قطار السحب النائمة الحكاية السرية التي تزور نوافذ الأطفال كل ليلة

الراوي
0

في تلك الساعة التي تنسى فيها المصابيح سبب اشتعالها، وتغفو الأزقة تحت عباءة زرقاء باردة، كان شيءٌ غامض يهبط من أعلى السماء بلا ضجيج، كأنه سرٌّ لا يريد أن يوقظ أحداً.

لم يكن طائراً، ولا نجمة هاربة، ولا حلماً عابراً.

كان قطاراً كاملاً مصنوعاً من سحبٍ خفيفة، ينساب بين المآذن والأسطح، وتلمع نوافذه كقطرات ندى علقت في ثوب الليل.

قطار السحب النائمة الحكاية السرية التي تزور نوافذ الأطفال كل ليلة

القطار الذي لا يراه الكبار

كان القطار يظهر كل ليلة عندما تنطفئ آخر نافذة في المدينة، فيمر فوق البيوت دون أن يترك ظلاً، ودون أن يوقظ كلباً حارساً أو قطة نائمة فوق سور قديم.

عجلاته لم تكن من حديد، بل من دوائر ضبابية تدور فوق الهواء، وصفارته لم تكن صفيراً، بل نفحة دافئة تشبه أول نفسٍ يخرج من كوب حليب ساخن.

وكان لكل عربة لونٌ شاحبٌ كالحلم؛ عربة بلون المطر، وأخرى بلون القطن، وثالثة تشبه صفحة بيضاء قبل أن تلمسها الحكايات.

نسمة سائحة القطار وحارسة النوم

من باب العربة الأولى كانت تنزل نسمة، فتاة صغيرة لا يعرف عمرها أحد، ترتدي معطفاً من ريش الغيم، وتحمل حقيبة شفافة تتلألأ فيها ملاقط فضية وقوارير زجاجية صغيرة.

لم تكن نسمة تطرق الأبواب؛ كانت تقف أمام نافذة كل طفل وتهمس لها، فتفتح النافذة ببطء كجفنٍ أرهقه النهار، ثم تدخل الغرفة بخفة رائحة الياسمين.

كانت تعرف أين تختبئ الهموم.

بعضها ينام فوق الوسادة، وبعضها يلتف حول الأصابع الصغيرة، وبعضها يقف ثقيلاً قرب القلب كحجرٍ لا يراه أحد.

أول نافذة والهمّ الذي كان له صوت

في البيت القريب من شجرة التوت، كان طفلٌ صغير يدعى سليم يتقلب في سريره، وقد ترك يومه على جبينه خطوطاً خافتة كأنها آثار أمواجٍ انسحبت من الشاطئ.

اقتربت نسمة منه، فسمعت داخل رأسه ضجيجاً صغيراً؛ سؤالاً خائفاً عن امتحان الغد، وكلمة جارحة قيلت في الفناء، وصورة قلمٍ مكسور ظل يلمع في ذاكرته.

مدّت نسمة ملقطها الفضي، وسحبت الفكرة الثقيلة من الهواء فوق وسادته، فإذا بها تتحول بين أصابعها إلى كرة رمادية ترتجف كفقاعة حزينة.

حين تصير المخاوف بالونات

نفخت نسمة في الكرة الرمادية نفخة رقيقة، فانتفخت وتحولت إلى بالون صغير، ثم ربطته بخيط من ضوء القمر وتركته يطير خارج النافذة.

ارتفع البالون فوق السطح، ثم فوق المدخنة، ثم صار نقطة بعيدة في بطن السماء، حتى ابتلعه الليل كما تبتلع البحيرة حصاةً صغيرة دون أن تضج.

وفي الفراغ الذي تركه الهم، سكبت نسمة من قارورة زجاجية صوت مطرٍ ناعم، فامتلأت الغرفة برذاذٍ غير مرئي، وهدأ وجه سليم حتى ابتسم في نومه.

العربة الثانية تمتلئ بأسرار النهار

لم يكن سليم وحده من ينتظر القطار دون أن يعرف.

في نافذة أخرى، كانت طفلة تخفي حزناً لأن صديقتها لم تجلس قربها، وفي غرفة بعيدة كان طفل يحبس سؤالاً عن غياب أبيه المسافر.

كانت نسمة تدخل وتخرج، تجمع الخواطر الثقيلة كما يجمع البستاني أوراق الخريف، لكنها لم تكن ترميها؛ كانت تمنحها أجنحة صغيرة كي لا تبقى في الصدور.

بعض الهموم تحولت إلى بالونات زرقاء، وبعضها إلى فقاعات بنفسجية، وبعضها إلى طيور شفافة لا تسمع إلا خفقها الخفيف حين تعبر ضوء القمر.

ما الذي تضعه نسمة بدلاً من الحزن؟

في كل غرفة، كانت نسمة تترك شيئاً لا يُرى ولكنه يُحس.

عند طفلٍ كثير الخوف تركت رائحة خبزٍ يخرج من فرن قديم، دافئةً كحضن جدّة.

وعند طفلةٍ ضاق قلبها من الوحدة، تركت صوت صفحات كتاب تُقلب بهدوء، كأن أحداً يجلس بقربها ويحرس حلمها حتى الصباح.

أما الغرف التي امتلأت بالأسئلة، فكانت تملؤها بنورٍ خافت يشبه أول خيط فجر، ثم تغلق النافذة كمن يطوي رسالةً ثمينة.

الغرفة الأخيرة وسرّ البالون الأسود

قرب آخر شارع في المدينة، توقف قطار السُحب طويلاً أمام نافذة لم تنفتح.

كانت الستائر ساكنة، والزجاج بارداً، والليل حولها أكثر صمتاً مما ينبغي.

اقتربت نسمة ووضعت كفها على الزجاج، فسمعت في الداخل فكرةً ثقيلة جداً، لا تشبه القلق ولا الحزن، بل تشبه صندوقاً مغلقاً نسي الطفل مفتاحه في نهارٍ بعيد.

فتحت النافذة أخيراً بصوتٍ خافت، ودخلت نسمة إلى الغرفة، وهناك رأت طفلاً نائماً وعيناه مبللتان، كأن بكاءه لم يجد طريقاً إلى الخارج فنام معه.

عندما يلين أثقل ما في القلب

جلست نسمة قرب السرير، ولم تستخدم الملقط الفضي هذه المرة.

وضعت يدها فوق الهواء القريب من صدر الطفل، وانتظرت حتى خرج الهم ببطء على هيئة بالون أسود صغير.

كان البالون ثقيلاً لا يريد الطيران، فاقترب القطار كله من النافذة، وأضاءت عرباته واحدةً بعد أخرى، كأن السحب قررت أن تساعد قلباً صغيراً على النجاة.

همست نسمة ليس على الليل أن يحتفظ بكل شيء.

ثم ربطت البالون بخيط طويل من ضوء القمر، فارتفع متردداً، ثم خفّ، ثم صار رمادياً، ثم أبيض، ثم اختفى.

عودة القطار إلى عناق القمر

مع اقتراب الفجر، صار القطار أخف من تنهيدة، وامتلأت عرباته ببالوناتٍ بعيدة تلمع حوله كأسراب كواكب صغيرة وجدت طريقها إلى السلام.

صعدت نسمة إلى العربة الأولى، وأغلقت حقيبتها الشفافة، ثم لوّحت للمدينة التي لم تكن تعلم أنها نامت أخيراً بلا ضجيجٍ في الصدور ولا أحجارٍ فوق الوسائد.

ارتفع قطار السُحب النائمة ببطء، حتى بلغ حافة القمر، وهناك فتح القمر ذراعيه من نور، فدخل القطار في عناقه كما يدخل الطفل في حضنٍ يعرفه منذ الأزل.

الصباح الذي لم يعرف السر

عندما استيقظ الأطفال، لم يتذكر أحدهم القطار، ولا نسمة، ولا البالونات التي طارت فوق الأسطح.

لكنهم شعروا بأن الغرف أوسع، وأن الوسائد أخف، وأن الضوء أكثر لطفاً.

سليم وجد امتحانه أقل وحشية، والطفلة التي خافت الوحدة ابتسمت لصديقتها أولاً، والطفل صاحب البالون الأسود فتح نافذته طويلاً ليدخل الهواء.

أما المدينة، فبقيت لا تعرف أن فوقها، في كل ليلة، يمر قطارٌ من سحبٍ رحيمة، يأخذ ما ثقل على القلوب الصغيرة ويترك مكانه أسباباً ناعمة للنوم.

ما يتركه الليل حين يكون رحيماً

ليست كل الهموم تحتاج إلى صراخٍ كي ترحل؛ بعضها يكفيه أن يُلمس برفق، وأن يجد من يحوله من حجرٍ صامت إلى بالونٍ يعرف طريق السماء.

وهكذا ظل قطار السُحب النائمة يعود كل ليلة، لا ليمنح الأطفال أحلاماً جميلة فحسب، بل ليعلّم القلوب الصغيرة أن ما يثقلها اليوم قد يخف غداً، إذا وجد نافذةً مفتوحة ونسمةً حانية, قصة حب بدأت بالضجيج وانتهت بسقوط الحاجز حكاية خلف جدار الصمت من هنا.

التصنيفات:

إرسال تعليق

0 تعليقات
يُرجى عدم نشر تعليقات لا تحترم الشروط هنا, جميع التعليقات تخضع للمراجعة.
إرسال تعليق (0)

المحتوي

+

إقرأ أيضاً

يستخدم موقع Dseel.com ملفات تعريف الارتباط (Cookies) لضمان حصولك على أفضل تجربة إستخدام وتخصيص المحتوى المفضل للزوار, باستمرارك في تصفح الموقع، فإنك توافق على استخدامنا لها. لمعرفة المزيد