حديقة الأصوات الصامتة قصة نوم غامضة تبدأ بطنين لا ينتهي

الراوي
0

كان الطنين يزحف في غرفة ريما كما يزحف خيط رفيع من الضوء تحت باب مغلق؛ لا يُرى تماماً، لكنه يفضح الظلام.

لم يكن صوتاً عالياً، بل حضوراً دائماً، كأن للعقار الذي تسكنه قلباً معدنياً صغيراً يخفق خلف الجدران، فيمنع عينيها من السقوط في النعاس.

وفي تلك الليلة، حين بلغت الساعة حافة الوقت الذي تتشابه فيه الأشياء، شعرت ريما أن السرير يبتعد عنها ببطء، وأن السقف يذوب في بياض ناعم.

لم تغمض عينيها تماماً، ولم تفتحهما تماماً، لكنها وجدت نفسها واقفة عند بوابة حديقة لا تشبه شيئاً عرفته من قبل.

رواية حديقة الأصوات الصامتة قصة نوم غامضة تبدأ بطنين لا ينتهي

الحديقة التي تتحرك بلا صوت

كانت الأشجار أمامها تتهادى تحت ريح لا تسمعها، أغصانها تميل وتعود كما لو أنها ترقص في حلم بعيد.

فوقها، حلّقت نوارس بيضاء بأجنحة واسعة، تفتح الهواء وتغلقه، غير أن رفرفتها لم تترك في السماء سوى صمت أعمق.

ثم بدأ المطر.

رأت قطراته تنزل على العشب، على المقاعد الحجرية، على أطراف شعرها، لكنها لم تسمع ارتطام قطرة واحدة.

كان المشهد كله كفيلم قديم نُزع منه الصوت، وبقيت فيه الحركة وحدها تهمس بعينين مفتوحتين.

تقدمت ريما خطوة، فاهتزت أوراق قريبة منها من غير خشخشة.

وضعت يدها على صدرها لتتأكد أن قلبها لا يزال يصدر صوته المعتاد، لكنها لم تسمع إلا شيئاً خفيفاً جداً، أشبه بذكرى نبضة لا بنبضة حقيقية.

الصوت الذي جاء من اللا مكان

عند الممر الحجري، ارتفع صوت ناعم لا تعرف إن كان قادماً من الشجر أم من داخلها، وقال هنا تُخلع أفكارك كالأحذية.

تجمدت ريما في مكانها.

لم يكن الصوت مخيفاً، لكنه كان واضحاً على نحو لا يليق بهذا الصمت.

نظرت حولها فلم ترَ أحداً، لا ظلاً خلف الجذوع، ولا وجهاً بين الأغصان، ولا قدماً تترك أثراً على الطين الرطب.

خفضت عينيها إلى قدميها، فشهقت دون صوت.

كان حذاؤها مغطى بكلمات صغيرة متداخلة، بعضها مكتوب بحبر داكن، وبعضها كأنه محفور بإبرة رفيعة لماذا لم أنم؟ ماذا لو فاتني الغد؟ ماذا لو لم يتوقف الطنين؟ لماذا أتذكر كل شيء الآن؟

حين صارت الأفكار حذاءً ثقيلاً

رفعت ريما قدمها اليمنى قليلاً، فرأت الكلمات تتلوى على الجلد الأسود ككائنات قلقة.

كل فكرة كانت تلمع لحظة ثم تخبو، كأنها تستجدي أن تُقرأ مرة أخيرة قبل أن تختفي.

انحنت ببطء، وفكت رباط الحذاء الأول.

وما إن سحبته من قدمها حتى خرجت منه همهمة خفيفة، ليست صوتاً كاملاً، بل غباراً من صوت؛ ارتفع في الهواء، دار حول ركبتها، ثم تبدد بين قطرات المطر الصامت.

شعرت بأن شيئاً كان مشدوداً حول صدغها قد ارتخى.

الهواء صار أوسع، ورائحة العشب أقرب، والليل أقل حدة.

مدت يدها إلى الحذاء الثاني، وكان أثقل من الأول، كأن نهارات كثيرة خبأته داخله.

الخطوة الأولى فوق العشب

حين خلعت الحذاء الثاني، لم يخرج منه طنين ولا همهمة، بل صمت دافئ، صمت يشبه بطانية قديمة تُلقى على كتفين مرتجفتين.

تنفست ريما بعمق، فدخل الهواء إلى صدرها بارداً في أوله، ناعماً في آخره.

تركت الحذاءين عند حافة الممر، فرأت الكلمات المكتوبة عليهما تبهت شيئاً فشيئاً، كأن الليل يمحوها بإصبع مبللة.

ثم وضعت قدمها الحافية على العشب، فارتفع من موضع الخطوة ضوء صغير، أبيض مائل إلى الذهب، اشتعل لحظة ثم انطفأ كالشمعة.

خطت ثانية، وثالثة، وكل خطوة تركت أثراً ضوئياً قصيراً، يفتح لها طريقاً ثم يختفي خلفها.

لم تعد بحاجة إلى أن تعرف إلى أين تذهب؛ كان العشب يقودها كما تقود الأم طفلها النائم إلى سريره.

الشجرة التي تهمس بما لا يُفهم

في قلب الحديقة، وقفت شجرة واسعة الظل، جذعها بلون الليل بعد المطر، وأوراقها طويلة رقيقة كأهداب عين نصف مغمضة.

جلست ريما تحتها، فمالت الأغصان فوق رأسها دون صوت، كما لو أن الشجرة تعرفها منذ زمن بعيد.

كانت الأوراق تصدر همسات خافتة جداً، لا تحمل كلمات مفهومة، ولا جُملاً يمكن الإمساك بها.

ومع ذلك، كان في تلك الهمسات ترتيب غامض يطمئن الجسد، كأنها تغني للروح بلغة سبقت اللغة.

أسندت ريما ظهرها إلى الجذع، فوجدته دافئاً على خلاف ما توقعت.

أغمضت عينيها لحظة، فرأت الطنين الذي كان يملأ غرفتها يتحول إلى دائرة رمادية صغيرة، تبتعد، وتبتعد، حتى صارت نقطة لا تستحق الخوف.

السحاب الذي ينام فوقها

استلقت ريما على الأرض.

كان العشب تحتها ليناً إلى حد جعلها تشعر أنها لا تستلقي على أرض، بل على تنفس بطيء عميق.

فتحت عينيها فرأت السحاب يمر فوقها بخطوات بيضاء متثاقلة، كأنه هو أيضاً يبحث عن وسادة.

قطرة مطر استقرت على خدها، باردة ثم دافئة، ولم تنزلق.

بقيت هناك مثل قبلة صغيرة من عالم لا يريد إيقاظها.

في البعيد، رفرفت النوارس مرة أخرى، لكنها بدت الآن كأفكار بيضاء تغادر رأساً تعب من حملها.

لم تعد ريما تسأل أين هي، ولا كيف جاءت، ولا متى تعود.

الأسئلة نفسها بدت كأحذية بعيدة عند باب حديقة، لا تصلح للمشي في هذا الضوء الناعم.

نهاية الطنين وبداية النوم

عاد الصوت الناعم مرة أخيرة، لا من الشجرة ولا من السماء، بل من ذلك الموضع الهادئ بين الشهيق والزفير اتركي ما لا يحتاجه الليل عند عتبة الليل.

ابتسمت ريما ابتسامة صغيرة، بالكاد تحركت على شفتيها.

شعرت أن جفونها لم تعد بابين يقاومان الإغلاق، بل ستارتين من حرير تنزلان برفق على نافذة مضاءة.

صار السحاب أبطأ، والحديقة أبعد، والعشب أكثر نعومة.

وحين أغمضت عينيها، لم تسقط في النوم سقوطاً، بل انزلقت إليه كما تنزلق قطرة ندى على ورقة ساكنة.

انطفأت آثار خطواتها واحداً بعد آخر، وبقيت الحديقة صامتة، تحرس حذاءين خاليين من الكلمات.

الصفحة البيضاء

في غرفتها، كان العقار لا يزال يطن، لكن الصوت صار بعيداً، كأنه في مدينة أخرى خلف بحر كثيف.

كانت ريما نائمة، ويداها مسترخيتان فوق الغطاء، ووجهها هادئاً كصفحة لم تُكتب بعد.

أما الصفحة التي انتهت عندها الحكاية، فقد بقيت بيضاء، واسعة، بلا علامات، بلا ضجيج، بلا جملة أخيرة تزاحم النوم.

كأنها لم تُترك فارغة سهواً، بل فُتحت عمداً كي يعبر منها القارئ إلى سكينته.

فالليل لا يهزمنا دائماً بما فيه من أصوات، بل بما نحمله إليه من أفكار لم تجد مكاناً تخلع فيه ثقلها.

ومن يتعلم أن يترك عند عتبة روحه ما لا يلزمه، قد يكتشف أن النوم ليس هروباً من العالم، بل عودة هادئة إلى أعمق غرفة في الذات, حكاية سليم عديم اللون ومنقذ كروموس والمدينة التي تتنفس الألوان من هنا.

التصنيفات:

إرسال تعليق

0 تعليقات
يُرجى عدم نشر تعليقات لا تحترم الشروط هنا, جميع التعليقات تخضع للمراجعة.
إرسال تعليق (0)

المحتوي

+

إقرأ أيضاً

يستخدم موقع Dseel.com ملفات تعريف الارتباط (Cookies) لضمان حصولك على أفضل تجربة إستخدام وتخصيص المحتوى المفضل للزوار, باستمرارك في تصفح الموقع، فإنك توافق على استخدامنا لها. لمعرفة المزيد