قصة بائع الوقت الرجل الذي باع فراغه في زجاجات

الراوي
0

الزجاجة التي كانت تهمس، لم يكن سالم يسمع صوت الساعة كما يسمعه الناس؛ كان يسمعه كأنين كائن صغير عالق خلف الجدار، يعضّ الخشب بأسنان غير مرئية كلما مضت دقيقة من عمره.

وفي مساء شتوي رطب، حين كان المطر يترك أصابعه الباردة على زجاج نافذته، رأى شيئاً غريباً يتكاثف داخل كأس فارغ فوق مكتبه ضوء خافت، أزرق كأنفاس الفجر، يدور ببطء ويترك رائحة قهوة قديمة وضحكة بعيدة.

مدّ يده مرتجفاً، فشعر بأن الهواء حول الكأس صار أثقل، كأن الغرفة حبست شهقة طويلة.

وعندما أغلق عليه غطاءً زجاجياً قديماً، سمع الهمسة الأولى ساعة فراغ صالحة للاستعمال.

قصة بائع الوقت الرجل الذي باع فراغه في زجاجات قصة قصيرة

أول زجاجة من العمر

كان سالم رجلاً عادياً إلى الحد الذي يجعله غير مرئي في الزحام؛ موظف أرشيف في دائرة حكومية، يوقّع الحضور صباحاً بيد، ويمسح الغبار عن الملفات بيد أخرى، ثم يعود إلى غرفته الصغيرة آخر النهار حاملاً صمتاً يكفي لمدينة كاملة.

في تلك الليلة، جلس أمام الزجاجة كمن يجلس أمام معجزة تخاف أن تصدقها العين.

كان الضوء في داخلها يتحرك مثل سمكة محبوسة في بحر ضيق، وكلما اقترب منها، انبعثت منها رائحة عصر يوم جمعة نعناع، وكتب مفتوحة، وشمس تتكئ على وسادة بيضاء.

قال لنفسه بصوت خافت أهذا وقت؟

فارتجفت الزجاجة كأنها تفهم.

لم يدر كيف اكتشف الطريقة، لكنه لاحظ أن ساعات فراغه لا تمر من حوله، بل تتجمع في الأماكن المهملة بين صفحات الكتب التي لم يقرأها، فوق الكرسي الذي كان يجلس عليه بلا هدف، وفي بخار الشاي حين يتركه حتى يبرد.

كلما أمضى ساعة دون عمل أو وعد أو التزام، ظهر ذلك الضوء الأزرق الشاحب، فكان يلتقطه في زجاجة صغيرة ويغلقها بإحكام.

وفي الصباح، وجد على عنق الزجاجة بطاقة رقيقة كُتبت عليها عبارة لم يكتبها أحد ستون دقيقة من السكينة.

سوق المشغولين

بدأ الأمر بمزحة في مقهى الحي، حين جلس سالم إلى جوار رجل يضع ثلاث هواتف أمامه، وكل هاتف يصرخ بإشعار جديد.

كان الرجل يمضغ قهوته كأنها دواء مر، وعيناه محاطتان بسواد يشبه حواف الورق المحترق.

قال الرجل متنهداً أدفع نصف راتبي لو أشتري ساعة واحدة لا يطلبني فيها أحد.

نظر سالم إلى الزجاجة الصغيرة في حقيبته، ثم أخرجها على مهل.

لم يقل الكثير؛ فقط وضعها على الطاولة، فانتشرت حولهما رائحة مطر ونافذة مفتوحة، وسكتت الهواتف الثلاثة لحظة واحدة كأنها خجلت.

افتحها وحدك، في غرفة مغلقة، قال سالم، ولا تسألني كيف تعمل.

بعد يومين، عاد الرجل بوجه مختلف؛ كانت التجاعيد قرب عينيه أكثر ليناً، وصوته أقل انكساراً.

وضع أمام سالم ظرفاً سميكاً وقال أريد المزيد.

الزبائن الذين اشتروا الصمت

انتشر الخبر دون إعلان، كما تنتشر الرائحة الطيبة من مخبز قديم في شارع ضيق.

صار المشغولون يطرقون باب سالم ليلاً أطباء، محامون، مديرون، أمهات منهكات، وطلاب تلتهمهم الامتحانات.

كانوا يدخلون بوجوه مشدودة كأقفال صدئة، ويخرجون حاملين زجاجات صغيرة تلمع في جيوبهم.

كان سالم يبيعهم ساعات فراغه المعبأة، وكل زجاجة تمنح صاحبها وقتاً صافياً لا يرن فيه هاتف، ولا يطرق فيه باب، ولا يطالبه العالم بأن يكون شيئاً.

في البداية، أحس سالم أنه اكتشف تجارة رحيمة.

كان يأخذ من فائض وحدته ويعطيه لمن لا يجدون لحظة للتنفس.

صار بيته يمتلئ بالنقود، وثيابه صارت أفخم، وطاولته امتلأت بأطعمة لم يكن يعرف أسماءها.

لكن الغرفة، رغم ذلك، أخذت تفرغ من شيء لا يُرى.

الثمن الذي لم يكن مكتوباً

في مساء هادئ، اشترى سالم مرآة جديدة ووضعها قرب النافذة.

وقف أمامها يربط ربطة عنقه الحريرية، لكنه لمح خلف وجهه شيئاً ناقصاً؛ لا في الملامح، بل في الضوء الذي كان يسكنها.

حاول أن يتذكر آخر مرة ضحك فيها من قلبه، فوجد الذاكرة ملساء كحجر غُسل طويلاً في النهر.

حاول أن يستحضر وجه أمه وهي تناديه صغيراً من باب المطبخ، فجاءه الصوت بلا وجه، ثم تلاشى مثل دخان.

فتح دفتره القديم، فوجد صفحات كتب فيها ذات يوم خواطر عن البحر والطفولة، لكنه لم يفهم لماذا كتبها.

الكلمات كانت بخطه، غير أن قلبه لم يتعرف إليها.

وفي تلك اللحظة، سمع من الخزانة رنيناً خافتاً.

كانت الزجاجات الفارغة، التي أعادها الزبائن بعد استعمالها، ترتجف في الظلام كأن شيئاً محبوساً بداخلها يريد العودة.

المرأة التي بكت داخل زجاجة

جاءته امرأة في الخمسين، تحمل زجاجة اشتراها منها قبل أسبوع.

كان وجهها شاحباً، وعيناها حمراوين كأنهما خرجتا من بكاء طويل.

وضعت الزجاجة أمامه وقالت حين فتحتها، جلست في ساعة هادئة لم أعرف مثلها منذ عشرين عاماً.

سمعت ضحكة طفل، وشممت خبزاً ساخناً، ورأيت شرفة عليها أصص ريحان.

ابتلع سالم ريقه.

كان يعرف الشرفة.

كانت شرفة بيتهم القديم.

قالت المرأة وهي ترتجف لكنني لم أفهم لماذا بكيت.

لم تكن ذكرياتي، ومع ذلك دخلت قلبي كأنها تخصني.

أخذ سالم الزجاجة منها، ورفعها نحو الضوء.

في قاعها بقيت نقطة زرقاء صغيرة، تدور ببطء، ثم انفتحت داخلها صورة خاطفة أمه تضحك وهي تنفض الطحين عن يديها، وهو طفل يسرق قطعة خبز من الطاولة ويهرب.

سقطت الزجاجة من يده، لكنها لم تنكسر.

فقط أصدرت صوتاً يشبه تنهيدة إنسان عجوز.

مخزن الذكريات المسروقة

في تلك الليلة، لم ينم سالم.

أشعل كل مصابيح البيت، وفتح الخزانة التي كان يخزن فيها زجاجاته.

كانت مئات الزجاجات مصطفة كقبور شفافة، وفي كل واحدة بقايا ضوء، وبقايا رائحة، وبقايا لحظة لم تعد إليه.

أمسك زجاجة كتب عليها مساء بلا التزامات.

وحين قربها من أذنه، سمع صوت أبيه يعلّمه إصلاح ساعة قديمة.

أمسك أخرى عنوانها قيلولة صافية.

فشم رائحة شعر امرأة أحبها ثم نسي اسمها.

صرخ لم أبع وقتي، لقد بعت ما كان يحدث داخله.

ارتدت الصرخة عن الجدران باردة، ثم انطفأ مصباح واحد.

وبعده انطفأ الثاني.

وفي العتمة، بدأت الزجاجات تضيء واحدة تلو الأخرى، حتى بدت الغرفة كسماء صغيرة مليئة بنجوم حزينة.

آخر مشترٍ

عند منتصف الليل، طُرق الباب ثلاث مرات.

فتح سالم، فوجد رجلاً طويلاً بوجه لا يكبر ولا يصغر، يرتدي معطفاً أسود تفوح منه رائحة أوراق قديمة ومقابر بعيدة.

قال الغريب سمعت أنك تبيع الوقت.

تراجع سالم خطوة.

لم أعد أبيع شيئاً.

ابتسم الرجل، وكانت ابتسامته رقيقة كحد السكين.

كل بائع يقول ذلك حين يعرف السعر الحقيقي.

ثم أخرج من جيبه زجاجة فارغة، لكنها لم تكن كغيرها؛ كان زجاجها معتماً، وفي داخلها ظلام يتحرك.

قال أريد آخر ساعة بقيت لك.

الساعة التي ستفهم فيها كل شيء.

شعر سالم بأن قلبه صار ساعة معلقة في صدره، تدق بسرعة.

نظر إلى الخزانة، إلى الزجاجات التي احتوت ضحكات أمه، وظهيرة طفولته، ووجوه أصدقاء لم يعد يعرف أسماءهم.

ثم قال بصوت مبحوح أستطيع أن أشتريها منك؟ كل ما بعته؟

قال الغريب لا يُشترى العمر مرتين.

لكنه قد يُسترد إذا دُفع من الروح ما يكفي.

كسر الزجاج

لم يساوم سالم.

اندفع نحو الخزانة، وبدأ يكسر الزجاجات واحدة تلو الأخرى.

امتلأت الغرفة بأصوات لا تشبه التحطم، بل تشبه عودة الطيور إلى أعشاشها بعد عاصفة طويلة.

خرجت من الزجاجة الأولى رائحة خبز أمه، ومن الثانية ضحكة صديقه القديم، ومن الثالثة دفء يد أبيه فوق كتفه.

كانت الذكريات تضرب صدره كأمواج، تؤلمه وتعيد إليه ملامحه في الوقت نفسه.

سقط على ركبتيه وهو يبكي.

لم يكن بكاء ندم فقط، بل بكاء رجل عاد إليه قلبه دفعة واحدة، فوجد أنه كان غائباً عنه سنوات وهو لا يدري.

أما الغريب فظل واقفاً عند الباب، يراقب المشهد بوجه ساكن.

وحين كُسرت آخر زجاجة، قال لقد استعددت ما استطعت.

لكن الوقت الذي عاشه غيرك بدلاً منك لن يعود كاملاً.

نظر سالم إلى يديه، فوجد خطوط كفيه أعمق، وشعره أكثر بياضاً، ووجهه في المرآة أكبر بعشر سنوات.

لكنه حين تذكر وجه أمه، جاء كاملاً هذه المرة، دافئاً، مضيئاً، لا ينقصه شيء.

متجر بلا بائع

في الصباح، وجد أهل الحي باب بيت سالم مفتوحاً.

لم يجدوا نقوداً ولا زجاجات ولا أثاثاً فاخراً.

وجدوا فقط رجلاً يجلس قرب النافذة، يشرب شاياً بارداً، ويبتسم للضوء كأنه يراه لأول مرة.

سأله أحدهم هل بقي لديك وقت للبيع؟

رفع سالم عينيه، وكانت فيهما سكينة لم تُعبأ في زجاجة قط.

قال الوقت لا يُباع يا صاحبي.

نحن الذين نُباع حين نظن أنه فائض.

بعدها أغلق سالم متجره الوهمي، ومشى إلى السوق ببطء.

اشترى خبزاً ساخناً، ومرّ على البحر، وجلس ساعة كاملة يراقب الموج دون أن يفعل شيئاً.

لم يحاول تخزينها، ولم يضعها في زجاجة، ولم يبحث عن مشترٍ.

ترك الساعة تمر كما تمر النعمة لا تُمسك باليد، لكنها تترك أثرها في الروح.

ما لا يصلح للبيع

ليست كل الفراغات فارغة، وليست كل الساعات التي نظنها ضائعة بلا معنى.

ففي المسافات الهادئة بين عملين، وفي الجلسات التي لا نشهد عليها إلا نحن، تنمو الذكريات ببطء مثل شجرة لا يسمع أحد جذورها.

ومن يفرّط في وقته لأنه لا يعرف قيمته، قد يكتشف متأخراً أن أجمل ما في العمر لم يكن الإنجاز ولا المال ولا التصفيق، بل تلك اللحظات الصغيرة التي جلس فيها قلبه مطمئناً، دون أن يطالبه العالم بشيء، قصة طابع البريد الأزرق والرسالة التي أعادت كتابة الزمن وفتحت صدعا في الحاضر من هنا.

التصنيفات:

إرسال تعليق

0 تعليقات
يُرجى عدم نشر تعليقات لا تحترم الشروط هنا, جميع التعليقات تخضع للمراجعة.
إرسال تعليق (0)

المحتوي

+

إقرأ أيضاً

يستخدم موقع Dseel.com ملفات تعريف الارتباط (Cookies) لضمان حصولك على أفضل تجربة إستخدام وتخصيص المحتوى المفضل للزوار, باستمرارك في تصفح الموقع، فإنك توافق على استخدامنا لها. لمعرفة المزيد