عندما انحنى سليم فوق صفحة الماء، لم يرَ وجهه، رأى أمَّه واقفة عند باب البيت القديم، تلوّح له بمنديل أبيض في صباح رحيله الأول، بينما كانت رائحة الخبز الساخن تتسلل من المطبخ، ويهبط ضوء الشتاء على شعرها كغبار ذهبي.
مدت يدها نحوه من عمق البئر، ونادته بصوت واضح كأن ثلاثة عشر عامًا لم تمر:
عد يا سليم، لقد طال الطريق.
ارتجفت أصابعه فوق الماء، فتكسرت الصورة إلى دوائر فضية، ثم عادت أكثر صفاءً.
كان يعرف أن أمه ماتت قبل سنوات، وأن البيت دُفن تحت كثبان الرمال، ومع ذلك بدا صوتها حيًّا إلى حد جعله ينسى حرارة الصحراء، والعطش الذي شق شفتيه، والجثة الممددة خلفه.
لكن الرجل الميت فتح عينيه فجأة، وقبض على كاحل سليم.
وقال بصوت خرج من حلقه كاحتكاك حجرين:
لا تشرب، هذا الماء لا يروي العطش، بل يشربك أنت.
القافلة التي اختفت تحت شمس سوداء
قبل سبعة أيام، كانت القافلة تشق صحراء المرايا في صف طويل من الجمال المثقلة بأكياس الملح والنحاس، تتقدمها رايات زرقاء ممزقة ترفرف فوق الرؤوس كألسنة عطشى.
كان الرمل أبيض ناعمًا، شديد اللمعان، حتى إن المسافرين غطوا وجوههم بقطع قماش داكنة كيلا تعميهم الأرض.
لم يكن سليم تاجرًا ولا دليلًا، بل ناسخ خرائط جاء يحمل رقًّا قديمًا اشتراه من بحار يحتضر في ميناء السندس.
كان الرق يرسم طريقًا إلى واحة يسمونها عين الذاكرة، ويزعم أن ماءها لا ينفد، وأن من يبلغها يستطيع عبور أشد صحارى العالم قسوة.
قاد القافلة شيخ نحيل يدعى ناصف، له لحية بلون رماد الموقد وعين يسرى مغطاة بقطعة جلد.
كان يرفض النظر إلى خريطة سليم طويلًا، وكلما لمح الدائرة الحمراء المرسومة في قلب الصحراء، تمتم بتعويذة غامضة وبصق على الرمل.
في الليلة الأولى، جلس ناصف قرب النار وقال لسليم:
الخرائط تخبرك أين تمشي، لكنها لا تخبرك ما الذي سيمشي معك.
ضحك سليم، ظانًّا أن الشيخ يحاول إخافته كي يرفع أجره، ثم أعاد طي الرق ووضعه قرب صدره.
لم يكن يعلم أن شيئًا ما كان يتتبع القافلة فعلًا، مختبئًا بين انعكاسات النجوم على الرمال.
أصوات بلا أصحاب
بدأ الأمر بأصوات خافتة تأتي بعد منتصف الليل، حين تخمد النيران ويتثاقل الحراس خلف رماحهم.
كانت همسات نساء وأطفال، تخرج من بين الكثبان، تنادي المسافرين بأسمائهم وتعدهم بماء بارد وظلال نخيل.
في الليلة الثانية، استيقظوا فوجدوا أحد التجار يسير حافيًا نحو الأفق، يبتسم ويضم الهواء إلى صدره.
ركضوا خلفه، لكن الرمل انشق تحت قدميه، وابتلعه من دون صرخة، ثم استوى سطحه كأن الرجل لم يوجد قط.
قال ناصف إن الصحراء لا تستطيع خلق صوت من العدم، ولذلك تسرق الأصوات التي يحملها الناس في ذاكرتهم.
لم يصدقه أحد، غير أن المسافرين ربطوا أقدامهم بالحبال في الليلة التالية، وناموا متقاربين كأجساد الغرقى فوق طوف صغير.
أما سليم، فسمع صوت أمه تناديه من وراء كثيب قريب.
لم يخرج إليها، لكنه ظل مستيقظًا حتى الفجر، يضغط كفيه على أذنيه، بينما كانت تردد الأغنية التي كانت تغنيها له حين يمرض.
وكلما تجاهلها، ازداد صوتها حنانًا، حتى كاد قلبه ينشق من ثقله.
العاصفة التي محَت أسماء الرجال
في صباح اليوم الرابع، تغيّر لون السماء.
تجمعت غيوم سوداء بلا مطر، وظهر في الأفق جدار هائل من الرمل البنفسجي، يرتفع حتى كاد يحجب الشمس.
صرخ ناصف طالبًا من الجميع أن يغطوا وجوههم ويلتصقوا بالجمال، لكن الريح وصلت قبل أن يكمل تحذيره.
كانت العاصفة تصفر كجيش من الأرواح الجائعة، تحمل حبات رمل حادة تقطع الجلد وتطرق العظام.
اختلطت صرخات الرجال برغاء الجمال، وانقطعت الحبال، وطارت الصناديق والرايات في الهواء كأوراق محترقة.
غرس سليم خنجره في الأرض، وربط حزامه بسرج جمل راكع، ثم أغلق عينيه.
شعر بالرمل يدخل فمه وأنفه، وشعر بأيدٍ باردة تلامس وجهه، مع أن الهواء كان يحرق كل شيء.
سمع صوت رجل يهمس قرب أذنه:
ما اسم أبيك؟
حاول سليم أن يجيب، لكن الاسم فرّ من ذهنه.
فتح عينيه مذعورًا، فرأى وجوهًا تتشكل داخل العاصفة ثم تتلاشى؛ وجوه رجال ونساء بلا أجساد، أفواههم مفتوحة وأعينهم مملوءة برمل أسود.
عاد الصوت يسأله عن اسم قريته، وعن أول كلمة كتبها، وعن لون باب بيته.
كلما فشل في الإجابة، شعر بشيء يُنتزع من رأسه كخيط ساخن.
الناجي الوحيد
حين انتهت العاصفة، لم يبق من القافلة سوى حقائب ممزقة، وهياكل جمال نصف مدفونة، وأثر دم طويل امتد فوق الرمل ثم توقف فجأة.
كانت الشمس معلقة في السماء بلون نحاسي، ولا صوت في المكان إلا حفيف الريح بين الأمتعة.
وجد سليم نفسه على بعد ميل من الطريق، إلى جواره ناصف ممددًا على ظهره، ورمح قصير مغروس في بطنه.
كان الشيخ يتنفس بصعوبة، وتتجمع حول شفتيه فقاعات دم داكنة.
زحف سليم نحوه وقال:
سأحملك إلى الظل.
ابتسم ناصف، وكشفت ابتسامته عن أسنان ملطخة بالدم.
لا ظل هنا، إلا ظل ما ننساه.
أخرج الشيخ من عنقه قلادة صغيرة تتدلى منها قارورة زجاجية، وفي داخلها قطرة ماء تتوهج كعين زرقاء.
دفعها إلى يد سليم، وأغلق أصابعه عليها بقوة لم يتوقعها من رجل يحتضر.
قال ناصف:
لا تشرب من العين إلا مرة واحدة، ولا تنظر طويلًا إلى ما يظهر لك.
الماء هناك مصنوع من الذكريات التي تركها العابرون، وكل قطرة تطلب ذكرى بدلًا منها.
سأله سليم عن الطريق، فأشار الشيخ إلى الغرب، حيث ظهر خط أخضر واهن عند الأفق.
ستراها قبل الغروب، لكنها لن تسمح لك بالمغادرة كما دخلت.
مات ناصف قبل أن يشرح أكثر، وظلت عينه الوحيدة المفتوحة تحدق في السماء، كأنها رأت شيئًا قادمًا خلف سليم ولم تستطع تحذيره منه.
مدينة السراب المتحركة
سار سليم وحده، يجر قدميه فوق الرمل الذي صار ساخنًا كصفائح الحديد.
لم يبق معه سوى القارورة، وخريطته، وقليل من التمر اليابس الذي التصق بحلقه وزاد عطشه اشتعالًا.
عند الغروب، ظهرت أمامه مدينة كاملة.
ارتفعت قباب بيضاء بين أشجار نخيل كثيفة، وجرت قنوات ماء زرقاء تحت جسور من الرخام.
كانت رائحة الياسمين تصل إليه مع النسيم، واختلط بها بخار اللحم المشوي والخبز المدهون بالعسل.
وقف أطفال عند بوابة المدينة يلوحون له، ورأى أمه بينهم ترتدي ثوبها الأخضر القديم.
إلى جوارها وقف أبوه، الذي لم يستطع سليم قبل ساعات أن يتذكر اسمه.
ركض نحوهم باكيًا.
لكن المدينة ابتعدت كلما اقترب منها، وبقيت المسافة ثابتة، كأن الرمال تتمدد تحت قدميه.
ركض حتى تشققت أظافره ونزفت قدماه، ثم تعثر وسقط على وجهه.
عندما رفع رأسه، اختفت القباب والأشجار، ولم يبق سوى بئر حجرية منفردة في منخفض تحيط به أعمدة سوداء.
كانت عين الذاكرة تنتظره.
الحارس الذي لا يملك وجهًا
وقف عند حافة البئر رجل طويل ملفوف بعباءة رمادية، يحمل عصًا من عظم أبيض.
لم يكن لوجهه ملامح؛ مجرد جلد أملس يمتد من جبينه إلى ذقنه، بلا عينين أو أنف أو فم.
مع ذلك، سمع سليم صوته داخل رأسه:
تأخرت.
تراجع سليم، وأشهر خنجره.
من أنت؟
رفع الرجل عديم الوجه عصاه، فتكونت فوق الأرض صور من الضوء، قوافل قديمة، جنود، ملوك، أطفال، وعجائز وصلوا إلى البئر عبر قرون بعيدة.
رأى كل واحد منهم يشرب، ثم يسقط منه شيء مضيء يغوص في الماء.
أنا ما يبقى حين ينسى الحارس نفسه.
أشار الكائن إلى سطح البئر، فاهتز الماء وظهرت فيه آلاف الوجوه المتداخلة.
يمكنك أن تشرب وتعيش، لكن الصحراء لا تمنح ماءها مجانًا.
ستأخذ منك ذكرى تعادل حياتك.
قال سليم، وصوته أجش من العطش:
خذ أي شيء.
اقترب الحارس حتى صار وجهه الأملس على بعد شبر منه.
البشر يقولون ذلك قبل أن يعرفوا الثمن.
الماء المصنوع من الذكريات
انحنى سليم فوق البئر، فرأى أمه تناديه من عمق الماء، ثم رأى طفولته كلها تتفتح أمامه كحديقة مضاءة.
رأى نفسه يركض تحت المطر، ويختبئ بين أكياس القمح، ويسرق التين من سطح الجار.
كلما تغيرت الصورة، ارتفعت من الماء رائحة مرتبطة بها؛ رائحة الطين، وحليب الماعز، وحبر مدرسته الأولى.
لم تكن الذكريات مجرد صور، بل أبوابًا مفتوحة يمكنه أن يخطو عبرها ويعيش العمر مرة أخرى.
مد يده نحو الماء.
في اللحظة التي لامست أصابعه سطحه، شعر ببرودة تنتشر في عظامه، وسمع صوتًا يختار له:
ذكرى أمك الأخيرة.
انتفض وسحب يده.
كانت آخر ذكرى لأمه هي أثمن ما بقي لديه؛ جلست قرب نافذتها في ليلة مرضها الأخير، وأمسكت وجهه بين كفيها، ثم طلبت منه ألا يجعل الحزن بيتًا يعيش فيه.
بعد موتها، صار يعيد تلك الكلمات كلما ضاق به العالم.
قال سليم:
خذ ذكرى أخرى.
أجاب الماء بأصوات آلاف البشر:
النجاة لا تقبل البقايا.
الصفقة الأولى
فتح سليم قارورة ناصف وسكب قطرتها في البئر، فتحول الماء إلى نور أبيض، وظهر الشيخ الميت واقفًا وسطه.
لم يكن مصابًا، وكانت لحيته نظيفة وعيناه سليمتين.
قال طيف ناصف:
وضعت في القارورة آخر ذكرى لي باسمي، حتى لا تأخذ العين منك ما لا تختاره.
ارتجف سليم.
هل تستطيع مساعدتي؟
أشار ناصف إلى الخريطة في صدره.
الطريق خارج الصحراء مرسوم بحبر لا يظهر إلا لمن يشرب.
لكنك إن قدمت ذكرى واحدة، ستطالبك العين بالمزيد؛ لأن الذاكرة لا تنفصل عن نفسها بسهولة.
ثم انطفأ الطيف، وعاد الماء مظلمًا.
اختار سليم ذكرى صغيرة ظن أنه لن يفتقدها، صباحًا عاديًا من طفولته، حين جلس يراقب نملة تحمل حبة قمح.
أعلن اختياره، وشرب قبضة من الماء.
اندفعت البرودة إلى حلقه، فاختفى العطش للحظة، لكنه سمع صرخة طفل داخل رأسه.
حاول أن يتذكر النملة، أو الحبة، أو المكان، فلم يجد إلا فراغًا رماديًا.
ثم اشتعلت الخريطة بين يديه، وظهر عليها طريق ذهبي يمتد من البئر إلى الشمال.
ابتسم سليم.
لكن العطش عاد أقسى من قبل.
الصحراء التي كانت جائعة)
غادر البئر مسرعًا، يتبع الخط الذهبي في الخريطة، غير أن الطريق تغيّر مع حلول الليل.
تحركت الكثبان خلفه، وأغلقت المسار الذي قطعه، بينما راحت الأعمدة السوداء المحيطة بالعين تنحني في اتجاهه كأصابع طويلة.
بعد ساعة، بدأ يسمع خطوات ترافقه.
كان الحارس عديم الوجه يسير فوق قمم الكثبان من دون أن تغوص قدماه في الرمل.
كلما التفت سليم، توقف الحارس، وكلما أسرع، اقترب منه أكثر.
ظهر صوت داخل رأسه:
الماء الذي شربته لا يكفي لعبور الحدود.
أجاب سليم وهو يلهث:
اتفقنا على ذكرى واحدة.
أنت اتفقت مع عطشك، لا مع الصحراء.
انفتحت أمامه حفرة واسعة، فوجد قافلته الضائعة تحت الرمال.
لم تكن الأجساد ميتة؛ كان الرجال يتحركون ببطء، وعيونهم مفتوحة، وأفواههم تردد أسماء أشخاص لا يعرفهم سليم.
مد أحد التجار يده خارج الرمل وقال:
أعطني ذكرى واحدة، وسأخبرك أين خبأت الصحراء الماء.
أدرك سليم عندها أن كل من شرب من العين ولم يدفع الثمن كاملًا ظل عالقًا، نصف حي ونصف ذكرى، يغذي السراب بألمه إلى الأبد.
الوجه المسروق
اقترب الحارس حتى وقف أمامه، ثم رفع يده ووضعها فوق وجهه الأملس.
تحرك الجلد كصفحة ماء، وظهرت عليه ملامح ناصف.
ثم تحولت الملامح إلى وجه أبيه.
ثم إلى وجه أمه.
قال بصوتها:
أعطني ذكراها الأخيرة، وسأدعك تعبر.
تراجع سليم، وسقطت الخريطة من يده.
أنت لست هي.
ابتسم وجه أمه.
لكنني أملك كل ما تتذكره عنها؛ صوتها، رائحتها، دفء يدها، وحتى الكلمات التي قالتها قبل موتها.
ما الفرق بيني وبينها، إن كانت هي لا تعيش إلا فيك؟
لم يستطع الإجابة.
كان السؤال أشد قسوة من العطش، لأن جزءًا منه خاف أن تكون أمه قد صارت فعلًا مجرد ترتيب هش من الصور والأصوات، وأن ضياع ذكراها يعني موتها مرة ثانية، موتًا لا قبر له ولا شاهد.
الاختيار الذي لا رجعة فيه
مع اقتراب الفجر، بدأ جسد سليم ينهار.
صار لسانه قطعة جلد قاسية، وتشققت رؤيته، وأخذت النجوم تنطفئ واحدة تلو الأخرى.
لم يعد الطريق الذهبي ظاهرًا على الخريطة، بل ظهرت جملة واحدة:
لن يعبر من يحمل نفسه كاملة.
فهم عندها أن العين لم تكن تريد ذكرى محددة، بل كانت تختبر ما إذا كان قادرًا على التخلي عن الجزء الذي يربطه بالماضي.
لم تكن الصحراء تقتل العابرين بالعطش وحده، بل تجعلهم يتشبثون بما كانوا حتى يعجزوا عن الوصول إلى ما يمكن أن يصيروا إليه.
عاد إلى البئر.
كان الحارس ينتظره عند الحافة، بوجه أمه.
قال سليم:
سأعطيك ذكرى رحيلها.
تموج الماء بفرح خافت، كأن البئر تنفست بعد صبر طويل.
لكنه تابع:
وسأعطيك معها كل ذكرياتي.
تراجع الحارس خطوة.
لأول مرة، اضطربت ملامحه.
لن يبقى منك شيء.
أجاب سليم:
سيبقى من يختار.
الكأس الأخيرة
غمس يديه في الماء وشرب.
انفجر العالم داخل رأسه.
رأى أمه تبتسم، ثم ذابت ملامحها في الضوء.
رأى أباه يرفعه فوق كتفيه، ثم اختفى اسمه ووجهه.
تهاوت قريته، ومدرسته، وأصدقاؤه، والطرق التي سار فيها، والمرأة التي أحبها يومًا ولم يخبرها.
حاولت كل ذكرى أن تتشبث به قبل رحيلها، فسمع ضحكات وبكاءً ووعودًا قديمة تتكسر في داخله.
شعر كأن مدينة كاملة تُقتلع من روحه، بيتًا بعد بيت، وشارعًا بعد شارع.
صرخ، لكن صرخته خرجت بلا اسم.
تحول ماء البئر إلى دوامة مضيئة، وارتفعت منه آلاف الصور التي ابتلعتها العين عبر القرون.
اندفعت الذكريات في السماء كأسراب طيور من نور، وانتشرت فوق الصحراء، بينما أخذت الكثبان ترتج وتتشقق.
سقط الحارس على ركبتيه.
تكسّر وجهه المسروق، وظهرت تحته وجوه كثيرة تتبدل بسرعة، ثم لم يبق إلا وجه رجل عجوز مذعور.
بكى وقال:
كنت أول من شرب، ونسيت لماذا أردت النجاة.
انهارت الأعمدة السوداء، وانفجر الماء من البئر نهرًا عريضًا.
جرى فوق الرمال، وحيث مر نبت العشب وارتفعت زهور زرقاء صغيرة، كأن الصحراء كانت أرضًا خصبة تنتظر أن تتذكر نفسها.
أما سليم، ففقد الوعي على ضفة النهر الجديد.
الرجل الذي خرج بلا ماضٍ
استيقظ سليم عند شروق الشمس، وكانت الطيور تحلق فوقه.
لم يعرف اسمه، ولا المكان الذي جاء منه، ولا سبب وجود خريطة فارغة قرب يده.
لم يتذكر وجهًا واحدًا، ولم يشعر بالحزن، لأن الحزن يحتاج إلى باب يعرف صاحبه ما الذي كان خلفه.
جلس، وشرب من النهر، فلم يرَ صورًا في الماء.
كان ماءً عاديًا باردًا، له طعم الحجارة والمطر.
اقتربت منه فتاة صغيرة من جماعة بدوية وصلت إلى المكان بعد أن رأت الخضرة من بعيد.
حملت وعاءً من الجلد، وحدقت فيه بحذر.
سألته:
من أنت؟
نظر إلى الشمس، وإلى النباتات التي تشق الرمل، وإلى الطريق المفتوح نحو الشمال.
بحث في داخله عن جواب، فلم يجد اسمًا، لكنه وجد إحساسًا خافتًا لا يعرف مصدره؛ دفء يد فوق وجهه، وصوتًا بعيدًا يقول له ألا يجعل الحزن بيتًا.
ابتسم للفتاة.
أنا عابر.
ناولته قطعة خبز، فسار مع جماعتها بعيدًا عن البئر.
وخلفهم، كانت الصحراء تشرب النهر الحقيقي للمرة الأولى، لا لتسرق منه شيئًا، بل لتستعيد ما فقدته.
وعند حافة الأفق، ظهر سراب أخير على هيئة امرأة تلوح بمنديل أبيض.
توقف العابر لحظة، وشعر بدمعة تنزل على خده من دون أن يعرف سببها.
رفع يده مودعًا، ثم تابع السير ولم يلتفت.
ربما لا تسكن هويتنا في الأسماء والصور التي نخزنها، بل في الاختيارات التي نبقى قادرين على اتخاذها حين تسقط عنا حكاياتنا القديمة.
فالإنسان قد ينسى الطريق الذي جاء منه، لكنه لا يفقد بالضرورة القدرة على أن يختار اتجاهه القادم.
وكان سليم، الذي خرج من الصحراء بلا ماضٍ، أكثر امتلاءً ممن دخلوها محملين بذكرياتهم؛ لأنه ترك خلفه ما كان يخشى فقدانه، فحرر ماءً ظل حبيسًا قرونًا، وفتح دربًا لآخرين لن يعرفوا اسمه أبدًا، لكنهم سيعبرون بفضله, حكاية الخبز الدافئ قصة رغيف صغير أنقذ طفلاً وصنع طبيباً غيّر حياة الآلاف من هنا.
