قصة قلادة الشمس أماليا والنمر الذهبي في وادي الصقيع

الراوي
0

في وادي الصقيع حين يتجمد الدفء ويسكن الحزن البيوت، لم تكن الثلوج في وادي الصقيع مجرد أمطار بيضاء تتساقط من السماء، بل كانت أشبه بضيف ثقيل يتسلل إلى صدور الناس، تماما كما يتسلل الحزن إلى بيت هجره أهله منذ زمن بعيد، تلك القرية الصغيرة، المعلقة بين جبال الأنديز الشاهقة كعش طائر نسيه الجميع، كانت تعيش شتاء لا آخر له منذ اليوم الذي اختفت فيه قلادة الشمس الدافئة.

توقفت الذرة عن النضج في الحقول، وتوقفت الأمهات عن نشر الأغطية على حبال كانت تعرف يوما رائحة الضوء الدافئ، حتى ضحكات الأطفال ضعفت وخفتت، وكأنها تخرج من أفواه غطاها الجليد، وفي تلك الليلة، حين انطفأت آخر جمرة في بيت أماليا، رفعت الفتاة عينيها نحو القمة البيضاء الشامخة، حيث يقال إن نمرا ذهبيا يحرس القلادة المفقودة، وهمست بصوت لا يكاد يسمع لن أطلب الشمس لنفسي، بل لكل من نسي شكل الدفء.

قصة قلادة الشمس أماليا والنمر الذهبي في وادي الصقيع


وادي الصقيع والسر الذي تجمد في الحكايات

كانت القرية تحمل قديما اسما آخر، وادي الينابيع الدافئة، في الأيام التي كانت فيها الشمس تلامس سطوح البيوت الطينية عند الفجر فتكسوها بلون يشبه العسل، كان الرعاة يعودون مساء حاملين نايهم الطويل، وكانت نساء القرية يخبزن خبز الذرة فوق حجارة ساخنة تفوح منها رائحة الحياة نفسها.

لكن كل شيء تغير يوم اختفت القلادة، تلك التي ورثها أهل الوادي عن أرواح الجبال، والتي كان في قلبها حجر مستدير يشبه عين الشمس، لم تكن مجرد حلية قديمة، بل كانت وعدا مقدسا بأن يبقى الضوء قريبا من البشر ما داموا يحفظون العهد بينهم وبين الجبل، وتقول الحكاية إن أحد الطامعين حاول سرقتها يوما، فاستيقظ الجبل غاضبا، وخرج من قلب العاصفة نمر ذهبي بعينين تلمعان كالجمر، حمل القلادة إلى أعلى قمة، ثم أغلق الطريق إليها بالرياح والثلج والصمت الأبدي.

مجلس الشيوخ تحت سقف الجليد

في بيت الاجتماع، جلس الشيوخ حول نار هزيلة تلتهم الحطب القليل وكأنها تعتذر عن عجزها عن منح الدفء، كان وجه كبير القرية محفورا بالتجاعيد، وكل تجعيدة فيه تروي حكاية درب ضاع تحت الثلوج، قال بصوت خافت من يصعد إلى القمة لا يعود، النمر لا يرحم من يقترب من القلادة.

عندها تقدمت أماليا، وعباءتها الصوفية مرقعة عند الأطراف، لكن عينيها كانتا صافيتين كسماء ما قبل العاصفة، قالت بثقة ربما لم يرحم أحدا لأن أحدا لم يصعد إليه بقلب خال من السيف، ساد المكان صمت ثقيل، حتى بدت طقطقة الجمر وكأنها اعتراض عجوز غاضب، نظر إليها الناس بين الخوف والدهشة، أما أمها فقبضت على يدها طويلا، كمن يحاول منع نجمة من الرحيل عن سمائها.

الطريق إلى القمة حيث تتكلم الرياح

خرجت أماليا قبل بزوغ الفجر، حاملة كيسا صغيرا فيه خبز ذرة، ووشاحا نسجته أمها من صوف اللاما، ونايا قديما كان ملكا لأبيها الراحل، لم تحمل سكينا، ولا عصا حديدية، ولا تعويذة حرب، كان الطريق يصعد بين صخور سوداء تكسوها حواف بيضاء، والريح تعوي في الممرات كأنها ذئاب لا ترى بالعين.

كانت كل خطوة تغوص في الثلج حتى الكاحل، وكل نفس يخرج من صدرها يتحول إلى غيمة صغيرة ترتجف أمام وجهها، ومع ارتفاع الشمس الباهتة في السماء، بدأت تسمع أصواتا غريبة تتردد بين الصخور، همسات لا تشبه كلام البشر، وكأن الجبل نفسه يختبر قلبها قبل أن يسمح لها بالعبور.

ظلال الراحلين على الثلج

عند منتصف الطريق، وقعت عينا أماليا على آثار أقدام قديمة تجمدت في مكانها، تنتهي فجأة عند حافة واد عميق، كانت هناك خوذة صدئة، وسوار نحاسي، وقطعة قماش حمراء تتحرك مع الريح كلسان نار خمدت منذ زمن بعيد، أدركت أن رجالا كثيرين سبقوها إلى هذا الطريق، وكلهم جاءوا يطلبون القلادة بالقوة والسلاح.

ولعل هذا هو السبب في أنه لم يبق منهم سوى آثار باردة، وحكايات تخيف الأطفال عند حلول المساء، جلست قرب صخرة، وأخرجت الناي من كيسها، لم تعزف لحنا بطوليا، بل لحنا هادئا كان أبوها يعزفه حين تضيع إحدى اللامات الصغيرة في الضباب، وحين سالت النغمة في الهواء البارد، خف عواء الريح قليلا، وكأن الجبل نفسه أصغى إليها.

كهف النمر الذهبي وعيناه الحزينتان

مع حلول الغسق، وصلت أماليا إلى كهف عظيم عند صدر الجبل، كان مدخله مفتوحا كفم أسطوري، تتدلى من سقفه أسنان من الجليد، وفي عمقه توهج خافت يشبه قلب نار مخبوءة، خطت إلى الداخل، فسمعت زمجرة هزت الأرض تحت قدميها.

ثم خرج النمر الذهبي من الظلام، عظيما كحلم قديم، تتلألأ فراؤه كحقل قمح تحت شمس بعيدة، وتتدلى من عنقه القلادة المنشودة، لكن أماليا لم تر الوحش أولا، بل رأت عينيه، كانتا واسعتين، متعبتين، وتحملان وحدة طويلة لا تشبه غضب الحراس، بل حزن من ظل يحرس بابا لا يزوره سوى الخائفين والطامعين.

حوار أمام القلادة

زمجر النمر بصوت عميق كل من جاء قبلك أراد انتزاع الشمس من عنقي، هل جئت لتكوني حجرا آخر تحت الثلج؟ ابتلعت أماليا خوفها، لكنها لم تخفض عينيها، قالت بثبات جئت لأن قريتي تموت بردا، ولأنني أظن أنك تعبت من سماع وقع أقدام لا تحمل إلا الخناجر.

اقترب النمر منها، فارتجف ضوء القلادة على جدران الكهف، قال البشر لا يفهمون إلا الأخذ، أجابته أماليا بهدوء ربما لأنهم يخافون أن يطلبوا، وربما لأن لا أحد علمهم أن الحارس قد يكون أسيرا هو أيضا، توقف النمر عن الكلام، انطفأت الزمجرة في صدره شيئا فشيئا، كما تخمد عاصفة حين تجد واديا ترتاح فيه، ولأول مرة، لم يرفع مخالبه، ولم يكشف عن أنيابه، بل جلس أمامها كملك منسي أثقلته التيجان.

سر الحارس الذي لم يكن عدوا

قال النمر، وصوته أعمق من صدع الجليد حين حاول الطامع سرقة القلادة، لم أخطفها لأحرمكم منها، حملتها إلى هنا كي لا تقع في يد تجعل الشمس ملكا لرجل واحد، لمعت القلادة على صدره، فرأت أماليا داخل حجرها الذهبي صورا صغيرة، حقولا محترقة، رجالا يتقاتلون، وأطفالا يركضون خلف ضوء لا يصلون إليه أبدا.

تابع النمر كلامه انتظرت من يأتي لا ليأخذ، بل ليفهم، لكنهم جاءوا بسيوفهم، فسمعت في صوت الحديد نية قلوبهم، مدت أماليا يدها إلى كيسها، وأخرجت آخر قطعة من خبز الذرة، ووضعتها على صخرة بينهما، وقالت لا أملك ذهبا أقدمه لك، ولا قوة أغلبك بها، لكنني أعرف طعم الجوع، وأعرف أن من يحرس وحده ينسى أحيانا أنه يستحق أن يؤنس.

دمعة فوق الثلج

اقترب النمر من الخبز، ولم يأكله في البداية، بل شمه كمن يستعيد بيتا لم يره منذ قرون طويلة، ثم انحنى، وحين رفع رأسه، كانت في زاوية عينه دمعة صغيرة تجمدت قبل أن تسقط، قال بصوت خافت لم يسألني أحد قط إن كنت بردانا.

خلعت أماليا وشاح أمها، ووضعته قرب مخالبه الهائلة، كان الوشاح صغيرا على جسده الضخم، لكنه حمل رائحة البيوت، ورائحة الأيدي التي تنسج كي يحيا الآخرون بدفء، عندها انحنى النمر حتى صار رأسه قريبا من وجهها، وقال خذي القلادة يا ابنة الوادي، ليس لأنك غلبتني، بل لأنك سمعت ما كان مخفيا خلف زمجرتي طوال هذه السنين.

عودة الشمس إلى وادي الصقيع

حين وضعت أماليا القلادة حول عنقها، ارتجف الكهف كله من حولها، لم يكن الضوء المنبعث حادا، بل دافئا كأنه كف أم تلامس جبين طفلها المريض، ذابت أطراف الجليد شيئا فشيئا، وبدأ الماء يقطر من السقف وكأن الجبل نفسه يبكي فرحا بعد سنوات من الصمت.

رافقها النمر حتى مدخل الكهف، ووقف هناك على حافة الصخر، وفراؤه يشتعل بضوء الغروب الذهبي، قالت أماليا لن أقول لهم إنني هزمتك، أجابها قولي لهم إن الشمس لا تعود إلى من يصرخ أعلى، بل إلى من يصغي أعمق، هبطت أماليا مع أول خيط من ضوء الفجر، وكلما خطت خطوة، انكسر الجليد تحت قدميها، وخرجت من الأرض رائحة تراب مبلل، تلك الرائحة التي تجعل القلب يتذكر الربيع قبل أن يراه بعينيه.

القلادة لا تشرق إلا بين الجميع

عندما وصلت أماليا إلى القرية، خرج الناس من بيوتهم وكأنهم يستيقظون من حلم طويل استمر سنوات، لمس الأطفال الضوء بأصابعهم الصغيرة، وبكت النساء بصمت، وخفض الرجال رؤوسهم أمام الفتاة التي عادت بلا سيف، لكنها حملت معها شمسا كاملة.

وضعت أماليا القلادة في ساحة القرية، لا في بيتها، ولا في بيت الشيوخ، قالت بصوت واثق هذه ليست ملكا ليد واحدة، إن عادت الطمع إلى قلوبنا، عاد الشتاء إلى عظامنا من جديد، ومنذ ذلك اليوم، صار أهل الوادي يجتمعون كل عام عند أول ذوبان للثلج، يتركون قرب الطريق خبز ذرة ووشاحا صغيرا من الصوف، لا خوفا من النمر الذهبي، بل عرفانا بجميل الحارس الذي علمهم أن الوحشة قد ترتدي أحيانا هيئة الرعب.

حين صار الدفء عهدا

عاد الربيع إلى الوادي ببطء، لا كضيف متعجل، بل كحبيب يعرف أن القلوب الجريحة تحتاج زمنا طويلا لتصدق الفرح من جديد، نبتت الأعشاب بين الحجارة، وغنت الينابيع تحت الجليد المكسور، وارتفعت من المداخن رائحة خبز جديد تملأ الهواء.

أما أماليا، فكانت كلما نظرت إلى القمة البعيدة، ترى ومضة ذهبية تتحرك بين الضباب، لم تخبر أحدا أنها، في بعض الليالي الهادئة، تسمع نغمة الناي تعود إليها من أعلى الجبل، وكأن النمر تعلم أخيرا كيف يرد التحية لمن أحسن إليه، وهكذا فهم أهل وادي الصقيع أن القوة قد تفتح بابا موصدا، لكنها لا تستطيع أن تدخل الدفء إلى القلب، وحده الحوار، حين يخرج من صدر رحيم، يستطيع أن يذيب ثلوجا عاشت أعواما طويلة فوق الجبال، وداخل الأرواح أيضا.

التصنيفات:

إرسال تعليق

0 تعليقات
يُرجى عدم نشر تعليقات لا تحترم الشروط هنا, جميع التعليقات تخضع للمراجعة.
إرسال تعليق (0)

المحتوى

+

إقرأ أيضاً

يستخدم موقع Dseel.com ملفات تعريف الارتباط (Cookies) لضمان حصولك على أفضل تجربة إستخدام وتخصيص المحتوى المفضل للزوار, باستمرارك في تصفح الموقع، فإنك توافق على استخدامنا لها لمعرفة المزيد.