قصة النجمة التي سقطت وكيف بنت ضفادع البركة برجًا يعانق السماء؟

الراوي
0

لم يسمع أحدٌ صوت سقوط النجمة، لم ترتجف السماء، ولم ينشقَّ الليل عن صاعقة، ولم تهبَّ ريحٌ تنذر بأن شيئًا عظيمًا قد غادر مكانه البعيد، بل هبطت النجمة في صمتٍ رقيق، كدمعة ذهبية أفلتت من عين القمر وسقطت بين زنابق البركة.

عند منتصف الليل، حين كانت المياه ساكنة كمرآة سوداء، أضاء قاع البركة فجأة، فارتسمت على سطحها دوائر فضية متتابعة، وانكمشت الحشرات فوق أعواد القصب، بينما فتحت الضفادع أعينها على ضوء لم ترَ مثله من قبل.

كانت النجمة هناك، عالقة بين الجذور المغمورة، ترتجف كقلبٍ صغير ضلَّ طريقه، ويخفت بريقها قليلًا مع كل موجة تمر فوقها.

حكاية النجمة التي سقطت وكيف بنت ضفادع البركة برجًا يعانق السماء؟

الضوء الغريب في قلب البركة

استيقظت الضفدعة لُجين على دفءٍ غامض يلامس بطنها الأخضر، فرفعت رأسها من فوق ورقة الزنبق، ورأت خيطًا من النور يتسلل بين سيقان القصب ويصبغ الماء بلون العسل.

لم يكن ذلك ضوء القمر، فالقمر كان معلقًا في أعلى السماء، شاحبًا ومذعورًا، كأنه يبحث عن شيء فقده منذ لحظات.

قفزت لجين إلى الماء، فانفرج السطح من حولها، وسبحت نحو الوميض بخفقات سريعة، بينما كانت قطرات الماء تتناثر فوق ظهرها كالخرز البارد.

كلما اقتربت، شعرت بحرارة لطيفة تنفذ إلى جلدها، وسمعت صوتًا خافتًا يشبه رنين كأسٍ بلورية بعيدة.

همسة من بين الجذور

توقفت لجين أمام كتلة مضيئة مستقرة بين جذور شجرة الصفصاف، وأمالت رأسها في حذر، ثم مدَّت إحدى قوائمها ولمست الضوء بطرف إصبعها.

ارتجفت النجمة، وانتشر في الماء وميضٌ حاد جعل لجين تتراجع مذعورة، قبل أن تسمع همسة ضعيفة تأتي من داخل البريق:

لا تتركيني هنا، البرد يلتهم نوري.

تجمدت لجين في مكانها، وحدقت في النجمة بعينين واسعتين، ثم قالت وهي تحاول أن تمنع صوتها من الارتعاش:

هل أنتِ حقًّا نجمة من السماء؟

أجابها الضوء بصوت متقطع:

كنتُ أضيء قرب ذيل المذنب الأزرق، لكن ريحًا سماوية دفعتني بعيدًا، فسقطتُ قبل أن أتمكن من التشبث بمداري.

اقتربت لجين خطوة، فرأت على سطح النجمة شقوقًا دقيقة يتسلل منها نور باهت، كأنها ثمرة ذهبية بدأت تجف.

قالت النجمة:

عندما يطلع الفجر، سيذوب ضوئي في ماء البركة، ولن أستطيع العودة أبدًا.

اجتماع تحت أوراق الزنبق

أطلقت لجين نقيقًا طويلًا هزَّ سكون الليل، فترددت نبراته بين القصب وصفصاف الضفة، وسرعان ما بدأت رؤوس الضفادع تظهر من كل جانب.

جاء وثّاب، صاحب الساقين الطويلتين، يقفز فوق أوراق الزنبق من غير أن يبلل بطنه، وتبعته زُمردة تحمل فوق رأسها تاجًا صغيرًا من الطحالب.

أما الضفدع العجوز حكيمون، فقد خرج ببطء من تجويف طيني قرب الضفة، وكانت عيناه نصف مغلقتين، كأنه يحمل في ذاكرته أسرار مواسم لا تعد.

تجمعت الضفادع في دائرة حول النجمة، فتداخل وهجها مع اللون الأخضر لوجوهها، وبدت البركة كأنها تحتضن مجلسًا سحريًّا في جوف الليل.

الخوف الذي لبس ثوب الحكمة

قال وثّاب وهو يبتعد عن الضوء:

لا ينبغي أن نلمس أشياء السماء، فقد تكون النجمة فخًّا أرسلته البوم ليكشف مخابئنا.

ردت زمردة بحدة:

وهل رأيت بومة تصنع نورًا أجمل من القمر؟

رفع ضفدع ممتلئ يدعى نفّاخ بطنه وقال:

يمكننا تركها هنا، فوجودها سيجلب الحشرات كل ليلة، ولن نضطر إلى مطاردتها.

خفت نور النجمة لحظة، حتى بدا الماء من حولها أكثر ظلمة، وشعرت لجين بشيء ثقيل ينقبض داخل صدرها.

قالت وهي تنظر إلى الوجوه المترددة:

إنها لا تحتاج إلى من يتفرج عليها، بل إلى من يعيدها إلى بيتها.

ضحك نفّاخ حتى اهتز بطنه:

وكيف سنعيدها؟ هل سننبت أجنحة قبل الفجر؟

ظل حكيمون صامتًا، ثم رفع عينيه نحو السماء، وتأمل المسافة الهائلة بين البركة والنجوم، قبل أن يهمس:

لا نحتاج إلى أجنحة، بل إلى شيءٍ يرتفع بنا.

فكرة البرج المستحيل

زحفت الضفادع حول حكيمون، فيما التقط العجوز ورقة صغيرة جافة ووضعها فوق ورقة زنبق أكبر، ثم وضع فوقهما غصنًا رفيعًا.

قال:

الورقة وحدها ضعيفة، والغصن وحده يسقط، لكن إذا تعاونا في جمعهما وربطهما، فقد نصنع برجًا يبلغ أعلى شجرة الصفصاف.

هز وثّاب رأسه معترضًا:

وحتى لو بلغنا أعلى الشجرة، ستبقى السماء بعيدة.

أشار حكيمون إلى القمر، وقال:

ليست المسافة هي المشكلة، بل اللحظة المناسبة.

عند اقتراب الفجر، يمر فوق البركة تيارٌ صاعد من الهواء الدافئ، يحمل البذور وريش الطيور إلى أعلى.

أضاءت عينا لجين بالأمل:

وإذا وضعنا النجمة فوق قمة البرج، فقد يحملها التيار إلى السماء.

لكن زمردة نظرت إلى النجمة المتصدعة وقالت:

بشرط أن ننتهي قبل أن ينطفئ نورها.

ساد الصمت لحظة، ثم سقطت من النجمة ذرة ضوء صغيرة، وغاصت في الماء كحبة رمل من ذهب.

قالت النجمة بصوت أضعف من قبل:

لم يبقَ وقت طويل.

أول ورقة في البناء

قفزت لجين إلى الضفة، وانتزعت ورقة صفصاف عريضة علقت بين حجرين، ثم دفعتها نحو الماء بكل ما تملك من قوة.

لحق بها وثّاب، وبعد لحظة تردد قصيرة، بدأ يقفز بين الأغصان المنخفضة ليقطع الأوراق الصغيرة بأسنانه.

جمعت زمردة خيوط الطحالب الطويلة، وراحت تجدلها في حبالٍ خضراء، بينما أخذ نفّاخ ينفخ جيوب الهواء داخل سيقان القصب المجوفة لتصبح أخف وأسهل في الرفع.

حتى أصغر الضفادع خرجت من مخابئها، تحمل بتلات الزهور، وقشور الأشجار، وأغصانًا دقيقة سقطت بعد عاصفة قديمة.

في قلب البركة، بدأت القاعدة الأولى تظهر، عريضة ومتماسكة، مربوطة إلى جذور الصفصاف بحبال الطحالب.

كانت الأوراق تلمع بالندى، والأغصان تصدر طقطقة خافتة، بينما ارتفع البرج طبقة بعد طبقة فوق سطح الماء.

حين استيقظت الريح السوداء

مرَّ جزء من الليل، وبلغ البرج منتصف جذع الصفصاف، لكن السماء بدأت تتغير، إذ تسللت سحابة داكنة من جهة التلال وابتلعت النجوم واحدة تلو الأخرى.

تحرك القصب بعنف، وارتفعت رائحة الطين المبلل، ثم هبت ريح باردة جعلت البرج يميل كغصن نحيل تحت قدم طائر ثقيل.

صرخت زمردة:

شدوا الحبال! الريح أقوى مما توقعنا!

تعلقت الضفادع بالأوراق، وغرست أصابعها في العروق الخضراء، بينما أخذ الماء يصفع قاعدة البرج بموجات متلاحقة.

أما النجمة، فقد راحت ترتجف بين الجذور، وتُخرج ضوءًا متقطعًا كفانوس أوشك زيته على النفاد.

العينان فوق الغصن

وسط هدير الريح، لمح وثّاب عينين صفراوين تفتحان في أعلى الصفصاف.

كان طائر بومٍ ضخم يقف فوق الغصن، وقد ضم جناحيه إلى جسده، وانحنى برأسه نحو البركة، مأخوذًا ببريق النجمة.

قال وثّاب بصوت خافت:

نفّاخ لم يكن مخطئًا تمامًا، لقد رأى البوم الضوء.

انقض الطائر فجأة، فشق الهواء بجناحين عريضين، واندفعت مخالبه نحو النجمة.

قفزت لجين فوق الجذور، واحتضنت النجمة بذراعيها، فغمرها دفء حارق، وشعرت بالشقوق المضيئة ترتجف فوق جلدها.

مرَّ مخلب البوم قرب رأسها، وانتزع خصلة من الطحالب، ثم ارتفع الطائر ليستعد لانقضاض آخر.

صرخ حكيمون:

إلى البرج! يجب أن نرفع النجمة الآن!

صعود النجمة نحو القمة

حملت لجين النجمة فوق ظهرها، وكانت أثقل مما تبدو، كأنها تحمل حجرًا مصنوعًا من نار صامتة.

قفز وثّاب أمامها ليثبت الأوراق المرتجفة، بينما التفَّت زمردة خلفها بحبل من الطحالب كي تمنعها من السقوط.

بدأت لجين تتسلق البرج، طبقة تلو أخرى، والريح تضرب وجهها، والماء يبتعد تحتها حتى صار سطح البركة دائرة سوداء يرقص في وسطها انعكاس القمر.

مع كل خطوة، كان نور النجمة يضعف، ومع كل اهتزاز، كانت أجزاء من البرج تتساقط في الماء مثل طيور ورقية مكسورة.

سقوط الطبقة السابعة

حين وصلت لجين إلى الطبقة السابعة، انشق غصنٌ تحت قدمها بصوت حاد، فانهارت مجموعة من الأوراق وانزلقت زمردة نحو الفراغ.

صرخت الضفادع في الأسفل، لكن وثّاب قفز في اللحظة الأخيرة وأمسك بحبل الطحالب بأسنانه.

ظل جسد زمردة معلقًا فوق الماء، يتأرجح في الريح، بينما أخذ الحبل يتمدد وتنفصل أليافه الواحدة تلو الأخرى.

قالت زمردة:

اتركوني، لا تضيعوا النجمة من أجلي!

لكن نفّاخ انتفخ حتى صار مثل كرة خضراء، ثم قفز من طبقة أدنى واصطدم بجسدها، فدفعها نحو ورقة كبيرة استطاعت التشبث بها.

اهتز البرج كله، وانحنى نحو اليمين، إلا أن عشرات الضفادع في الأسفل شدت الحبال معًا حتى عاد واقفًا.

نظرت لجين إلى رفاقها، ولم تقل شيئًا، لكن الضوء المنعكس في عينيها كان أبلغ من الكلام.

السر المخفي داخل النجمة

قبل أن تواصل لجين الصعود، انبعث من النجمة صوت أشد وضوحًا من السابق:

توقفي، هناك شيء لم أخبرك به.

ضمت لجين النجمة إلى صدرها، بينما انقض البوم من جديد، فمر فوق البرج وأثار جناحاه عاصفة من الأوراق.

قالت النجمة:

التيار الصاعد لن يكفي وحده، فقد فقدت معظم قوتي، ولن أستطيع اختراق السحب.

سألت لجين وهي تلهث:

ماذا تحتاجين؟

أجابت النجمة:

أحتاج إلى شعاع من نور حي، نورٍ يُمنح بإرادة صاحبه، لا نورٍ مسروق أو منعكس.

ساد الصمت، لأن الضفادع لم تكن تحمل ضوءًا، ولم تعرف كيف تصنعه.

لكن حكيمون، من أسفل البرج، رفع رأسه وصاح:

اليراعات!

جيش المصابيح الصغيرة

أطلق نفّاخ نقيقًا عميقًا تردد بين الأشجار، فردت عليه أصوات ناعمة من الأعشاب المحيطة بالبركة.

ظهرت يرعة واحدة، ثم عشر، ثم مئات اليراعات، وارتفعت في الهواء كشرارات خضراء خرجت من قلب الأرض.

دارت حول البرج في حلقات مضيئة، ثم اقتربت من النجمة، وبدأ كل منها يمنحها ومضة صغيرة من نوره.

لم يكن الضوء كثيرًا، لكنه تجمع شيئًا فشيئًا داخل الشقوق، حتى أخذت النجمة تستعيد لونها الذهبي.

تعبت اليراعات، وبهتت مصابيحها، لكنها لم تتراجع، بل واصلت الطيران حول النجمة كحراس صغار يحمون شمسًا وليدة.

عندها خفتت الريح للحظة، وانشق طرف السحابة، فظهر في الأفق خيط رمادي رفيع يعلن اقتراب الفجر.

قمة البرج وقلب العاصفة

بلغت لجين قمة البرج، حيث لم يكن هناك سوى ورقة واحدة مربوطة إلى غصن مرتجف.

من ذلك الارتفاع، بدت البركة بعيدة وصغيرة، وبدت الضفادع في الأسفل كنقاط خضراء تتحرك داخل دائرة من الضوء.

وضعت لجين النجمة فوق الورقة، ثم أحاطتها بحبل الطحالب حتى لا تخطفها الريح قبل اللحظة المناسبة.

صرخ حكيمون:

عندما يسخن الأفق، سيصعد الهواء! انتظروا الإشارة!

لكن البوم لم يمنحهم الوقت.

اندفع من بين السحب، وفتح مخالبه فوق النجمة مباشرة، فيما انحنى البرج تحت قوة جناحيه حتى لامست قمته أغصان الصفصاف.

القفزة التي لم يرها أحد

قفز وثّاب من طبقة منخفضة نحو البوم، والتصق بجناحه للحظة، فاختل توازن الطائر وانحرف عن مساره.

حاول البوم التخلص منه، فاهتز جناحه بعنف، وسقط وثّاب في الفراغ.

امتد حبل من الطحالب فجأة، فقد كانت زمردة قد ربطت طرفه حول خصره قبل بدء الصعود، فتدلى فوق البركة بدل أن يرتطم بالماء.

في اللحظة نفسها، وصل البوم إلى النجمة، ومدَّ مخالبه، لكن لجين قفزت فوقها ودفعتها بكل قوتها نحو حافة الورقة.

ضرب المخلب البرج بدلًا منها، فانشق الغصن الرئيسي، وبدأت القمة تميل نحو الأسفل.

صرخت الضفادع جميعًا، بينما راحت طبقات البرج تنهار الواحدة فوق الأخرى.

النفس الأخير للبركة

كان الفجر قد بدأ يصبغ الأفق بلون وردي باهت، وارتفع من سطح الماء بخار دافئ، فاهتزت أوراق الزنبق كأن البركة أخذت نفسًا عميقًا.

صاح حكيمون:

الآن يا لجين! أطلقيها الآن!

كان البرج يسقط، والبوم يلتف في الهواء استعدادًا لهجوم جديد، والحبل الذي يثبت النجمة يوشك أن ينقطع.

أمسكت لجين بالنجمة، وشعرت بحرارتها تسري في ذراعيها، ثم نظرت إلى السماء التي بدت بعيدة على نحو مستحيل.

قالت النجمة:

قد لا أبلغها.

ابتسمت لجين رغم الريح التي صفعت وجهها، وقالت:

نحن لم نبنِ البرج كي نعرف ما إذا كنت ستصلين، بل بنيناه كي نمنحك فرصة الوصول.

قطعت الحبل بأسنانها، ورفعت النجمة فوق رأسها، ثم قفزت من أعلى البرج في اللحظة التي دفع فيها الهواء الدافئ بخاره إلى الأعلى.

حين حملت الريح الأمنيات

ارتفعت لجين مع الورقة لحظة قصيرة، ثم بدأت تهبط، أما النجمة فقد انفصلت عن يديها وانطلقت داخل التيار الصاعد.

دارت حولها اليراعات في حلزون مضيء، ومنحتها آخر ما بقي في أجسادها من نور، فاشتعلت النجمة فجأة بوهج أبيض غمر البركة كلها.

تراجع البوم وأغلق عينيه، بينما صعدت النجمة عبر السحابة، واخترقت قلبها الأسود كإبرة من النار.

سقطت لجين نحو الماء، لكن أوراق البرج المنهار انتشرت تحتها كفراش أخضر واسع، فهبطت فوقها وهي تلهث.

رفعت الضفادع رؤوسها إلى السماء، وانتظرت في صمت.

مرَّت لحظة، ثم لحظتان، ولم يظهر شيء سوى السحب المتشققة.

قال نفّاخ بحزن:

لعلها لم تصل.

لكن القمر تحرك ببطء، وظهر إلى جواره ضوء صغير، ثم ازداد بريقه حتى صار ألمع نجمة في ذلك الجزء من السماء.

الهدية التي عادت من السماء

مع أول شعاع للشمس، ذاب ما بقي من البرج في البركة، وتفرقت الأوراق فوق الماء، بينما جلست الضفادع على الضفة متعبة ومغطاة بالطين.

بدت اليراعات خامدة بين الأعشاب، ونام وثّاب فوق ورقة ممزقة، أما زمردة فكانت تفك الحبال عن جذع الصفصاف بصبر.

اقتربت لجين من حكيمون وسألته:

هل ستتذكرنا النجمة؟

نظر العجوز إلى السماء التي صارت زرقاء، وقال:

الأشياء التي تعود إلى مكانها لا تنسى الأيدي التي رفعتها.

في تلك اللحظة، سقط من السماء خيط رقيق من الضوء، واستقر فوق ماء البركة.

لم يكن نجمًا آخر، بل ذرات ذهبية صغيرة ذابت في الأوراق والجذور والقصب.

منذ ذلك الصباح، صار كل شيء في البركة يلمع قليلًا عند حلول الليل؛ أطراف الزنابق، وأجنحة الحشرات، وحتى عيون الضفادع حين ترفع رؤوسها نحو السماء.

العنصر الأخير البرج الذي لم يسقط حقًّا

مرت الليالي، وجاءت الأمطار، وتعفنت الأوراق التي صنعت البرج، وغاصت الأغصان في الطين حتى اختفت.

ومع ذلك، لم يعد أحد من سكان البركة ينظر إلى الصفصاف كما كان ينظر إليه من قبل، فقد صار جذعه شاهدًا على ليلة ارتفع فيها الصغار فوق خوفهم.

ذات مساء، رأت لجين مجموعة من صغار الضفادع تجمع أوراق الشجر وتضع بعضها فوق بعض قرب الضفة.

سألتهم مبتسمة:

ماذا تبنون؟

أجاب أصغرهم وهو يشير إلى السماء:

لا ندري بعد، لكننا نريد أن يكون لدينا شيءٌ مرتفع، فقد تسقط نجمة أخرى يومًا ما.

رفعت لجين رأسها، فرأت النجمة القديمة تومض ثلاث مرات، كأنها سمعت كلامه وأجابته.

عندها أدركت أن البرج الحقيقي لم يكن مصنوعًا من الأوراق والأغصان، بل من الشجاعة التي انتقلت من قلب إلى قلب، ومن يد صغيرة إلى يد أصغر.

لا تستطيع ورقة واحدة أن تحمل نجمة، ولا يستطيع صوت واحد أن يهزم عاصفة، لكن الأشياء الهشة تصبح قوية حين تتساند، كما تتماسك قطرات الماء لتصنع بركة كاملة.

وربما لا يحتاج العالم دائمًا إلى أبطال يملكون أجنحة، بل إلى مخلوقات صغيرة تؤمن بأن السماء ليست بعيدة ما دام كل واحد منها مستعدًا لأن يرفع الآخر خطوة واحدة نحوها, قصة حقيبة الغريب حكاية أمنيات تتحقق بثمن لا يجرؤ أحد على دفعه من هنا.

التصنيفات:

إرسال تعليق

0 تعليقات
يُرجى عدم نشر تعليقات لا تحترم الشروط هنا, جميع التعليقات تخضع للمراجعة.
إرسال تعليق (0)

المحتوي

+

إقرأ أيضاً

يستخدم موقع Dseel.com ملفات تعريف الارتباط (Cookies) لضمان حصولك على أفضل تجربة إستخدام وتخصيص المحتوى المفضل للزوار, باستمرارك في تصفح الموقع، فإنك توافق على استخدامنا لها. لمعرفة المزيد