قصة بيت الأصداف الذي يستمع النوم

الراوي
0

في الليلة التي أحاطت فيها أروى وسادتها بالأصداف، لم يدخل البحر إلى غرفتها من النافذة، ولم تتسلل مياهه الزرقاء تحت الباب، ومع ذلك ابتلّ الصمت فجأة برائحة الملح، وارتجف الستار كأن موجة خفية مرّت من خلفه.

وضعت أروى رأسها على الوسادة، وأغمضت عينيها منتظرة همسة هادئة تشبه آخر النهار، لكن الأصوات اندفعت نحوها من كل جانب؛ موج يتكسر بعيدًا، وريح تدور في ممرات ضيقة، وحصى صغير يتدحرج في قاع مظلم.

ثم جاء صوت رابع لم تعرفه.

كان نقرًا خافتًا ومنتظمًا، يصدر مرة من جوار أذنها، ومرة من أسفل الوسادة، ومرة من داخل صدرها، حتى خُيّل إليها أن بيت الأصداف لم يأتِ ليستمع إلى البحر، بل جاء ليستمع إليها.

قصة بيت الأصداف الذي يستمع حكاية قبل النوم

الأصداف التي تركها المد

في ذلك الصباح، استيقظ الشاطئ مغطى بضوء شاحب يشبه الحرير المبلل، وكانت السماء تميل فوق البحر في زرقة هادئة، فيما انسحب المد تاركًا وراءه خيوطًا من الزبد وقطعًا من الطحالب اللامعة.

سارت أروى حافية عند الحافة التي تتعانق فيها المياه والرمال، فكانت قدماها تغوصان قليلًا، ثم تمتلئ آثارها بالماء قبل أن تمحوها موجة رقيقة، كأن البحر لا يريد الاحتفاظ بدليل على مرور أحد.

لم تكن تجمع الأصداف الأجمل، بل الأصداف التي بدت لها أكثر صمتًا؛ تلك التي فقدت لمعانها، أو تشققت حوافها، أو علقت في تجاويفها حبات رمل دقيقة لا يراها إلا من اقترب كثيرًا.

كانت ترفع كل صدفة إلى أذنها، وتصغي.

بعضها كان يطلق هديرًا عميقًا كأنه يحمل عاصفة قديمة، وبعضها يهمس بارتباك، أما الأصداف الصغيرة فكانت ترتعش فيها أصوات خفيفة تشبه تنفس مخلوق نائم تحت الماء.

قالت أروى وهي تمسح الرمل عن صدفة لولبية:

لا بد أن البحر يترك جزءًا من صوته داخل كل بيت فارغ.

كانت جدتها تمشي خلفها ببطء، تحمل سلة قش وتراقب النوارس وهي تهبط قرب الصخور، ثم أجابتها دون أن تنظر إليها:

وربما تكون الأصداف هي التي تتذكر، لا البحر.

توقفت أروى، وظلت تحدق في الصدفة بين أصابعها، وقد لمعت في داخلها طبقة وردية رقيقة كأن شمسًا صغيرة نامت هناك، ثم وضعتها في جيب فستانها بحذر.

مع حلول الظهيرة، صار جيبها ثقيلًا، وامتلأت سلة جدتها بأصداف بيضاء وبنية ورمادية، لكل واحدة منها فتحة مختلفة، وانحناءة لا تشبه سواها، وسر لا يظهر من الخارج.

صدفة ذات حافة مكسورة

قرب صخرة سوداء لامعة، وجدت أروى صدفة عريضة ذات حافة مكسورة، نصفها بلون الرماد ونصفها الآخر بلون العسل، وكانت عالقة بين حصاتين كأنهما تمنعانها من الرحيل.

حين قربتها من أذنها، لم تسمع هديرًا ولا صفيرًا، بل خشخشة متقطعة، تتبعها ضربة صغيرة، ثم خشخشة أخرى؛ صوت يشبه حفنة حصى تحركها المياه في جيب صخري ضيق.

قلبت الصدفة بين يديها، وهزتها برفق، فلم يسقط منها شيء.

هذه لا تحمل موجة، قالت أروى.

إنها تحمل قاع البحر.

ابتسمت جدتها، ثم أشارت إلى الأفق حيث كان خط الماء يرتفع ويهبط تحت الشمس:

خذيها إذن، ولكن تذكري أن الأصوات الكثيرة تحتاج إلى قلب يعرف كيف يفرق بينها.

لم تفهم أروى ما قصدته، إلا أنها شعرت بأن العبارة دخلت معها إلى السلة واستقرت بين الأصداف، تنتظر الليل لتفتح عينيها.

بناء البيت حول الوسادة

عادت أروى إلى المنزل قبل الغروب، وغسلت الأصداف في حوض حجري صغير عند الفناء، فانسابت من تجاويفها خيوط رفيعة من الرمل، وانتشرت رائحة البحر في الهواء الدافئ.

وضعتها فوق منشفة بيضاء حتى تجف، وظلت تقلبها واحدة بعد أخرى، مستمتعة ببرودتها الناعمة وبالخطوط الملتفة على ظهورها، كأن يدًا مجهولة رسمت لكل صدفة طريقًا نحو مركز لا يصل إليه أحد.

عندما نزل المساء، حملت أروى مجموعتها إلى غرفتها.

كانت الغرفة صغيرة، تتوسطها نافذة تطل على شجرة تين، ويقف إلى جوار السرير مصباح ذو غطاء أصفر، يلقي فوق الجدار دائرة ضوئية تبدو كقمر محبوس.

جلست فوق الفراش، وبدأت تصف الأصداف حول وسادتها.

وضعت الأصداف الكبيرة عند الزوايا، والصغيرة قرب رأسها، ورتبت الحلزونية منها عند الجانب الأيسر، بينما خصصت الجانب الأيمن للأصداف المسطحة التي تشبه آذانًا حجرية دقيقة.

شيئًا فشيئًا، أحاطت الوسادة دائرة غير منتظمة من البيوت البحرية الخالية، وصار السرير يبدو كجزيرة بيضاء تطوقها قرية صامتة.

صفقت أروى بيديها في سرور، ثم همست:

الآن سيأتيني البحر من كل جانب.

أول همسة في الظلام

أطفأت المصباح، فانكمشت الغرفة داخل عتمة زرقاء، ولم يبقَ سوى مستطيل من ضوء القمر فوق الأرض، تهتز على سطحه ظلال أوراق التين.

استلقت أروى بحذر حتى لا تسقط الأصداف، وأمالت رأسها نحو أقرب واحدة.

في البداية، لم تسمع إلا تنفسها وحفيف الملاءة تحت كتفها، ثم انفتح داخل الصدفة صوت طويل وعميق، ارتفع ببطء قبل أن ينكسر فجأة، مثل موجة بعيدة تضرب جدارًا من الصخور.

ابتسمت، وأدارت وجهها نحو صدفة أخرى.

جاءها منها صفير ناعم، تتخلله رجفة خفيفة، كأن ريحًا ليلية تتسلل بين أعشاب طويلة، تلامس أطرافها ثم تواصل السير إلى مكان لا تراه العين.

أما الصدفة الثالثة، فقد أطلقت خشخشة متقطعة، رقيقة لكنها واضحة؛ حصى صغير يتحرك تحت الماء، يتدحرج قليلًا، ثم يستقر قبل أن تدفعه موجة جديدة.

لم يكن بيت الأصداف صامتًا إذن.

كان حيًا أكثر مما توقعت.

حين تكاثرت أصوات البحر

مدت أروى يدها إلى صدفة رابعة، ثم خامسة، ثم سادسة، وراحت تنقل رأسها من جهة إلى أخرى، متلهفة لسماع كل ما حمله البحر إلى غرفتها.

لكن الهمسات بدأت تتداخل.

صار الموج يدخل في صفير الريح، واختلطت خشخشة الحصى بضربات عميقة لم تعرف مصدرها، بينما أخذت بعض الأصداف تردد أصواتًا تشبه أبوابًا بعيدة تُفتح ثم تُغلق تحت الماء.

رفعت رأسها عن الوسادة، لكن الأصوات لم تتوقف.

بدت قادمة من الدائرة كلها؛ من الصدفة التي عند كتفها، ومن تلك القريبة من شعرها، ومن الأصداف الموضوعة عند قدمي السرير، حتى إن الجدران نفسها أخذت تحتفظ برجفة منخفضة.

جلست أروى، وقد التصق شعرها بخدها، وأصغت في الظلام.

كان البحر كثيرًا.

أكثر اتساعًا من غرفتها، وأكثر ازدحامًا من أن يسكن داخل هذه البيوت الصغيرة دون أن يتدافع أو يضيع.

ثم سمعت النقر الخافت للمرة الأولى.

دقّة.

سكون قصير.

ثم دقّة أخرى.

الصوت الذي لم تحمله أي موجة

أمسكت أروى بأقرب صدفة ورفعتها إلى أذنها، فسمعت موجة بعيدة، لكنها لم تسمع النقر، فوضعَتها جانبًا والتقطت أخرى.

كانت الثانية تحمل صفير الريح، والثالثة خشخشة الحصى، والرابعة هديرًا مكتومًا يشبه الرعد، لكن الصوت الغامض ظل ينتقل بينها دون أن يستقر في واحدة.

دقّة.

ثم دقّة.

كانت منتظمة إلى حد جعل الغرفة تبدو كساعة هائلة، تخفي بندولها خلف الجدران.

نزلت أروى من السرير، وأشعلت المصباح، فانحسر الظلام إلى الزوايا، وبدت الأصداف فوق الفراش ساكنة بريئة، لا تتحرك ولا تفتح أفواهها الصغيرة.

فتشت أسفل الوسادة، ثم تحت السرير، ووضعت كفها على الجدار، فلم تجد شيئًا.

عندما ابتعدت عن السرير، اختفى النقر.

وحين عادت وجلست وسط دائرة الأصداف، عاد من جديد.

هذه المرة كان أقرب.

شعرت به لا في أذنها، بل في أطراف أصابعها التي استقرت فوق الملاءة، كرجفة دقيقة تصعد من الفراش إلى معصمها.

قالت بصوت منخفض:

من هناك؟

لم يجبها أحد، غير أن الستار تحرك قليلًا، رغم أن النافذة كانت مغلقة، وخرج من إحدى الأصداف صوت طويل يشبه زفرة باردة.

اختيار صوت واحد لكل صدفة

تذكرت أروى كلام جدتها عند الشاطئ، الأصوات الكثيرة تحتاج إلى قلب يعرف كيف يفرق بينها.

نظرت إلى الدائرة المزدحمة حول وسادتها، وفهمت أن جمع كل شيء لا يعني سماع كل شيء، وأن البحر حين يُحاصر بعشرات الأفواه الصغيرة يتحول من حكاية إلى ضجيج.

بدأت ترفع الأصداف واحدة بعد أخرى، وتضعها في السلة.

لم تتعجل؛ كانت تقرب كل صدفة من أذنها، وتنتظر حتى يظهر صوتها الأوضح من بين الأصوات الخافتة، ثم تقرر إن كانت ستبقى أم تعود إلى جوار أخواتها.

اختارت أولًا صدفة لولبية زرقاء الحواف، لأن موجتها كانت بعيدة وواسعة، ترتفع من سكون عميق ثم تنحني برفق، كأنها تصل من وراء الأفق ولا تريد إيقاظ أحد.

وضعتها إلى يسار الوسادة.

ثم اختارت صدفة بيضاء نحيلة، ذات فتحة طويلة، لأن الريح داخلها كانت خفيفة وباردة، تمر بين صخور متخيلة وتترك خلفها رجفة تشبه ملمس العشب على الكاحلين.

وضعتها إلى يمين الوسادة.

وأخيرًا، أخرجت الصدفة ذات الحافة المكسورة، تلك التي وجدتها بين الحصاتين السوداوين، وسمعت فيها الخشخشة المألوفة؛ حبات صغيرة تتدحرج وتتلامس ثم تهدأ.

وضعتها فوق الوسادة، على مسافة قريبة من رأسها.

ثلاث أصداف فقط.

موجة بعيدة، وريح خفيفة، وحصى يتحرك.

بيت أصغر وصوت أوضح

أعادت أروى بقية الأصداف إلى السلة، فخفّ ثقل الهواء في الغرفة، واختفت الهمسات المتشابكة التي كانت تملأ الزوايا.

عندما أطفأت المصباح مرة أخرى، لم تشعر بأن البحر يحيط بها كعاصفة، بل بدا كضيف هادئ يجلس قرب السرير، يحمل ثلاث حكايات ولا يرويها في وقت واحد.

وضعت أذنها قرب الصدفة الأولى، فسمعت الموجة تقترب دون أن تصل.

ثم مالت نحو الثانية، فمرت الريح في الظلام ورجفت معها أوراق التين خلف الزجاج.

وعندما أصغت إلى الثالثة، تحرك الحصى قليلًا، كأن قاع البحر تقلب في نومه ثم عاد إلى السكون.

ابتسمت أروى، وراحت تنقل انتباهها بين الأصوات الثلاثة، ببطء هذه المرة، مانحة كل صوت مساحته كاملة قبل أن تنتقل إلى الآخر.

لكن النقر الغامض عاد.

دقّة.

ثم دقّة أخرى.

السر المختبئ تحت الهمس

فتحت أروى عينيها، وظلت ساكنة تمامًا، لا تحرك يدًا ولا قدمًا، حتى صار الصمت من حولها رقيقًا كطبقة زجاج.

جاءت الدقّة مرة أخرى.

لاحظت أنها لم تصدر من الصدفة اليسرى ولا اليمنى، كما أنها لم تأتِ من الصدفة المكسورة، بل ظهرت حين ضغط خدها على الوسادة واختفت حين رفعت رأسها.

وضعت كفها فوق الوسادة.

لم تشعر بشيء.

ثم وضعت أذنها مباشرة عليها، بعيدًا عن الأصداف، فسمعت صوتًا مكتومًا يسير في أعماق القماش.

دقّة.

دقّة.

رفعت رأسها مذعورة، فتوقف الصوت، ثم عاد عندما استلقت من جديد، أكثر وضوحًا وأقرب من أي موجة.

وضعت يدها فوق صدرها.

التقت الدقّة التي تحت كفها بالدقّة التي داخل الوسادة في اللحظة نفسها.

ظلّت أروى ساكنة لثوانٍ، ثم فهمت.

لم يكن الصوت قادمًا من البحر، ولا من الجدار، ولا من مخلوق مختبئ تحت السرير، بل كان نبض قلبها ينتقل عبر عنقها وخدها إلى الوسادة، فتلتقطه الأصداف القريبة وتعيده إليها كأنه صوت غريب.

ضحكت ضحكة صغيرة، سرعان ما امتصها الليل.

همست للصدفة المكسورة:

كنت أظن أنني أستمع إليكم، فإذا بكم تستمعون إليّ أيضًا.

تحرك الحصى في داخلها بخشخشة خافتة، حتى بدا كأنه يوافقها.

آخر ما قاله بيت الأصداف

قبل أن تنام، رتبت أروى الأصداف الثلاث على هيئة نصف دائرة مفتوحة، فلم تعد تحاصر وسادتها، بل تركت بينها ممرًا واسعًا يتجه نحو النافذة.

بدت الموجة عند اليسار كحارس بعيد، والريح عند اليمين كنافذة أخرى، أما الحصى فاستقر فوق رأسها كذكرى صغيرة من قاع لا يصل إليه الضوء.

أغمضت عينيها.

استمعت إلى الموجة حتى ابتعدت، ثم إلى الريح حتى هدأت، ثم إلى الحصى حتى استقر، وبعدها لم تبحث عن صوت جديد.

تركت الصمت يأتي وحده.

في قلب ذلك الصمت، سمعت نبضها واضحًا، دافئًا، ومنتظمًا، لا يطاردها ولا يخيفها، بل يرافق أصوات البحر كما ترافق نجمة صغيرة سفينة في ليل واسع.

شعرت بأن الغرفة لم تعد منفصلة عن الشاطئ؛ كانت رائحة الملح ما تزال عالقة في الأصداف، وظل القمر يرسم فوق الأرض طريقًا فضيًا، فيما تنفست شجرة التين خلف النافذة مع الريح.

وقبل أن يغلبها النعاس، مدت يدها ولمست الصدفة ذات الحافة المكسورة.

قالت:

غدًا سأعيد البقية إلى البحر.

وفي الصباح، حملت السلة إلى الشاطئ، وأعادت الأصداف واحدة تلو الأخرى إلى الرمل المبلل، تاركة للمد أن يختار أيها سيعود إلى الماء وأيها سيبقى تحت الشمس.

احتفظت بثلاث فقط.

لم تعد تريد بيتًا كبيرًا من الأصوات، بل نافذة صغيرة تطل منها على الموج، ونسمة تمر عند الحاجة، وحفنة حصى تذكرها بأن الأشياء الخافتة قد تحمل أعمق الحكايات.

ومنذ ذلك اليوم، حين كان العالم يزدحم حولها بالكلمات والنداءات والضجيج، كانت تضع صدفة واحدة قرب أذنها، وتصغي حتى تميز الصوت الذي يستحق أن يبقى.

ليست الآذان وحدها هي التي تصغي؛ فبعض البيوت تحفظ وقع خطوات ساكنيها، وبعض الأصداف ترد إلينا ما نحمله في أعماقنا، حتى نظنه آتيًا من بحر بعيد.

وحين نتوقف عن جمع الأصوات كلها، قد نكتشف أن الهمسة التي بحثنا عنها طويلًا لم تكن مختبئة في الخارج، بل كانت تنبض بهدوء داخلنا، تنتظر مساحة من الصمت كي نسمعها.

التصنيفات:

إرسال تعليق

0 تعليقات
يُرجى عدم نشر تعليقات لا تحترم الشروط هنا, جميع التعليقات تخضع للمراجعة.
إرسال تعليق (0)

المحتوى

+

إقرأ أيضاً

يستخدم موقع Dseel.com ملفات تعريف الارتباط (Cookies) لضمان حصولك على أفضل تجربة إستخدام وتخصيص المحتوى المفضل للزوار, باستمرارك في تصفح الموقع، فإنك توافق على استخدامنا لها. لمعرفة المزيد