الفانوس الذي ظهر من العدم، حين دقت الساعة الثالثة بعد منتصف الليل، كان احمد لا يزال جالسا عند حافة سريره، يحدق في بقعة داكنة على الجدار وكأنها باب ضيق ينتظر أن يفتح فمه ويبتلعه، كانت المدينة خلف النافذة غارقة في صمت ثقيل، غير أن رأسه كان يعج بضجيج لا يسمعه أحد، أصوات مواعيد مؤجلة وديون متراكمة ووجوه غاضبة وأسئلة تتكاثر كلما حاول إغلاق عينيه.
مد يده إلى المصباح فوق الطاولة، ثم تراجع حين لمح شيئا لم يكن موجودا قبل لحظات، فانوسا صغيرا من النحاس يقف وحيدا قرب كوب الماء ويتوهج بنور أزرق هادئ يشبه ضوء القمر في قاع بئر.
ظل يراقب الفانوس من بعيد، بينما كانت شعلته الزرقاء تتحرك ببطء خلف الزجاج، مع أن النافذة مغلقة والهواء ساكن لا يحرك حتى أطراف الستارة، كان جسم الفانوس منقوشا بخطوط دقيقة تتشابك مثل جذور أشجار قديمة، وعلى قاعدته ظهرت كلمات باهتة لم يستطع قراءتها إلا بعدما اقترب ووضعه بين كفيه المرتجفتين، كتب على النحاس أن كلما خفت الضوء خف ما تحمله، شعر ببرودة المعدن تتسلل إلى راحتيه، ثم سحب يديه سريعا، فقد خيل إليه أن الفانوس ينبض كقلب مخلوق نائم.
الشعلة الأولى
جلس أمامه مترددا، وأخذ يتأمل النور الأزرق وهو يملأ الغرفة بظلال لينة لا تشبه الظلال الحادة التي يصنعها المصباح الكهربائي، فجأة انخفضت الشعلة درجة واحدة، وصدر من داخل الفانوس صوت خافت يشبه زفرة طويلة خرجت من صدر شخص أنهكه البكاء.
في اللحظة ذاتها اختفت من رأس احمد فكرة كانت تلاحقه منذ أسابيع، صورة مديره وهو يلوح بملف أحمر ويهدده بالطرد إن تأخر مرة أخرى، حاول استعادة تفاصيل المشهد فلم يجد سوى فراغ ناعم كصفحة مسحت منها الكتابة دون أن تتمزق، ارتفعت أنفاسه في البداية ثم انخفضت ببطء، وكأن حبلا كان مشدودا حول صدره قد تراخى فجأة، سأل بصوت متحشرج ماذا فعلت بي، فلم يجبه الفانوس، غير أن شعلته مالت نحوه للحظة كأنها سمعت السؤال وفهمته.
درجات الخفوت
وضع احمد الفانوس فوق الطاولة، ثم جلس على الأرض قبالته مستندا إلى جانب السرير، غير قادر على الهرب منه أو الاقتراب أكثر، كان جزء منه خائفا من ذلك الشيء الذي يمحو الأفكار، لكن جزءا آخر كان يتوق إلى الصمت الذي تركته الفكرة الغائبة خلفها.
بعد دقائق خفتت الشعلة مرة ثانية، اختفى صوت صاحب المنزل الذي طالبه بدفع الإيجار، وتلاشت الطرقات العنيفة على الباب، واختفت معها تلك العقدة التي كانت تتكون في معدته كلما تذكر نهاية الشهر، تنفس بعمق، فوجد أن الهواء يدخل رئتيه بسهولة غريبة، محملا برائحة المطر والتراب المبتل رغم أن السماء في الخارج كانت صافية.
فكرة تتبعها أخرى
خفت النور مرة ثالثة، فتلاشى خوفه من المرض الذي توهم أنه يزحف في جسده كلما شعر بوخزة عابرة أو صداع قصير، وعندما انخفض الضوء مرة رابعة انطفأت صورة حادث قديم ظل يعيدها في رأسه كل ليلة، مع أنه نجا منه منذ سنوات ولم يبق منه سوى ندبة رفيعة فوق حاجبه.
في كل مرة كان النور يخفت كانت الغرفة تصبح أكثر ظلمة، لكن صدره يصبح أكثر اتساعا، كأن الليل خارج الفانوس يبتلع ليلا أعمق كان يسكن داخله، بدأ كتفاه يهبطان بعد أن بقيا مشدودين ساعات طويلة، واستقرت يداه فوق ركبتيه من دون ارتجاف، لأول مرة منذ شهور سمع دقات قلبه لا كطبول حرب، بل كخطوات هادئة تمضي في ممر بعيد.
الفكرة التي رفضت الرحيل
لم يبق في الفانوس إلا نصف الضوء، وقد أصبحت الشعلة بحجم ورقة صغيرة ترتعش داخل الزجاج، اقترب احمد حتى كاد وجهه يلامس المعدن، ثم همس سائلا هل تستطيع أن تأخذها أيضا، كان يعرف أي فكرة يقصد حتى من دون أن يسميها.
كانت ذكرى أخته مريم وهي تغادر المنزل في ليلة ممطرة بعد شجار قاس بينهما، ثم تختفي من حياته سنوات كاملة دون اتصال أو رسالة، لم يكن احمد يخشى غيابها فقط، بل يخشى أن تكون كلماته الأخيرة قد تحولت إلى جدار لا تستطيع العودة عبره.
الهمسة داخل الزجاج
اهتزت الشعلة فجأة، وارتفع من الفانوس صوت بالكاد يسمع، في البداية ظنه حفيف الريح، لكنه أدرك بعد لحظات أنه صوت امرأة تنطق اسمه ببطء قائلة احمد، تراجع حتى اصطدم ظهره بالسرير، واتسعت عيناه وهو يحدق في الزجاج الأزرق.
عاد الصوت مرة أخرى أوضح هذه المرة، يقول إن بعض الأفكار لا تؤلم لأنها كاذبة، بل لأنها تنتظر منك فعلا لم تفعله، شعر بقشعريرة تعبر ذراعيه، ثم ظهرت على سطح الزجاج صورة باهتة لأخته وهي تقف تحت المطر، تحمل حقيبة سوداء وتنظر خلفها قبل أن تمضي، اقتربت يده من الفانوس لكنه لم يلمسه، وقال بصوت خافت إنه يريد أن ينساها.
خفت الضوء درجة أخرى، غير أن صورة مريم لم تختف، بدلا من ذلك تلاشت الجملة التي كان يرددها كلما تذكرها، أنها هي التي اختارت الرحيل، وبقيت الحقيقة عارية أمامه، هو لم يحاول البحث عنها، ولم يرسل اعتذارا، ولم يسمح لنفسه أن يعترف بأنه كان مخطئا.
حين أصبح الظلام علاجا
لم يتبق من الشعلة إلا خيط أزرق رفيع، وكانت الغرفة من حوله قد غرقت في عتمة هادئة لا تثير الخوف، مد احمد يده إلى هاتفه، وفتح الرسائل القديمة، ثم بحث عن رقم مريم الذي احتفظ به رغم مرور السنوات.
ظل إصبعه معلقا فوق الشاشة، بينما أخذت الأفكار تتقافز من جديد، ماذا لو لم تجبه، ماذا لو كرهته، ماذا لو أغلقت الهاتف في وجهه، عندها خفت الفانوس درجة أخرى فاختفت أول فكرة، ثم خفت مرة ثانية فتلاشت الثانية، أما الثالثة فقد بقيت معلقة في رأسه، لكن وقعها لم يعد حادا كما كان، بل تحولت إلى احتمال صغير يمكن احتماله.
الرسالة التي انتظرت سنوات
كتب احمد ببطء رسالة يقول فيها إنه لا يعرف إن كان رقمه ما زال محفوظا لديها، لكنه يعرف أن كلماته الأخيرة لم تكن عادلة، وإنه لم يكتب ليطلب منها أن تنسى، بل ليقول إنه لم ينس خطأه، وأنه آسف.
قرأ الرسالة مرات كثيرة، وكان على وشك حذفها، حين اهتز الفانوس فوق الطاولة ومالت شعلة النور في اتجاه الهاتف، ضغط زر الإرسال، بقيت الشاشة صامتة، لكن شيئا ثقيلا غادر صدره، لا لأنه ضمن الغفران، بل لأنه توقف أخيرا عن الهرب من الطريق المؤدي إليه.
الشعلة الأخيرة
صار الفانوس الآن شبه مظلم، ولم يبق داخله سوى نقطة ضوء صغيرة كنجمة بعيدة توشك أن تغيب خلف الغيوم، شعر احمد بنعاس عميق ينساب إلى أطرافه، فتمدد فوق السرير، لكنه ظل يراقب النقطة الزرقاء بعينين نصف مغمضتين.
حين خفتت للمرة الأخيرة، لم تختف ذكرى ولا صورة ولا صوت، بل اختفى فقط خوفه من أن تعود الأفكار غدا، أدرك في تلك اللحظة أن الفانوس لم يمح حياته، ولم يبدل ماضيه، ولم يسدد ديونه أو يصلح أخطاءه، لكنه منحه مساحة صغيرة بينه وبين قلقه تكفي ليتنفس ويتحرك، انطفأ الضوء تماما، وغرقت الغرفة في الظلام، ومع ذلك لم يشعر احمد بأنه وحيد.
طرقات الفجر
استيقظ احمد على ثلاث طرقات هادئة فوق باب شقته، كان الفجر قد بدأ يسكب ضوءا رماديا خلف الستائر، والفانوس لا يزال فوق الطاولة، لكنه تحول إلى قطعة نحاسية باردة بلا أثر للنقوش.
نهض وفتح الباب فلم يجد أحدا، وكانت هناك علبة صغيرة فوق الأرض بداخلها هاتف قديم ورسالة مكتوبة بخط يعرفه جيدا، فتح الورقة وقرأ أنها رأت رسالته ذلك الصباح، وأنها احتفظت بهذا الهاتف لأنها كانت تنتظر يوما يكتب فيه، وأنها لا تعرف إن كانت مستعدة للعودة، لكنها مستعدة لأن تسمعه.
جلس احمد عند عتبة الباب، وارتجفت شفتاه بابتسامة لم يختبرها منذ زمن، وعندما عاد إلى الغرفة، لمح داخل الفانوس نقطة ضوء ذهبية صغيرة لا تكاد ترى، لكنها كانت تكفي لتدله على أن بعض الأشياء لا تنطفئ، بل تتعلم فقط كيف تضيء بهدوء.
ليس كل ما يثقل الروح
ليس كل ما يثقل الروح يحتاج إلى أن ينسى، فبعض المخاوف لا تطلب منا سوى أن نتوقف عن إطعامها بصمتنا، وأن نفتح نافذة صغيرة للفعل وسط الغرفة المغلقة، وحين تخفت الضوضاء داخلنا، لا يصبح العالم أقل قسوة، لكننا نراه بحجمه الحقيقي، طريقا يمكن السير فيه خطوة بعد خطوة، وفانوسا صغيرا لا يهزم الليل كله، لكنه يمنح القلب ما يكفي من الضوء كي لا يضل.
