

ابتسم بحرج، لكنه لم يعدها بالحضور.

وفي اليوم التالي، وقفت أمام المخبز حيث يعمل سالم، والحرارة تتدفق من الباب كنفَس تنين، ورأته يحمل صواني الخبز الثقيلة بعينين حمراوين من السهر.

قال وهو يمسح العرق بطرف كمه:

عندما أجلس في الفصل، أسمع كلامك كأنه يأتي من آخر بئر.

جسدي حاضر، لكن رأسي ينام.

لم تلُمه، بل سألته:

ماذا لو اختصرنا الدرس إلى أربعين دقيقة، ووفرنا لك مكانًا تستريح فيه قبل البداية؟

نظر إليها مترددًا، ثم قال:

ربما أحاول.

أما أم راضي، فوجدتها جنة جالسة أمام بيتها تدلك ركبتيها بزيت دافئ، وإلى جوارها حفيدها الصغير يعبث بكراسة محو الأمية.

قالت المرأة:

أريد أن أتعلم، والله يعلم أنني أريد، لكن جسدي صار يطلب الرحمة.

جلست جنة بجوارها، وأخرجت من حقيبتها بطاقة كتبت عليها بخط كبير اسم الحفيد.

اقرئي هذا.

حدقت أم راضي طويلًا، ثم حركت شفتيها ببطء:

مـ، مروان.

قفز الصغير وصفق.

تبدل وجه المرأة في لحظة، وانفرجت شفتاها عن ابتسامة مرتجفة، ثم ضمت البطاقة إلى صدرها وقالت:

سأحضر غدًا، ولو زحفًا.

غياب آية الغامض

بينما كانت جنة تجوب الأحياء بحثًا عن الغائبين، بدأت آية نفسها تتغيب.

مرت ليلة من دونها، ثم ثانية، وعندما سألت عنها، لم يعرف أحد عنوانها الكامل، سوى أنها تعمل في ورشة لتغليف الملابس قرب السوق القديم.

ذهبت جنة إلى الورشة قبيل الغروب، فوجدت غرفة طويلة مضاءة بمصابيح بيضاء قاسية، تجلس فيها فتيات أمام أكوام القمصان والأكياس البلاستيكية.

كانت آية في آخر الصف، تقرب بطاقة المقاس من وجهها حتى لامست أنفها تقريبًا، ثم تعيدها إلى القميص بعد تردد.

راقبتها جنة من عند الباب، وشعرت بشيء بارد يمر في قلبها.

اقتربت المشرفة من آية وصفعت الطاولة بجوارها.

للمرة الثالثة تضعين مقاسًا خاطئًا! ألا ترين الرقم؟

ارتبكت آية وقالت:

الإضاءة ضعيفة.

لكن المصابيح فوق رأسها كانت شديدة السطوع إلى حد أنها جعلت الوجوه شاحبة.

انتظرت جنة حتى انتهى العمل، ثم لحقت بآية خارج الورشة.

لماذا لم تخبريني؟

توقفت آية، وشدت حقيبتها إلى كتفها.

أخبرك بماذا؟

أنك لا ترين جيدًا.

أدارت آية وجهها نحو الطريق.

أنا أرى.

أخرجت جنة من حقيبتها كراسة، وفتحتها على صفحة كتبت فيها كلمة كبيرة، ثم أبعدتها مسافة ذراع.

ما هذه الكلمة؟

لم تجب آية.

قربت جنة الصفحة قليلًا.

والآن؟

ظلت آية صامتة، لكن دمعة صغيرة انسلت من عينها قبل أن تمسحها بسرعة.

السر الذي اختبأ خلف المقعد الأخير

جلستا على درج حجري أمام متجر مغلق، وكانت أصوات الباعة البعيدين تتلاشى شيئًا فشيئًا، فيما تتدلى فوقهما لافتة مكسورة تصطدم بالحائط كلما هبت الريح.

قالت آية بعد صمت طويل:

منذ كنت صغيرة، كنت أجلس في آخر الفصل، فلا أرى ما تكتبه المعلمة.

كنت أخجل أن أقول ذلك، لأنها كانت تصرخ كلما أخطأت.

ابتلعت ريقها، ثم تابعت:

قالت لي يومًا أمام الجميع إن رأسي فارغ، فضحكوا.

تركت المدرسة بعدها، وصدقت أنني غبية.

لم تقاطعها جنة، بل تركت الكلمات تخرج كما يخرج الزجاج من جرح قديم؛ ببطء، وبألم، لكنه لا بد أن يخرج كي يلتئم الجسد.

قالت آية:

عندما فتحتِ الفصل، ظننت أنني ربما أستطيع التعلم الآن.

لكن الحروف ما زالت تختفي، فعرفت أن المعلمة القديمة كانت محقة.

وضعت جنة الكراسة على حجرها.

المعلمة القديمة كانت مخطئة.

ضحكت آية بمرارة.

وكيف تعرفين؟

قربت جنة الصفحة حتى صارت على مسافة قصيرة من وجه آية.

اقرئي.

ترددت الفتاة، ثم نظرت إلى الكلمة.

نـ، نور.

أبعدت جنة الصفحة قليلًا، فعاد الحرف يتشوش أمامها.

قالت بهدوء:

أنت لا تعجزين عن القراءة يا آية.

أنت فقط لا ترين الحروف من بعيد.

رفعت آية عينيها إليها، وفي وجهها دهشة ممزوجة بالخوف، كأن تفسيرًا بسيطًا هدد فجأة سنوات كاملة من القناعة بالألم.

ألهذا علاج؟

سنعرف غدًا.

نظارة تغيّر شكل العالم

في صباح اليوم التالي، اصطحبت جنة آية إلى عيادة خيرية للعيون، بعد أن أقنعت الطبيب بفحصها ضمن الحالات المجانية.

جلست آية أمام لوحة الحروف، وعندما طلب منها الطبيب قراءة السطر الأعلى، لم تستطع تمييز سوى شكل واحد غامض.

بدل الطبيب العدسات أمام عينيها واحدة بعد أخرى، وفي كل مرة كان العالم يستعيد بعض حدوده، حتى توقفت يده عند عدسة معينة وسألها:

والآن؟

شهقت آية.

لم تجب فورًا، بل مدت عنقها نحو اللوحة، ثم قرأت الحروف واحدًا واحدًا بصوت يرتجف من شدة الوضوح.

حين خرجت من العيادة بنظارتها الجديدة، وقفت فوق الرصيف كأنها تزور الشارع للمرة الأولى.

تأملت الشقوق الدقيقة في الجدار المقابل، وأوراق الشجرة المنفصلة، وأرقام الحافلات، وملامح الناس البعيدين التي لم تعد بقعًا تتحرك في الفراغ.

قالت وهي تضحك وتبكي معًا:

الأشجار فيها كل هذه الأوراق؟

ابتسمت جنة، لكنها شعرت بوخزة في قلبها؛ كم عامًا عاشته آية داخل عالم ضبابي، بينما كان الجميع يعاقبها لأنها لم تصف تفاصيل لم تستطع رؤيتها؟

ليلة الحكم على المدرسة

جاءت الليلة الأخيرة من مهلة حسام، وكانت جنة قد علقت ورقة كبيرة على الباب كتبت عليها، الدرس أربعون دقيقة فقط، والشاي مجانًا، ولا أحد أكبر من أن يبدأ.

عند التاسعة إلا خمس دقائق، كان الفصل خاليًا، باستثناء آية التي جلست للمرة الأولى في المقعد الأمامي، ترتدي نظارتها الجديدة وتفتح كراستها فوق الطاولة بثقة حذرة.

نظرت جنة إلى الساعة، ثم إلى الباب، وشعرت أن كل خطوة طرقتها بين المصانع والمخابز والبيوت قد ذابت بلا أثر.

عند التاسعة تمامًا، دخل حسام حاملاً ملفًا بنيًا، وألقى نظرة سريعة على المقاعد الفارغة.

قال:

أظن أن النتيجة واضحة.

لم تجبه جنة، بل أمسكت قطعة الطباشير وكتبت على السبورة جملة كبيرة.

من يقرأ، يرى العالم مرتين.

ثم التفتت إلى آية.

هل تقرئينها؟

رفعت آية رأسها، وانعكس ضوء المصباح على عدستي نظارتها، ثم قرأت الجملة كاملة من دون خطأ.

كان صوتها ضعيفًا في البداية، لكنه ازداد وضوحًا مع كل كلمة، حتى خرجت الكلمة الأخيرة ثابتة، رنانة، كأنها طرقة على باب ظل مغلقًا سنوات.

تغيرت ملامح حسام قليلًا، لكنه فتح الملف وقال:

هذا نجاح شخص واحد، والمشروع لا يقوم على حالة فردية.

وقبل أن يوقع الورقة، سُمع وقع خطوات في الممر.

دخلت أم راضي متكئة على حفيدها، وخلفها سالم يحمل كيسًا من الخبز الساخن، ثم ظهر منصور ويده المضمدة معلقة إلى صدره.

تبعهم عاملان جديدان من المصنع، وامرأة تعمل في مغسلة الملابس، وحارس بناية مسن قال إنه سمع عن الفصل من أم راضي.

امتلأت المقاعد الثمانية، ثم بقي رجل تاسع واقفًا عند الباب.

نظر حسام إلى الوجوه، ثم إلى تقريره، بينما انحنت جنة لتخرج المقعدين الإضافيين اللذين كادت تعيدهما إلى الغرفة المجاورة.

الامتحان الذي لم يكن في التقرير

قال حسام وهو يغلق الملف:

الحضور الليلة جيد، لكن ليلة واحدة لا تثبت أن الفصل قابل للاستمرار.

ردت جنة:

صحيح.

لهذا لن أطلب منك أن تنظر إلى العدد فقط.

وزعت على الحاضرين أوراقًا صغيرة، وطلبت من كل واحد أن يكتب شيئًا لم يكن يستطيع كتابته قبل شهر.

أمسك سالم قلمه وكتب اسم المخبز الذي يعمل فيه، وكتبت أم راضي اسم حفيدها، أما منصور فاستخدم يده السليمة ليخط اسمه ببطء، ثم رفع الورقة كمن يرفع شهادة ميلاد جديدة.

كتب الحارس المسن رقم هاتف ابنه بعد أن ظل سنوات يحفظه خوفًا من أن يضيع منه، بينما جلست آية أمام ورقتها لحظات طويلة.

ثم كتبت جملة كاملة:

أنا لست عاجزة عن التعلم.

دفعت الورقة نحو حسام، فقرأها، وبقي صامتًا.

قالت آية، وعيناها خلف النظارة لا تهربان هذه المرة:

كنت أظن أنني غبية، لكنني كنت أحتاج فقط إلى أن يراني أحد جيدًا.

ساد الفصل سكون كثيف، لم يقطعه سوى دوران المروحة واحتكاك أوراق الخبز الساخن داخل الكيس.

أعاد حسام القلم إلى جيبه، ومزق ورقة الإغلاق إلى نصفين.

حين أصبحت التاسعة موعدًا للحياة

لم يتحول الفصل بعد تلك الليلة إلى مكان مزدحم دائمًا، ولم يختف التعب من وجوه العمال، ولم تتوقف المصانع عن استنزاف أجسادهم قبل مجيء الدرس.

كان بعضهم يغيب، وبعضهم ينام دقائق فوق الكراسة، وبعضهم يتعثر في الكلمة نفسها عشر مرات قبل أن ينطقها صحيحة.

لكن جنة غيرت شكل الفصل؛ اختصرت الدروس، ووزعت المقاعد بحسب قدرة كل شخص على الرؤية والسمع، وخصصت الدقائق الأولى للشاي والراحة بدل أن تبدأ بالأسئلة واللوم.

وافق حسام على استمرار التمويل ثلاثة أشهر إضافية، ثم وفر من ميزانية الجمعية فحوصًا للنظر والسمع للدارسين، بعدما أدرك أن الأمية لا تسكن دائمًا في الكتب المغلقة، بل قد تختبئ خلف مرض لم يُكتشف أو خوف لم يجرؤ صاحبه على شرحه.

أما آية، فصارت تصل قبل التاسعة بعشر دقائق، تجلس في الصف الأول، وتمسح السبورة بقطعة قماش مبللة كي تكون الحروف أوضح للجميع.

وفي نهاية الشهر، طلبت منها جنة أن تقرأ قصة قصيرة أمام الفصل.

وقفت آية وهي تمسك الورقة بكلتا يديها، وبدأت تقرأ ببطء، ثم استقام صوتها شيئًا فشيئًا، حتى رفع منصور رأسه، وتوقف سالم عن مقاومة النعاس، وأنصت الجميع كما لو كانوا يسمعون حكاية عنهم.

عندما انتهت، لم يصفقوا فورًا؛ ظلوا لحظة داخل الصمت الذي تتركه الكلمات حين تصل إلى مكان عميق، ثم انفجرت الغرفة بالتصفيق.

ابتسمت آية، ونظرت إلى السبورة من مكانها، فرأت الجملة التي كتبتها جنة واضحة، مستقيمة، بلا ظلال ولا أشباح:

العلم باب.

تقدمت نحوها، وأضافت تحتها بخط غير متقن، لكنه مقروء:

والرحمة هي المفتاح.

المدرسة التي رفضت إطفاء مصباحها

بعد عام، لم يعد فصل التاسعة مساءً غرفة واحدة؛ فقد افتتحت الجمعية فصلين آخرين قرب المصانع، وأصبح توقيت الدروس يتغير بحسب نوبات العمال بدل أن يُجبر العمال على التكيف معه.

تولت آية استقبال الدارسين الجدد، وكانت تراقب من يجلس بعيدًا أو يقترب كثيرًا من الأوراق، ثم تسأله برفق عما يراه قبل أن تسأله عما يعرفه.

أما جنة، فاحتفظت بورقة الإغلاق الممزقة داخل درج مكتبها، لا بوصفها ذكرى انتصار على حسام، بل تذكيرًا بأن المشاريع الإنسانية قد تموت أحيانًا لأن الأرقام تُقرأ أسرع من الوجوه.

وفي إحدى الليالي، تأخر التيار الكهربائي وانطفأت الغرفة، فأشعل الدارسون مصابيح هواتفهم ووضعوها فوق المقاعد.

واصلت آية القراءة تحت الضوء الخافت، بينما امتلأت الجدران بظلال رؤوس منحنية فوق الكتب، وبدا الفصل من الخارج كفانوس صغير يقاوم عتمة الحي.

لم تكن مدرسة التاسعة مساءً تعلمهم الحروف وحدها، بل كانت تعيد إليهم حقهم في ألا تُختصر حياتهم في وظيفة شاقة، أو خطأ قديم، أو حكم قاسٍ أطلقه شخص لم يحاول أن يرى ما وراء عجزهم الظاهر.

كثيرًا ما يُدان الإنسان لأنه تأخر في الوصول، من دون أن يسأله أحد عن الطريق الذي سار فيه، أو الحمل الذي كان فوق ظهره، أو الضباب الذي غطى عينيه.

وقد لا يحتاج العاجز في نظر الناس إلى مزيد من التوبيخ، بل إلى مقعد أقرب، ووقت أرحم، ويد تؤمن بأن الباب ما زال قابلًا للفتح.

فليست كل الهزائم ناتجة عن ضعف الإرادة، وليست كل المقاعد الفارغة دليلًا على غياب الرغبة؛ أحيانًا يكون الإنسان حاضرًا بكل قلبه، لكن العالم لم يصنع له مكانًا يستطيع فيه أن يبقى.

وحين يفعل أحدهم ذلك، ولو في غرفة ضيقة بعد التاسعة مساءً، قد يتحول مصباح واحد صغير إلى مدرسة كاملة، ويتحول حرف واضح إلى حياة تبدأ من جديد.

التصنيفات:

إرسال تعليق

0 تعليقات
يُرجى عدم نشر تعليقات لا تحترم الشروط هنا, جميع التعليقات تخضع للمراجعة.
إرسال تعليق (0)

المحتوى

+

إقرأ أيضاً

يستخدم موقع Dseel.com ملفات تعريف الارتباط (Cookies) لضمان حصولك على أفضل تجربة إستخدام وتخصيص المحتوى المفضل للزوار, باستمرارك في تصفح الموقع، فإنك توافق على استخدامنا لها. لمعرفة المزيد