سقوط النجمة في صمت الليل، لم يسمع أحد صوت سقوط النجمة، ولم ترتجف السماء، ولم ينشق الليل عن صاعقة تنذر بأن شيئا عظيما قد غادر مكانه البعيد، هبطت النجمة في هدوء رقيق، أشبه بدمعة ذهبية أفلتت من عين القمر، واستقرت بين زنابق البركة.
عند منتصف الليل، حين كانت المياه ساكنة كمرآة سوداء، أضاء قاع البركة فجأة، فارتسمت على سطحها دوائر فضية متتابعة، وانكمشت الحشرات فوق أعواد القصب، وفتحت الضفادع أعينها على ضوء لم تره من قبل.
كانت النجمة عالقة بين الجذور المغمورة، ترتجف كقلب صغير ضل طريقه، ويخفت بريقها قليلا مع كل موجة تمر فوقها.
الضوء الغريب في قلب البركة
استيقظت الضفدعة لجين على دفء غامض يلامس بطنها الأخضر، فرفعت رأسها عن ورقة الزنبق، ورأت خيطا من النور يتسلل بين سيقان القصب ويصبغ الماء بلون العسل، لم يكن ذلك ضوء القمر، فالقمر كان معلقا في الأعلى شاحبا مذعورا، كأنه يبحث عن شيء فقده منذ لحظات.
قفزت لجين إلى الماء، فانفرج السطح من حولها، وسبحت نحو الوميض بخفقات سريعة، بينما تناثرت قطرات الماء فوق ظهرها كالخرز البارد، وكلما اقتربت شعرت بحرارة لطيفة تنفذ إلى جلدها، وسمعت صوتا خافتا يشبه رنين كأس بلورية بعيدة.
همسة من بين الجذور
توقفت لجين أمام كتلة مضيئة مستقرة بين جذور شجرة الصفصاف، وأمالت رأسها في حذر، ثم مدت إحدى قوائمها ولمست الضوء بطرف إصبعها، ارتجفت النجمة، وانتشر في الماء وميض حاد جعل لجين تتراجع مذعورة، قبل أن تسمع همسة ضعيفة تخرج من داخل البريق تقول لها ألا تتركها، فالبرد يلتهم نورها.
تجمدت لجين في مكانها، وسألت النجمة إن كانت حقا نجمة من السماء، فأجابتها بصوت متقطع أنها كانت تضيء قرب ذيل مذنب أزرق، قبل أن تدفعها ريح سماوية بعيدا فسقطت قبل أن تتشبث بمدارها، رأت لجين على سطح النجمة شقوقا دقيقة يتسلل منها نور باهت، كأنها ثمرة ذهبية بدأت تجف، وقالت النجمة إنها إن لم تعد قبل الفجر، فسيذوب ضوؤها في ماء البركة إلى الأبد.
اجتماع تحت أوراق الزنبق
أطلقت لجين نقيقا طويلا هز سكون الليل، فترددت نبراته بين القصب وصفصاف الضفة، وسرعان ما بدأت رؤوس الضفادع تظهر من كل جانب، جاء وثاب صاحب الساقين الطويلتين يقفز فوق أوراق الزنبق دون أن يبلل بطنه، وتبعته زمردة التي تحمل فوق رأسها تاجا صغيرا من الطحالب، وخرج الضفدع العجوز حكيمون ببطء من تجويف طيني قرب الضفة، وعيناه نصف مغلقتين كأنه يحمل في ذاكرته أسرار مواسم لا تعد.
تجمعت الضفادع حول النجمة، فتداخل وهجها مع اللون الأخضر لوجوهها، وبدت البركة وكأنها تحتضن مجلسا سحريا في جوف الليل.
الخوف الذي لبس ثوب الحكمة
حذر وثاب من لمس أشياء السماء، خشية أن تكون النجمة فخا من البوم لكشف مخابئهم، فردت عليه زمردة بحدة متسائلة إن كان قد رأى بومة تصنع نورا أجمل من القمر، أما نفاخ، فرأى أن تترك النجمة في مكانها لتجذب الحشرات كل ليلة دون أن يضطروا لمطاردتها.
خفت نور النجمة عند سماعها هذا، فشعرت لجين بثقل ينقبض في صدرها، وقالت إن النجمة لا تحتاج إلى من يتفرج عليها، بل إلى من يعيدها إلى بيتها، ضحك نفاخ متسائلا كيف سينبتون أجنحة قبل الفجر، بينما ظل حكيمون صامتا يتأمل المسافة الهائلة بين البركة والنجوم، قبل أن يهمس أنهم لا يحتاجون إلى أجنحة، بل إلى شيء يرتفع بهم.
فكرة البرج المستحيل
زحفت الضفادع حول حكيمون، فالتقط ورقة صغيرة جافة ووضعها فوق ورقة زنبق أكبر، ثم وضع فوقهما غصنا رفيعا، وشرح أن الورقة وحدها ضعيفة والغصن وحده يسقط، لكن التعاون على جمعها وربطها قد يصنع برجا يبلغ أعلى شجرة الصفصاف، اعترض وثاب بأن السماء ستبقى بعيدة حتى لو بلغوا قمة الشجرة، فأجابه حكيمون أن المشكلة ليست في المسافة بل في اللحظة المناسبة، فعند اقتراب الفجر يمر فوق البركة تيار هواء دافئ صاعد يحمل البذور وريش الطيور إلى الأعلى.
أدركت لجين أن وضع النجمة فوق قمة البرج قد يجعل التيار يحملها إلى السماء، لكن زمردة نظرت إلى النجمة المتصدعة وحذرت من أن الوقت قد لا يسعفهم، وفي تلك اللحظة سقطت من النجمة ذرة ضوء صغيرة غاصت في الماء كحبة رمل من ذهب، وقالت النجمة بصوت أضعف من قبل إنه لم يبق وقت طويل.
أول ورقة في البناء
قفزت لجين إلى الضفة وانتزعت ورقة صفصاف عريضة، ودفعتها نحو الماء بكل قوتها، لحق بها وثاب يقطع الأوراق الصغيرة بأسنانه، وجدلت زمردة خيوط الطحالب الطويلة إلى حبال خضراء، ونفخ نفاخ الهواء داخل سيقان القصب المجوفة لتصبح أخف وزنا، حتى أصغر الضفادع خرجت من مخابئها تحمل بتلات الزهور وقشور الأشجار والأغصان الدقيقة.
في قلب البركة بدأت القاعدة الأولى تظهر، عريضة ومتماسكة، مربوطة إلى جذور الصفصاف بحبال الطحالب، وارتفع البرج طبقة بعد طبقة فوق سطح الماء.
حين استيقظت الريح السوداء
بلغ البرج منتصف جذع الصفصاف، لكن سحابة داكنة تسللت من جهة التلال وابتلعت النجوم واحدة تلو الأخرى، هبت ريح باردة جعلت البرج يميل، فصرخت زمردة تأمر بشد الحبال، وتعلقت الضفادع بالأوراق بينما ضرب الماء قاعدة البرج بموجات متلاحقة، أما النجمة فراحت ترتجف بين الجذور، تخرج ضوءا متقطعا كفانوس أوشك زيته على النفاد.
العينان فوق الغصن
وسط هدير الريح، لمح وثاب عينين صفراوين تفتحان في أعلى الصفصاف، كان بوما ضخما مأخوذا ببريق النجمة، أدرك وثاب أن نفاخ لم يكن مخطئا حين قال إن البوم سيرى الضوء، انقض الطائر فجأة نحو النجمة، فقفزت لجين واحتضنتها بذراعيها فشعرت بدفء حارق، بينما مر مخلب البوم قريبا من رأسها منتزعا خصلة من الطحالب قبل أن يرتفع مستعدا لانقضاض آخر، صاح حكيمون بضرورة رفع النجمة إلى البرج فورا.
صعود النجمة نحو القمة
حملت لجين النجمة فوق ظهرها وهي أثقل مما بدت، وقفز وثاب أمامها يثبت الأوراق المرتجفة، بينما التفت زمردة خلفها بحبل طحالب يمنعها من السقوط، تسلقت لجين البرج طبقة تلو أخرى، والريح تضرب وجهها، وسطح البركة يبتعد تحتها حتى صار دائرة سوداء يرقص في وسطها انعكاس القمر، ومع كل خطوة كان نور النجمة يضعف، وكانت أجزاء من البرج تتساقط في الماء كطيور ورقية مكسورة.
سقوط الطبقة السابعة
عند الطبقة السابعة، انشق غصن تحت قدم لجين فانهارت مجموعة من الأوراق وانزلقت زمردة نحو الفراغ، قفز وثاب في اللحظة الأخيرة وأمسك بحبل الطحالب بأسنانه، فبقي جسد زمردة معلقا فوق الماء يتأرجح مع تمزق ألياف الحبل تباعا، طلبت زمردة أن يتركوها حفاظا على النجمة، لكن نفاخ انتفخ كرة خضراء وقفز مصطدما بجسدها فدفعها نحو ورقة كبيرة تشبثت بها، اهتز البرج كله، إلا أن عشرات الضفادع في الأسفل شدت الحبال معا حتى عاد واقفا.
السر المخفي داخل النجمة
قبل أن تواصل لجين الصعود، انبعث من النجمة صوت أوضح يطلب منها التوقف لأن هناك ما لم تخبرها به بعد، ضمت لجين النجمة إلى صدرها بينما انقض البوم من جديد مثيرا عاصفة من الأوراق بجناحيه، أوضحت النجمة أن التيار الصاعد لن يكفي وحده لأنها فقدت معظم قوتها ولن تستطيع اختراق السحب، فهي بحاجة إلى شعاع من نور حي يمنح بإرادة صاحبه لا نور مسروق أو منعكس، ساد الصمت، إذ لم تكن الضفادع تحمل ضوءا، إلى أن صاح حكيمون من أسفل البرج مناديا اليراعات.
جيش المصابيح الصغيرة
أطلق نفاخ نقيقا عميقا تردد بين الأشجار، فردت عليه أصوات ناعمة من الأعشاب المحيطة بالبركة، ظهرت يرعة واحدة ثم عشر ثم مئات اليراعات، وارتفعت في الهواء كشرارات خضراء، ودارت حول البرج في حلقات مضيئة قبل أن تمنح النجمة كل واحدة منها ومضة صغيرة من نورها، لم يكن الضوء كثيرا لكنه تجمع شيئا فشيئا داخل الشقوق حتى استعادت النجمة لونها الذهبي، وواصلت اليراعات الطيران حولها رغم تعبها كحراس صغار يحمون شمسا وليدة، وعندها خفتت الريح للحظة وانشق طرف السحابة، فظهر في الأفق خيط رمادي رفيع يعلن اقتراب الفجر.
قمة البرج وقلب العاصفة
بلغت لجين قمة البرج حيث لم يكن هناك سوى ورقة واحدة مربوطة إلى غصن مرتجف، من ذلك الارتفاع بدت البركة بعيدة وصغيرة، وبدت الضفادع في الأسفل كنقاط خضراء تتحرك داخل دائرة من الضوء، وضعت لجين النجمة فوق الورقة وأحاطتها بحبل الطحالب، وصاح حكيمون بضرورة الانتظار حتى يسخن الأفق ويصعد الهواء، لكن البوم لم يمهلهم، فاندفع من بين السحب وفتح مخالبه فوق النجمة مباشرة، وانحنى البرج تحت قوة جناحيه حتى لامست قمته أغصان الصفصاف.
القفزة التي لم يرها أحد
قفز وثاب من طبقة منخفضة نحو البوم والتصق بجناحه للحظة فاختل توازن الطائر، وحين حاول التخلص منه سقط وثاب في الفراغ، لكن حبل الطحالب الذي ربطته زمردة حول خصره قبل الصعود امتد فجأة فتدلى فوق البركة بدل أن يرتطم بالماء، في اللحظة نفسها وصل البوم إلى النجمة، لكن لجين قفزت فوقها ودفعتها بكل قوتها نحو حافة الورقة، فضرب المخلب البرج بدلا منها، وانشق الغصن الرئيسي، وبدأت القمة تميل نحو الأسفل بينما صرخت الضفادع جميعا مع انهيار طبقات البرج الواحدة فوق الأخرى.
النفس الأخير للبركة
بدأ الفجر يصبغ الأفق بلون وردي باهت، وارتفع من سطح الماء بخار دافئ هز أوراق الزنبق كأن البركة أخذت نفسا عميقا، صاح حكيمون يطلب من لجين أن تطلق النجمة الآن، فالبرج يسقط والبوم يستعد لهجوم جديد والحبل يوشك أن ينقطع، أمسكت لجين بالنجمة وشعرت بحرارتها تسري في ذراعيها، ونظرت إلى السماء البعيدة على نحو يبدو مستحيلا، قالت النجمة إنها قد لا تبلغها، فابتسمت لجين رغم الريح التي صفعت وجهها، وأخبرتها أنهم لم يبنوا البرج ليعرفوا إن كانت ستصل، بل ليمنحوها فرصة الوصول، قطعت الحبل بأسنانها ورفعت النجمة فوق رأسها، ثم قفزت من أعلى البرج في اللحظة التي دفع فيها الهواء الدافئ بخاره إلى الأعلى.
حين حملت الريح الأمنيات
ارتفعت لجين مع الورقة لحظة قصيرة ثم بدأت تهبط، بينما انفصلت النجمة عن يديها وانطلقت داخل التيار الصاعد، دارت حولها اليراعات في حلزون مضيء ومنحتها آخر ما بقي في أجسادها من نور، فاشتعلت النجمة فجأة بوهج أبيض غمر البركة كلها، تراجع البوم وأغلق عينيه بينما صعدت النجمة عبر السحابة واخترقت قلبها الأسود كإبرة من النار، سقطت لجين نحو الماء، لكن أوراق البرج المنهار انتشرت تحتها كفراش أخضر واسع فهبطت فوقها وهي تلهث.
رفعت الضفادع رؤوسها إلى السماء وانتظرت في صمت، ومرت لحظة ثم لحظتان دون أن يظهر شيء سوى السحب المتشققة، حتى قال نفاخ بحزن إنها ربما لم تصل، لكن القمر تحرك ببطء، وظهر إلى جواره ضوء صغير ازداد بريقه حتى صار ألمع نجمة في ذلك الجزء من السماء.
الهدية التي عادت من السماء
مع أول شعاع للشمس، ذاب ما بقي من البرج في البركة، وتفرقت الأوراق فوق الماء، بينما جلست الضفادع على الضفة متعبة ومغطاة بالطين، سألت لجين حكيمون إن كانت النجمة ستتذكرهم، فنظر العجوز إلى السماء الزرقاء وأجاب أن الأشياء التي تعود إلى مكانها لا تنسى الأيدي التي رفعتها.
في تلك اللحظة سقط من السماء خيط رقيق من الضوء واستقر فوق ماء البركة، لم يكن نجما آخر بل ذرات ذهبية صغيرة ذابت في الأوراق والجذور والقصب، ومنذ ذلك الصباح صار كل شيء في البركة يلمع قليلا عند حلول الليل، أطراف الزنابق وأجنحة الحشرات وحتى عيون الضفادع حين ترفع رؤوسها نحو السماء.
البرج الذي لم يسقط حقا
مرت الليالي وجاءت الأمطار، وتعفنت الأوراق التي صنعت البرج وغاصت الأغصان في الطين حتى اختفت، ومع ذلك لم يعد أحد من سكان البركة ينظر إلى الصفصاف كما كان ينظر إليه من قبل، فقد صار جذعه شاهدا على ليلة ارتفع فيها الصغار فوق خوفهم.
ذات مساء رأت لجين مجموعة من صغار الضفادع تجمع أوراق الشجر وتضع بعضها فوق بعض قرب الضفة، فسألتهم مبتسمة عما يبنونه، فأجاب أصغرهم مشيرا إلى السماء أنهم لا يدرون بعد، لكنهم يريدون أن يكون لديهم شيء مرتفع، فقد تسقط نجمة أخرى يوما ما، رفعت لجين رأسها فرأت النجمة القديمة تومض ثلاث مرات، كأنها سمعت كلامه وأجابته.
عندها أدركت أن البرج الحقيقي لم يكن مصنوعا من الأوراق والأغصان، بل من الشجاعة التي انتقلت من قلب إلى قلب، ومن يد صغيرة إلى يد أصغر، لا تستطيع ورقة واحدة أن تحمل نجمة، ولا يستطيع صوت واحد أن يهزم عاصفة، لكن الأشياء الهشة تصبح قوية حين تتساند، كما تتماسك قطرات الماء لتصنع بركة كاملة، وربما لا يحتاج العالم دائما إلى أبطال يملكون أجنحة، بل إلى مخلوقات صغيرة تؤمن بأن السماء ليست بعيدة ما دام كل واحد منها مستعدا لأن يرفع الآخر خطوة واحدة نحوها.
