قصة حقيبة الغريب حكاية أمنيات تتحقق بثمن لا يجرؤ أحد على دفعه

الراوي
0

عند منتصف الليل، حين كانت الأمطار تضرب زجاج المقهى كأصابع مذعورة، دخل رجل لم يرَه أحد من قبل، يحمل حقيبة جلدية سوداء بدت أقدم من الشارع نفسه.

لم يطلب قهوة، ولم يخلع معطفه المبلل، بل جلس قرب النافذة وأخذ يراقب المارة كأنه ينتظر شخصاً يعرف أنه لن يأتي.

وبعد أقل من عشر دقائق، نهض الرجل وغادر المقهى من دون أن ينبس بكلمة، تاركاً الحقيبة تحت الطاولة.

وحين ركض النادل خلفه، لم يجد في الزقاق سوى المطر، ورائحة تراب بارد، وآثار أقدام تنتهي فجأة عند جدار مصمت.

في الصباح التالي، وجد صاحب المقهى ورقة داخل الحقيبة كُتبت بحبر أحمر لم يجف رغم مرور الليل، وكان فيها سطر واحد:

احملني يوماً، أمنحك ما تخفيه عن نفسك، ثم آخذ ما لا تظن أنك تستطيع العيش من دونه.

حقيبة الغريب حكاية أمنيات تتحقق بثمن لا يجرؤ أحد على دفعه

المقهى الذي يحتفظ بالأسرار

كان مقهى الساعة الأخيرة قائماً عند منعطف ضيق في حي قديم، حيث تتكئ الشرفات الخشبية فوق الأزقة كعجائز يتبادلن الهمس.

لم يكن مكاناً فاخراً، لكنه كان يجذب المنهكين الذين لا يجدون في بيوتهم ما يكفي من الصمت.

كان صاحبه، سليم الراوي، رجلاً في الخامسة والأربعين، نحيل الوجه، دائم الانحناء فوق آلة القهوة كأنه يعتذر لها.

ورث المقهى عن أبيه، وورث معه ديوناً متراكمة وسمعة تقول إن المكان يسمع أكثر مما ينبغي.

منذ وفاة زوجته هناء قبل ثلاثة أعوام، صار سليم يفتح المقهى قبل شروق الشمس ويغلقه بعد منتصف الليل.

لم يكن يحب العمل إلى هذا الحد، لكنه كان يخشى العودة إلى الشقة التي ما زال عطرها عالقاً في ستائرها.

كان ينام أحياناً على المقعد الجلدي خلف المحاسب، مستيقظاً كلما رنّت ملعقة داخل فنجان في حلمه.

وعندما يفتح عينيه، كان يرى الحقيبة السوداء موضوعة فوق الرف، ساكنة كحيوان يعرف أن وقته لم يحن بعد.

ما وُجد داخل الحقيبة

حين فتحها سليم للمرة الأولى، لم يجد مالاً ولا أوراقاً رسمية ولا ملابس.

كانت الحقيبة من الداخل أوسع مما ينبغي، مبطنة بقماش قرمزي داكن تفوح منه رائحة قرفة ممزوجة بدخان محترق.

في قاعها استقرت الورقة ذات الحبر الأحمر، وإلى جوارها ساعة جيب فضية متوقفة عند الدقيقة السابعة بعد الحادية عشرة.

وحين لمس سليم غطاء الساعة، سمع صوتاً خافتاً يشبه شهقة خرجت من بئر عميقة.

سحب يده مسرعاً وأغلق الحقيبة، ثم وضعها في الخزانة الحديدية أسفل المحاسب.

لكنه في الليلة التالية وجدها فوق الطاولة نفسها التي تركها الغريب تحتها، رغم أن باب الخزانة ظل مغلقاً ومفتاحه في جيبه.

حاول التخلص منها بإلقائها في صندوق القمامة الخلفي.

وفي الصباح، وجدها على كرسيه، مبتلة من الخارج وجافة تماماً من الداخل.

أخذها إلى مركز الشرطة، لكن الضابط المناوب لم يرَ شيئاً حين أشار سليم إليها.

كان ينظر إلى يديه الفارغتين ويسأله بقلق إن كان قد نام جيداً في الأيام الأخيرة.

عندها فهم سليم أن الحقيبة لا تُرى إلا لمن تختاره، أو لمن تسمح له برؤيتها.

ولم يكن يعرف أي الاحتمالين أكثر رعباً.

أول من حمل الأمنية

في مساء الخميس، دخل شاب يدعى مروان، كان يعمل عازف كمان في حفلات صغيرة لا يصغي إليه فيها أحد.

جلس أمام سليم، وألقى على الطاولة أوراقاً تحمل أختاماً حمراء، ثم طلب أرخص كوب شاي.

قال وهو يضغط أصابعه المرتجفة بعضها ببعض:

رفضوني للمرة الخامسة.

قالوا إن عزفي جيد، لكنه لا يملك روحاً.

كان سليم يعرف مروان منذ أعوام، ويعرف أنه ينام في غرفة فوق مخزن للأحذية، ويقضي لياليه يعزف حتى تنزف أطراف أصابعه.

كما كان يعرف الأمنية التي لم يصرح بها الشاب قط، أن يسمع الناس موسيقاه، ولو مرة واحدة، كما يسمعون صراخ النجوم.

تحركت الحقيبة فوق الرف حركة طفيفة.

لم تسقط، ولم تهتز بسبب ريح، بل انزلقت عدة سنتيمترات إلى الأمام، كما لو أنها تدنو من صوت مروان.

شعر سليم ببرودة تجري تحت جلده.

حاول تجاهلها، لكن مروان رفع رأسه فجأة وحدق في الحقيبة.

من أين أتيت بهذه؟

تجمد سليم في مكانه.

كان ذلك أول شخص يراها منذ ليلة الغريب.

يوم واحد من المجد

أخبره سليم بما حدث، محذراً إياه من الورقة ومن العبارة الأخيرة.

إلا أن مروان ضحك بمرارة، وقال إن الإنسان الذي لم يملك شيئاً لا يخاف أن يُؤخذ منه شيء.

حمل الحقيبة وغادر عند الساعة الحادية عشرة وسبع دقائق تماماً.

وفي اللحظة التي عبر فيها باب المقهى، تحرك عقرب ساعة الجيب للمرة الأولى.

في صباح اليوم التالي، انتشر مقطع مصور لمروان وهو يعزف في محطة المترو.

توقفت القطارات، وامتلأت الأرصفة بمئات الأشخاص الذين بكوا وصفقوا، حتى إن امرأة مسنة جلست على الأرض لأنها لم تستطع احتمال جمال اللحن.

بحلول الظهيرة، كانت القنوات تتحدث عنه.

وفي المساء، اتصلت به أشهر دار موسيقية في المدينة، وعرضت عليه الوقوف على المسرح الذي ظل يحلم به منذ طفولته.

عاد إلى المقهى قبل اكتمال الأربع والعشرين ساعة بدقائق، وكانت عيناه تلمعان بفرح محموم.

وضع الحقيبة على الطاولة، وأمسك بيد سليم قائلاً:

لقد سمعوني.

أخيراً سمعوني.

ثم حاول أن يشرح ما عزفه، لكنه لم يستطع إخراج صوت واحد.

فتح فمه مرة أخرى، وانتفخت عروق عنقه، ولم يخرج سوى هواء بارد.

لم تكن حنجرته مصابة، ولم يكن عاجزاً عن التنفس؛ لقد أخذت الحقيبة صوته كاملاً، وتركت له الموسيقى التي لن يستطيع الحديث عنها أبداً.

ارتجف مروان، وكتب على منديل ورقي:

أردت أن يسمعني العالم، ولم أقل إنني أريد أن أتكلم بعد ذلك.

الأمنيات لا تنطق بأسمائها

بعد حادثة مروان، أقسم سليم ألا يسمح لأحد بلمس الحقيبة.

لفها بسلسلة، ووضعها داخل صندوق حديدي، ثم دفن الصندوق في قبو المقهى تحت أكياس البن.

لكن الحقيبة عادت في الليلة نفسها، وجلست فوق الطاولة كضيف يعرف أن صاحب البيت لا يستطيع طرده.

بدأ الزبائن يرونها واحداً بعد آخر، لكن ليس جميعهم.

كان يراها فقط أولئك الذين يحملون رغبة دفينة يخجلون من الاعتراف بها حتى لأنفسهم.

رأتها امرأة تدعى ليلى، كانت تزور المقهى كل صباح وتحمل صورة قديمة لابنها المهاجر.

ورآها موظف بنك يدعى فؤاد، يقضي نصف راتبه على تذاكر اليانصيب.

ورآها رجل سمين اسمه جابر، كان يراقب شريكه التجاري بعينين تمتلئان بالحسد.

كان كل واحد منهم يسأل عنها بالطريقة نفسها، كما لو أن الحقيبة تناديه من مكان بعيد:

لمن هذه؟

وكان سليم يجيب دائماً:

لرجل نسيها، أو تعمد أن يتركها.

الأم التي أرادت عودة ابنها

لم تصدق ليلى تحذيرات سليم.

قالت إن ابنها اختفى في بلد بعيد منذ سبع سنوات، وإنها مستعدة لتقديم عمرها كله مقابل أن تراه واقفاً أمامها مرة واحدة.

حملت الحقيبة إلى بيتها، وقضت الليل قرب الباب مرتدية ثوباً أزرق كان ابنها يحبه.

وعند الفجر، دوى طرق خافت، ثم دخل الابن كما كان يوم رحيله، شاباً في الخامسة والعشرين، يحمل حقيبة سفر صغيرة ويبتسم.

صرخت ليلى وعانقته، وغمرت وجهه بالقبلات، ثم أخذت تطهو له وتلمس شعره كل بضع دقائق كي تتأكد من أنه حقيقي.

لكن حين عاد اليوم إلى نهايته، وقبل أن تعيد الحقيبة، اكتشفت أن ابنها لا يتذكر شيئاً من السنوات السبع الماضية.

لم يكن يعرف زوجته ولا طفلته، ولم يتذكر أنه أصبح رجلاً له حياة في بلد آخر.

وحين حاولت الاتصال بعائلته، وجدت أن كل صورة له قد اختفت من هواتفهم.

لم يعد أحد يعرفه سوى ليلى، وكأن الحقيبة أعادته إليها بانتزاعه من جميع من أحبوه بعدها.

عاد الابن إلى بيت أمه، لكنه ظل كل ليلة يقف عند النافذة وينظر إلى الطائرات، شاعراً بحنين إلى حياة لا يستطيع تذكرها.

قالت ليلى لسليم وهي تعيد الحقيبة:

لقد منحته لي، لكنه جعله غريباً عن نفسه.

لم يجد سليم ما يقوله.

كان يرى الفرح في وجهها، لكنه كان فرحاً خائفاً، يشبه شمعة مشتعلة داخل غرفة مليئة بالغاز.

الرجل الذي أراد المال

أما فؤاد، فلم يطلب ثروة بلسانه.

كان يقول إنه يريد فقط التخلص من الديون، وأن يعيش يوماً واحداً من دون أن يحسب ثمن الخبز قبل شرائه.

حمل الحقيبة إلى منزله، وفي الصباح تلقى مكالمة تخبره بأن خاله الثري، الذي لم يره منذ خمسة عشر عاماً، مات وترك له كل ممتلكاته.

وصلت قيمة الميراث إلى ملايين، واختفى الدين كما تختفي بقعة ماء تحت شمس أغسطس.

اشترى فؤاد سيارة فاخرة قبل أن ينتهي اليوم، ووقف أمام المرآة يضحك حتى سالت دموعه.

لكن المحامي أخبره لاحقاً أن خاله لم يكن ينوي ترك الميراث له.

فقد غيّر وصيته ليلة موته بعد أن فقد أبناءه الثلاثة في حادث سير غامض.

وحين عاد فؤاد بالحقيبة، كانت يداه ترتجفان، وصدره يعلو ويهبط كمن ركض طويلاً.

قال لسليم:

لم أتمنَّ موتهم.

أجابه سليم بصوت خافت:

لكنك تمنيت المال الذي كان سيذهب إليهم.

ترك فؤاد المدينة بعد أسبوع، لكنه لم يتمكن من إنفاق الثروة.

كان يسمع صوت اصطدام معدن بمعدن كلما فتح حسابه المصرفي، ويرى في زجاج سيارته وجوه ثلاثة شبان لم يقابلهم قط.

حين اختارت الحقيبة صاحب المقهى

مر شهر، وصار سليم يعيش في خوف من اللحظة التي ينظر فيها إلى الحقيبة فيشعر أنها تنظر إليه.

كان يضع أمامها كرسياً فارغاً كل ليلة، كأنها زبون لا يشرب ولا يرحل.

وفي إحدى الليالي، انقطعت الكهرباء عن الحي، وغرق المقهى في ظلام كثيف.

أشعل سليم شمعة، فامتد ظل الحقيبة على الجدار أطول من حجمها، حتى لامس السقف.

سمع صوتاً خلفه يقول:

لقد سمحت للآخرين بأن يتمنوا.

متى يأتي دورك؟

استدار مذعوراً، فلم يجد أحداً.

كانت الأبواب مغلقة، والمطر يقرع الزجاج، لكن صوتاً آخر خرج هذه المرة من داخل الحقيبة، واضحاً كهمس قرب أذنه:

أنت تعرف من تريد.

ارتجفت يداه.

لم يحتج إلى التفكير في اسمها.

هناء.

كانت أمنيته تسكنه منذ دفنها؛ أن تعود ولو لساعة واحدة، أن يسمع ضحكتها في المطبخ، وأن يخبرها بأنه لم يكن غاضباً في آخر ليلة جمعتهما، بل كان خائفاً من خسارتها.

كان آخر ما قاله لها قبل أن تخرج من البيت:

اذهبي، ولا تعودي حتى تعرفي قيمة ما تركتِه هنا.

ثم ماتت في حادث سيارة قبل أن تعود.

الرسالة التي أخفاها عن نفسه

فتح سليم الحقيبة، فوجد هذه المرة ظرفاً أبيض يحمل اسمه بخط هناء.

انبعثت منه رائحة الياسمين التي كانت تضعها في شعرها.

مزق الظرف بأصابع مرتعشة، فوجد ورقة واحدة:

خذني معك يوماً واحداً، وسأعيد إليك اللحظة التي كسرتها.

لكن تذكّر، الموت لا يعيد شيئاً من دون أن يطلب مكاناً بديلاً.

أسقط سليم الرسالة، وأغلق الحقيبة بعنف.

ظل واقفاً حتى الفجر، محاولاً إقناع نفسه بأن الرغبة ليست قراراً، وأن مجرد اشتياقه إليها لن يجعلها تعود.

لكن في اليوم التالي، دخلت المقهى فتاة صغيرة تدعى نور، كانت ابنة أخته الوحيدة.

جاءت تحمل كعكة صنعتها أمها، وجلست تلوّن على الطاولة القريبة من الحقيبة.

رفعت نور رأسها فجأة، ونظرت إلى سليم قائلة:

خالي، لماذا تناديني الحقيبة باسمك؟

عندها أدرك أن الحقيبة لم تعد تنتظر موافقته.

كانت تضيق الدائرة حول أمنيته، وتبحث عن الثمن الأقرب إلى قلبه.

أخذها سريعاً، وأغلق المقهى، ثم مضى بها نحو بيته قبل أن تختار بنفسها ما ستأخذه.

يوم عادت فيه هناء

عند الساعة الحادية عشرة وسبع دقائق ليلاً، وضع سليم الحقيبة فوق سرير زوجته القديم.

جلس أمامها، وأحاط رأسه بكفيه، ثم قال للمرة الأولى بصوت مسموع:

أريد أن أراها.

انطفأت المصابيح.

انتشرت في الغرفة رائحة مطر وياسمين، ثم سمع صوت مفتاح يدور في باب الشقة.

جاءت خطوات مألوفة من الممر، يتخللها احتكاك كعب صغير بأرضية الخشب.

دخلت هناء مرتدية المعطف الرمادي نفسه الذي كانت ترتديه ليلة موتها.

كان شعرها مبللاً، وخداها محمرين من البرد، وفي يدها كيس ورقي يحوي خبزاً ساخناً.

نظرت إليه باستغراب وقالت:

لماذا تنظر إليّ هكذا؟

لم يستطع سليم الرد.

نهض واقترب منها، ثم لمس وجهها بأطراف أصابعه كما يلمس الأعمى شمساً سمع عنها ولم يرها.

كانت دافئة.

ضمت حاجبيها وهي تبتسم:

هل ستظل واقفاً، أم ستعتذر لأنك طلبت مني ألا أعود؟

انهار سليم باكياً، واحتضنها بقوة حتى ضحكت وطلبت منه أن يترك لها بعض الهواء.

كان صوت ضحكتها حقيقياً، صافياً، يملأ الشقة التي ظلت ثلاثة أعوام لا تسمع سوى أنفاسه.

الساعات المسروقة من الموت)

قضيا الليل يتحدثان.

لم يخبرها بأنها ماتت، ولم يسألها أين كانت، بل ترك الزمن يمر كما يمر الماء بين أصابع عطشان يعرف أن الإناء مثقوب.

طبخت هناء حساء العدس، وأحرقت البصل كما كانت تفعل دائماً.

فتحت النافذة لتطرد الدخان، فتسلل المطر إلى الداخل، ووبخته لأنها وجدته يعيش وسط الغبار.

قالت وهي تمسح الطاولة:

ألم تنظف هذا المكان منذ خرجت؟

أجابها:

كنت أنتظرك.

توقفت يدها، ونظرت إليه طويلاً.

كان في عينيها شيء يتغير، كأن ذكرى بعيدة بدأت تصعد من قاع مظلم.

سألته:

كم مضى من الوقت يا سليم؟

لم يجب.

اقتربت من المرآة، فرأت أن انعكاسها يتأخر جزءاً من الثانية عن حركتها.

رفعت يدها، فرفعتها الصورة بعدها، ثم ظهرت خلفها للحظة شاحنة مسرعة وضوء أبيض وصوت زجاج يتحطم.

تراجعت هناء، ووضعت كفها على فمها.

أنا، لم أعد إلى البيت تلك الليلة.

انحنى سليم أمامها وهو يبكي.

أنا السبب.

كلماتي الأخيرة دفعتك إلى الخروج.

جلست هناء إلى جواره، ومررت يدها في شعره، كما كانت تفعل حين يعجز عن التعبير عما يؤلمه.

قالت:

كلماتك لم تقد السيارة الأخرى.

غضبك لم يصنع الطريق ولا المطر.

أنت سجنت نفسك في لحظة لم تكن تملكها.

أراد أن يصدقها، لكن عقارب الساعة في الصالة بدأت تتحرك بسرعة.

كانت الحادية عشرة وسبع دقائق تقترب من جديد.

الثمن الذي اختارته الحقيبة

قبل انتهاء اليوم بدقائق، انفتح باب الحقيبة وحده، وخرج منه هواء بارد جعل جدران الشقة ترتجف.

ظهر الحبر الأحمر فوق بطانتها القرمزية، مشكلاً كلمات جديدة:

عادت من الموت يوماً.

ولتبقى بعده، يجب أن يحل مكانها من يحبها أكثر.

قرأ سليم الجملة، ثم نظر إلى هناء.

لم يكن بحاجة إلى سؤال الحقيبة عمن تقصد.

ابتسمت هناء بحزن، وأمسكت يده.

لا تفكر حتى في الأمر.

قال وهو يضغط على أصابعها:

لقد عشت ثلاثة أعوام من دونك.

لم يكن ذلك حياة.

لكنك عشت.

كنت أتنفس فقط.

بدأت ملامح هناء تبهت عند أطرافها، وأصبح الضوء يمر من خلال يديها.

بقيت دقيقة واحدة قبل اكتمال اليوم.

دفع سليم الحقيبة بعيداً، وصرخ:

خذيني أنا، واتركيها!

فانغلقت النوافذ دفعة واحدة، وارتفع صوت يشبه ضحكاً مختنقاً.

تمدد ظل الحقيبة على الأرض وأحاط بقدميه، ثم أخذ يصعد نحو ساقيه.

صفعته هناء بقوة.

توقف الظل لحظة، وحدق سليم فيها مصدوماً.

قالت والدموع تملأ عينيها:

إن متَّ من أجلي، فلن تعيدني.

ستمنحني السجن الذي عشت فيه أنت.

حاول الإمساك بها، لكنها سحبت يدها وركعت أمام الحقيبة.

وضعت كفها فوق جلدها الأسود، فتصاعد دخان خفيف من أصابعها.

قالت بوضوح:

أنا لا أقبل الأمنية.

ارتجت الغرفة، وتشقق زجاج النوافذ، وخرج صوت غاضب من داخل الحقيبة:

الحامل وحده يملك الرفض.

نظرت هناء إلى سليم وقالت:

إذن ارفضها أنت.

لم يستطع.

كانت عودتها أمامه، حية ودافئة، وكل ما عليه فعله هو أن يسمح للظل بالصعود حتى قلبه.

اقتربت منه، ووضعت جبينها على جبينه.

كنت تظن أنك تريد عودتي.

لكن ما أردته حقاً هو أن تسمع مني أنك لست مذنباً.

شهق سليم، وكأن الكلمات فتحت نافذة في صدره المغلق منذ سنوات.

تابعت:

وقد سمعت الآن.

الأمنية الحقيقية)

بقيت عشر ثوانٍ.

رفع سليم عينيه إلى الحقيبة، ورأى فوق جلدها انعكاس وجهه شاحباً، محطماً، لكنه حي.

وفهم أخيراً أن الحقيبة لم تحقق الأمنيات المنطوقة، بل الرغبات المخبأة تحتها.

مروان لم يرد الشهرة؛ أراد أن يُسمع.

وليلى لم ترد ابنها حراً؛ أرادته ملكاً لوحدتها.

وفؤاد لم يرد النجاة من الدين؛ أراد أن يصبح أغنى ممن احتقروه.

أما هو، فلم يكن يريد هناء من الموت.

كان يريد الغفران.

قال سليم بصوت ثابت، فيما وصل الظل إلى صدره:

أرفض بقاءها.

وأرفض أن تأخذي مكاني.

لقد حصلت على ما أردته.

توقفت عقارب الساعة.

خرج من الحقيبة صرير حاد، كأن آلاف الأبواب أغلقت في وقت واحد.

تراجع الظل عن جسده، وانكمشت الحقيبة حتى صارت بحجم كف، ثم انفتحت بقوة وأطلقت ريحاً سوداء بعثرت الأثاث.

احتضن سليم هناء، وشعر بجسدها يتحول إلى دفء خفيف، ثم إلى رائحة ياسمين.

همست قرب أذنه:

هذه المرة، أنا أعود لأنني أريد الرحيل.

ثم اختفت.

النهاية آخر حامل للحقيبة

عند الفجر، حمل سليم الحقيبة الصغيرة إلى المقهى.

لم تعد ثقيلة، ولم يعد جلدها يلمع، لكن ساعة الجيب في داخلها بدأت تدق للمرة الأولى بإيقاع منتظم.

وجد الغريب جالساً عند الطاولة القريبة من النافذة، مرتدياً المعطف نفسه، كأنه لم يغادر منذ تلك الليلة الممطرة.

وضع سليم الحقيبة أمامه وقال:

انتهت لعبتك.

رفع الغريب عينيه.

كانتا بلون الرماد، بلا بريق ولا انعكاس.

لا تنتهي اللعبة ما دام البشر يتمنون.

أخرج سليم الورقة ووضعها فوق الطاولة.

أنت قلت إنها تأخذ ما لا نستطيع العيش من دونه.

ابتسم الغريب.

وهل كذبت؟

قال سليم:

كذبت في شيء واحد.

هي لا تأخذ أغلى ما لدينا، بل تأخذ الشيء الذي نضعه فوق حياتنا حتى نظن أننا لا نستطيع العيش من دونه.

اختفت ابتسامة الغريب.

فتح سليم الحقيبة، وأخرج ساعة الجيب.

كانت عقاربها تشير إلى الحادية عشرة وسبع دقائق، لكنها هذه المرة لم تتوقف.

كل حامل دفع الثمن لأنه لم يفهم أمنيته.

أما أنا، فقد فهمتها ورفضت المقايضة.

نهض الغريب ببطء، وحاول الإمساك بالحقيبة، لكنها التصقت بيده.

انغلق المقبض حول معصمه كقيد حديدي، وظهر الحبر الأحمر فوق الورقة من جديد:

احملني يوماً، أمنحك ما تخفيه عن نفسك.

اتسعت عينا الغريب للمرة الأولى.

تراجع وهو يحاول نزع الحقيبة، لكن باب المقهى انفتح وحده، واجتذبته ريح قوية نحو الشارع.

وقبل أن يختفي في المطر، سمعه سليم يصرخ:

أنا لا أتمنى شيئاً!

إلا أن الحقيبة كانت تعرف أنه يكذب.

في اليوم التالي، لم يعثر أحد على الغريب، لكن سليم وجد تحت الطاولة ذرات رماد وساعة جيب مكسورة.

أما الحقيبة، فلم تعد إلى المقهى قط.

بعد أشهر، باع سليم الشقة القديمة وانتقل إلى منزل صغير تدخله الشمس.

احتفظ بصورة هناء على مكتبه، لكنه لم يعد يتحدث إليها كأنها ستجيبه، ولم يعد يترك المصباح مشتعلاً قرب الباب.

وفي ذكرى وفاتها، وضع زهرة ياسمين فوق قبرها وقال:

لقد عدتِ فعلاً، لكنني كنت أنا الذي يحتاج إلى العودة.

ثم مضى من دون أن يلتفت خلفه.

ليست جميع الأمنيات أبواباً إلى السعادة؛ فبعضها مرايا تفضح الجوع الذي نخفيه خلف الكلمات الجميلة.

وقد يبدو الثمن وحشياً حين يتحقق ما نريد، لكنه غالباً يكشف أن ما تمسكنا به لم يكن حباً خالصاً، بل خوفاً ارتدى ثوب الرجاء.

فالإنسان لا يهلك لأنه يتمنى، بل لأنه يسلّم رقبته لأمنيته، ويمنحها الحق في اختيار ما يُنتزع منه.

أما النجاة، فتبدأ حين يعرف أن بعض الأشياء لا تحتاج إلى أن تعود، بل تحتاج فقط إلى أن تُغفر, قصة شتاء دافئ عاصفة ثلجية أعادت حبيبين إلى الكوخ الذي شهد فراقهما من هنا.

التصنيفات:

إرسال تعليق

0 تعليقات
يُرجى عدم نشر تعليقات لا تحترم الشروط هنا, جميع التعليقات تخضع للمراجعة.
إرسال تعليق (0)

المحتوي

+

إقرأ أيضاً

يستخدم موقع Dseel.com ملفات تعريف الارتباط (Cookies) لضمان حصولك على أفضل تجربة إستخدام وتخصيص المحتوى المفضل للزوار, باستمرارك في تصفح الموقع، فإنك توافق على استخدامنا لها. لمعرفة المزيد