قصة الباب المغلق حكاية مذكرات زوج راحل أعادت أرملته إلى الحياة

الراوي
0

في اللحظة التي استدار فيها المفتاح داخل القفل، شعرت سلمى كأنها لا تفتح باب غرفة، بل تشق صدعاً في جدار أقامته حول قلبها منذ عامين.

انبعث من الداخل هواء بارد مشبع برائحة الورق القديم وخشب الأرز، فارتجفت يدها رغم دفء ظهيرة الصيف.

ظل الباب موارباً أمامها، بينما تسللت خيوط الضوء إلى العتمة مثل أصابع مترددة تخشى إيقاظ ساكن غائب.

عندها فقط أدركت أن بعض الغرف لا تُغلق لحماية ما بداخلها، بل لحماية من يقف خارجها.

قصة الباب المغلق حكاية مذكرات زوج راحل أعادت أرملته إلى الحياة

الغرفة التي توقف فيها الزمن

بقيت سلمى واقفة عند العتبة، تضغط بكفها على حافة الباب، وكأن الخشب وحده يمنعها من السقوط.

لم تدخل هذه الغرفة منذ الليلة التي حمل فيها رجال الإسعاف جسد زوجها نادر إلى الخارج، تاركين سريره مرتباً ونظارته فوق المكتب وكوباً نصف ممتلئ بالماء.

كان كل شيء في مكانه، حتى الغبار بدا وكأنه استقر باحترام على الأشياء دون أن يجرؤ على تغيير ملامحها.

الستائر الرمادية مغلقة، والقميص الكحلي الذي ارتداه في آخر صباح معلق خلف الكرسي، وقد فقد رائحته وبقي شكله.

قالت لنفسها وهي تلتقط أنفاسها:

لن يستغرق الأمر أكثر من ساعة.

لكن صوتها خرج خافتاً ومبحوحاً، كصوت شخص يتحدث داخل بئر.

كانت قد وعدت جمعية خيرية بإرسال ملابسه وكتبه ذلك المساء، بعد أشهر من التأجيل، ولم يعد لديها عذر تقوله لنفسها أو للمرأة الصبورة التي اتصلت بها مراراً.

خطت خطوة واحدة، فأصدر لوح الأرضية أنيناً مألوفاً.

توقفت فجأة، والتفتت نحو الممر، وقد خُيّل إليها أن نادر سيطل من المطبخ مبتسماً ويقول إن البيت القديم يعرف كيف يشكو أفضل من البشر.

لم يأتِ أحد.

أشياء لم تعرف أنها تحتفظ بها

فتحت سلمى النافذة، فتطاير الغبار في الضوء على هيئة ذرات ذهبية دقيقة.

دخل ضجيج الشارع دفعة واحدة، أبواق السيارات وصوت بائع الفاكهة وضحكة طفل في الشرفة المقابلة، فبدا العالم وقحاً في استمراره.

بدأت تجمع الملابس بحركات آلية، تطوي القمصان كما كانت تفعل قبل سفرهما، وتتحاشى لمس جيوبها.

كل قطعة كانت تستدعي مشهداً صغيراً؛ معطفه البني في أول شتاء جمعهما، وربطة العنق الزرقاء في حفل ترقيته، وكنزة صوفية أحرقتها المكواة فضحك ولم يغضب.

حين أمسكت بالقميص الكحلي، انزلق من جيبه شيء معدني وسقط على الأرض بصوت حاد.

انحنت والتقطت مفتاحاً صغيراً لم تره من قبل، أسود الرأس، تتدلى منه بطاقة ورقية كتب عليها بخط نادر، الدرج السفلي.

حدقت في الكلمات طويلاً.

كانت تعرف كل أدراج المكتب، أو هكذا ظنت.

جلست على ركبتيها وراحت تفتحها واحداً بعد آخر، حتى وصلت إلى درج ضيق قرب الأرض، محجوب بحافة خشبية جعلته يبدو جزءاً من هيكل المكتب.

أدخلت المفتاح.

دار بسهولة.

الدرج الذي لم يكن موجوداً

انفتح الدرج ببطء، كاشفاً عن صندوق جلدي داكن، رُبط بشريط أخضر باهت.

لم تجد فيه مالاً ولا أوراقاً رسمية ولا صورة لامرأة مجهولة كما قفز إلى خيالها، بل سبعة دفاتر متوسطة الحجم، مرتبة بحسب السنوات.

كان الدفتر الأخير يحمل تاريخ العام الذي مات فيه نادر.

شعرت سلمى بانقباض في صدرها.

طوال زواجهما، لم تره يكتب يوميات، لكنها تذكرت فجأة كيف كان يغلق حاسوبه حين تدخل الغرفة، وكيف كان يستيقظ أحياناً قبل الفجر ويتسلل إلى مكتبه معتذراً بأنه لم يستطع النوم.

مدت يدها نحو الدفتر، ثم سحبتها.

لم تكن المذكرات رسالة موجهة إليها، وربما كان فتحها خيانة لرجل لم يعد قادراً على الدفاع عن أسراره.

ومع ذلك، كان اسمها مكتوباً على الغلاف الداخلي بقلم أسود، وتحته جملة قصيرة جعلت الدم يبرد في أطرافها:

إلى سلمى، عندما يصبح الصمت أثقل من الحقيقة.

جلست على الأرض، وأسندت ظهرها إلى المكتب.

ثم فتحت الصفحة الأولى.

صوت يعود من الورق

كان خط نادر واضحاً ومستقيماً، لا يشبه ارتباكها وهي تمرر إصبعها فوق الحروف.

بدأت الصفحة بوصف صباح عادي؛ قهوتهما، خصام صغير بشأن نافذة المطبخ، وضحكتها حين نسي محفظته للمرة الثالثة في أسبوع.

ثم تغيرت النبرة.

كتب أنه زار الطبيب وحده، وأن الفحوص كشفت عن مرض في القلب تطور بصمت سنوات طويلة.

كان يمكن إجراء جراحة معقدة، لكنها لم تكن مضمونة، وكان احتمال أن يتركها فجأة يطارده حتى في أكثر أيامهما هدوءاً.

توقفت سلمى عن القراءة، ورفعت عينيها نحو الكرسي الفارغ.

همست:

كنت تعرف؟

ارتد السؤال من الجدران ولم يجد جواباً.

كانت قد صدقت أن موته جاء بلا إنذار، نوبة خاطفة في صباح بارد، وأنهما كانا ضحيتين لمصادفة قاسية.

أما الآن، فقد اكتشفت أن نادر عاش أشهراً وهو يسمع اقتراب النهاية، ويبتسم لها كل مساء كأن الغد حق مضمون.

قلبت الصفحة بعصبية، وفي صدرها غضب لم تعرف كيف توجهه.

كتب نادر، لم أخبرها لأنني جبنت.

أقنعت نفسي أنني أحميها، لكن الحقيقة أنني كنت أحمي الساعات القليلة التي نعيشها بلا خوف.

أغلقت سلمى الدفتر وصفعته بكفها.

نهضت مترنحة، وسارت إلى النافذة، بينما اشتعل وجهها بالدموع.

أرادت أن تصرخ في صورته، أن تسأله بأي حق حرمها من الوقوف إلى جانبه، وبأي حق تركها تعيد تفاصيل أيامه الأخيرة باحثة عن علامة لم ترها.

كان يجب أن تخبرني.

قالتها هذه المرة بصوت مرتفع.

ثم أضافت، وهي تضرب زجاج النافذة بقبضتها:

كان يجب أن تمنحني فرصة لأخاف معك.

الحقيقة التي عبرت سنوات الصمت

تركت سلمى الغرفة، وأمضت ساعة كاملة جالسة على أرض المطبخ.

كان الغضب يتحرك داخلها مثل نار تبحث عن منفذ، لكن تحت النار كان شيء آخر يتكون ببطء؛ فضول مؤلم، أشبه بجوع لا يشبعه إلا المزيد من الحقيقة.

عادت عند الغروب.

كانت الغرفة قد اكتست بلون برتقالي، وامتدت ظلال الأثاث فوق الجدران كأطراف طويلة.

جلست قرب الصندوق وفتحت الدفتر من جديد، لا بحثاً عن العزاء، بل بحثاً عن تفسير.

اكتشفت أن نادر لم يكتب عن مرضه وحده.

كتب عنها أيضاً، عن سنوات زواجهما، وعن أحلام تحدثا عنها ثم أجلاها حتى ذبلت من كثرة الانتظار.

كتب عن متجر الزهور الذي كانت سلمى تحلم بفتحه، وعن دفاتر التصميم التي أخفتها بعد أن سخر والدها من الفكرة.

كتب عن رحلتهما المؤجلة إلى أسوان، وعن دروس الرسم التي سجلت فيها ثم انسحبت لأنها انشغلت بمرض والدته.

كل حلم تخلت عنه، كان هو يرصده في صمت.

قائمة الأشياء المؤجلة

في منتصف الدفتر، وجدت سلمى صفحة تحمل عنواناً مختلفاً، الأشياء التي سرقتها منا كلمة لاحقاً.

تحت العنوان، كتب نادر قائمة طويلة؛ تناول الإفطار قرب النيل، شراء دراجة لسلمى، طلاء غرفة النوم بلون جريء، تبني قطة رمادية، زيارة البحر في الشتاء، والاعتذار عن خلافات صغيرة قبل أن تصبح ثقيلة.

ضحكت سلمى وسط دموعها حين قرأت بنداً يقول، تعلم الرقص دون تحطيم مزهرية أخرى.

لكن ضحكتها انكسرت عندما وصلت إلى السطر الأخير، أن أقول لسلمى إنها لم تُخلق لتعيش حولي، بل إلى جواري.

بقيت تحدق في الجملة حتى اختلط الحبر في عينيها.

كانت حياتها طوال العامين الماضيين تدور حول غيابه.

لم تغيّر موضع كوبه، ولم تسمح لأحد بالجلوس على كرسيه، ولم تزر مكاناً أحبّاه معاً، كأن الوفاء يقتضي أن تعاقب نفسها على نجاتها.

قلبت الصفحة، فوجدت رسالة مؤرخة قبل وفاته بأسبوع واحد.

الرسالة الأخيرة

بدأت الرسالة دون تحية، كأن نادر كان يعرف أن الكلمات العادية لن تكفي:

يا سلمى، ربما تقرئين هذا وأنت غاضبة، ومن حقك أن تغضبي، أخطأت حين جعلت خوفي قراراً يخصنا معاً، ثم اتخذته وحدي.

وضعت سلمى يدها على فمها، وأكملت القراءة.

لكنني أرجوك ألا تجعلي خطئي سجناً لك، لا تحفظيني في غرفة مغلقة، ولا تحولي ملابسي إلى جدران، الإنسان لا يبقى في الأشياء، بل في الطريقة التي يغير بها من أحبهم.

اهتزت الصفحة بين أصابعها.

عندما ترين الباب الذي رسمته في آخر الدفتر، افتحي الجدار خلف الخزانة، هناك شيء لم أستطع إنهاءه، وربما تستطيعين أنت.

التفتت سلمى ببطء نحو الخزانة الخشبية الكبيرة.

كان ظهرها ملاصقاً للحائط، ولم يخطر ببالها يوماً أن خلفها مساحة خفية.

أغلقت الدفتر ونهضت، ثم دفعت الخزانة بكل ما بقي في جسدها من قوة.

تحركت سنتيمترات قليلة، مصدرة صريراً حاداً.

واصلت الدفع حتى انكشف جزء من الحائط، فرأت خطاً مستطيلاً رفيعاً يحيط بلوح خشبي مطلي بلون الجدار.

لم يكن باباً حقيقياً، بل فتحة ضيقة أُخفيت بعناية.

أزالت اللوح.

وانسكب الضوء على عشرات اللوحات.

الحديقة التي رسمها لها

كانت اللوحات مكدسة داخل تجويف عميق، وقد لف بعضها بقماش قطني.

أخرجت سلمى أول لوحة، فوجدت رسماً لمحل صغير بواجهة زجاجية، تتدلى فوق بابه لافتة كتب عليها، حديقة سلمى.

في اللوحة الثانية ظهرت هي واقفة بين الزهور، ترتدي مئزراً أخضر وتضحك لامرأة تحمل باقة ياسمين.

أما الثالثة، فكانت مخططاً دقيقاً للمحل؛ الأرفف، الطاولات، مكان الضوء، وحتى الزاوية التي يمكن أن تجلس فيها لترسم.

لم يكن نادر رساماً بارعاً، لكن خطوطه حملت عناية مؤثرة.

كان قد رسم حلمها كما لو أنه يحاول بناءه على الورق قبل أن يخذله الوقت.

في أسفل آخر لوحة، وجدت مظروفاً أبيض.

فتحت المظروف، فسقط منه عقد إيجار قديم لمحل صغير في الشارع المجاور، وإيصال دفع مقدم لمدة عام.

كان العقد باسمها، لكنه انتهى قبل أشهر من وفاته.

شعرت بوخزة مريرة، ثم انتبهت إلى ورقة منفصلة كتب عليها عنوان صاحب العقار ورقم هاتفه، وتحته جملة:

ربما ضاع هذا المكان، لكن حلمك لا يعرف عنواناً واحداً.

جلست سلمى بين اللوحات، وبكت للمرة الأولى دون أن تحاول كتم صوتها.

لم يكن بكاؤها بكاء امرأة فقدت زوجها فقط، بل بكاء امرأة اكتشفت كم ابتعدت عن نفسها وهي تظن أنها تحافظ على الحب.

ما أخفاه الحزن في المرآة

حل الليل، ولم تشعل سلمى المصباح.

بقيت جالسة قرب النافذة المفتوحة، والدفاتر تحيط بها كأصوات سبعة أعوام تجمعت أخيراً في غرفة واحدة.

راحت تقرأ صفحات متفرقة، فعرفت أشياء صغيرة لم تنتبه إليها؛ أن نادر كان يخاف المستشفيات، وأنه بكى ليلة دفن أبيه وحده في السيارة، وأنه شعر بالغيرة حين أثنى أحدهم على رسوماتها ثم خجل من غيرته.

وعرفت أنه لم يكن الرجل الصلب الذي صنعته ذاكرتها بعد موته.

كان خائفاً، مرتبكاً، يخطئ ويعتذر في السر، ويحبها بطريقة ناقصة لكنها صادقة.

هذا الاكتشاف لم يقلل حبها له، بل أعاده إلى حجمه الإنساني.

لم يعد تمثالاً بارداً لا تستطيع الاقتراب منه، بل رجلاً عاش معها، أخطأ معها، وترك لها باباً كي تغادر حزنه دون أن تغادر ذكراه.

حين وصلت إلى الصفحة الأخيرة، وجدت سطوراً غير مكتملة.

إن مت قبل أن أقول لها.

توقفت الجملة عند هذا الحد، وامتد بعدها خط حبر طويل، كأن القلم انزلق من يده.

مررت سلمى أصابعها فوق الفراغ.

ثم أمسكت بالقلم الموجود على المكتب.

الجملة التي أكملتها بنفسها

ظلت لحظات تحدق في الصفحة، قبل أن تكتب تحت كلماته بخط مرتجف:

إن مت قبل أن تقول لي، فقد سمعتك الآن.

انتظرت أن تشعر بالخيانة لأنها كتبت داخل دفتره، لكنها شعرت بدلاً من ذلك بهدوء خفيف، مثل أول نسمة تدخل بيتاً ظل مغلقاً طويلاً.

نهضت وفتحت الستائر كلها.

تدفقت أضواء المدينة إلى الغرفة، وانعكست على الزجاج والصور وإطارات اللوحات.

نزعت الملاءة عن السرير، وفتحت الأدراج، وأحضرت ثلاثة صناديق من المخزن.

في الصندوق الأول وضعت الملابس التي ستتبرع بها، وفي الثاني الكتب والأوراق التي ستحتفظ بها.

أما الثالث، فوضعت فيه الأشياء التي لم تعرف بعد إن كانت قادرة على فراقها.

لأول مرة، لم تخجل من ترددها.

لم تكن البداية الجديدة معركة تُحسم في ليلة، بل خطوات صغيرة، بعضها إلى الأمام وبعضها يعود من شدة الألم.

ومع ذلك، فإن مجرد تحريك الأشياء من أماكنها بدا كإعلان خافت بأن الزمن عاد إلى السير.

حين فُتح الباب للمرة الأخيرة

في صباح اليوم التالي، وصلت سيارة الجمعية الخيرية.

حمل العمال الصناديق، بينما وقفت سلمى قرب مدخل البيت تراقب القمصان والمعاطف والكتب تغادر دون أن تشعر بأن نادر يبتعد معها.

حين حمل أحدهم الكرسي الخشبي، كادت تطلب منه إعادته.

لكنها تذكرت جملته، لا تحفظيني في غرفة مغلقة.

ابتلعت اعتراضها، وتركت الكرسي يعبر الباب.

بعد أن غادرت السيارة، عادت إلى الغرفة.

بدت أوسع مما تذكر، وأشد فقراً في الأشياء، لكنها لم تعد مرعبة.

كان ضوء الصباح يغطي الأرض، ويكشف آثار الأثاث القديمة كندوب شاحبة.

علقت لوحة حديقة سلمى على الحائط.

ثم اتصلت بالرقم المكتوب في رسالة نادر.

أجاب رجل مسن، وبعد لحظة صمت قال إنه يتذكر العقد ويتذكر زوجها.

أخبرها أن المحل أُجّر لغيرها منذ زمن، لكنه يعرف مكاناً آخر أصغر، في شارع هادئ قرب مدرسة، وصاحبته تبحث عن مستأجر.

قالت سلمى، وهي تنظر إلى اللوحة:

أريد أن أراه.

ترددت قليلاً، ثم أضافت:

اليوم، لا لاحقاً.

الباب الذي لم تعد تخشاه

بعد ثلاثة أشهر، وقفت سلمى أمام محل ضيق بواجهة زجاجية مطلية حديثاً.

كانت رائحة الطلاء تمتزج برائحة النعناع والتراب المبلل، بينما اصطفت أوعية الزهور عند المدخل كضيوف ملونين في احتفال صغير.

فوق الباب، ثبت عامل شاب لافتة خشبية كتب عليها، الباب المفتوح للزهور والهدايا.

اقترحت صديقتها اسماً أكثر رقة، لكن سلمى تمسكت به.

لم تكن تريد أن تسمي المكان باسمها، بل باسم اللحظة التي أعادتها إلى نفسها.

في زاوية المحل، وضعت لوحة نادر قرب مكتب صغير للرسم.

لم تعرض مذكراته، ولم تخبر الزبائن بقصته، فقد أدركت أن بعض الأسرار لا تحتاج جمهوراً كي تصبح ذات معنى.

مع اقتراب الغروب، دخلت فتاة صغيرة برفقة والدتها، واختارت زهرة بيضاء وحيدة.

سألتها سلمى لمن ستقدمها، فأجابت الطفلة بأنها ستضعها قرب صورة جدتها.

لفت سلمى الزهرة بورق شفاف، ثم انحنت وقالت:

الصور تحب الزهور، لكنها تحب أيضاً أن نخرج ونرى الشمس.

لم تفهم الطفلة المعنى كاملاً، لكنها ابتسمت.

عندما أغلقت سلمى المحل في تلك الليلة، لم تشعر أنها تغلق باباً.

كان الضوء ينساب من الداخل عبر الواجهة، والزهور تتحرك برفق خلف الزجاج، كأن المكان يتنفس حتى في غيابها.

وضعت المفتاح في حقيبتها، ورفعت وجهها نحو السماء التي بدأت تتلون بحمرة الغروب.

ثم مشت إلى منزلها دون أن تلتفت خلفها، لا لأنها نسيت نادر، بل لأنها لم تعد تحتاج إلى الوقوف في مكانها كي تثبت أنها أحبته.

نظن أحياناً أن الوفاء للمفقودين يقتضي أن نعيش في الظلال التي تركوها، وأن نحرس أبوابهم المغلقة حتى يتآكل العمر بين أيدينا.

لكن الحب الذي يطالبنا بالموت بعد أصحابه ليس حباً، بل خوف يرتدي ثياب الذكرى.

لم تجد سلمى في الغرفة معجزة تعيد زوجها، ولم تختفِ آلامها حين قرأت كلماته.

كل ما وجدته كان إذناً متأخراً بأن تنجو، ثم اكتشفت أن الإذن الحقيقي لم يكن في المذكرات، بل في يدها التي أدارت المفتاح.

فبعض الأبواب نخشى فتحها لأننا نظن أن خلفها نهاية كل شيء، بينما تختبئ وراءها، بصبر بالغ، أول خطوة نحو البداية, قصة الفانوس الهادئ الحكاية الغامضة التي أطفأت القلق شعلة بعد شعلة من هنا.

التصنيفات:

إرسال تعليق

0 تعليقات
يُرجى عدم نشر تعليقات لا تحترم الشروط هنا, جميع التعليقات تخضع للمراجعة.
إرسال تعليق (0)

المحتوي

+

إقرأ أيضاً

يستخدم موقع Dseel.com ملفات تعريف الارتباط (Cookies) لضمان حصولك على أفضل تجربة إستخدام وتخصيص المحتوى المفضل للزوار, باستمرارك في تصفح الموقع، فإنك توافق على استخدامنا لها. لمعرفة المزيد