قصة الخبز الدافئ ورغيف أنقذ حياة طفل

الراوي
0

المخبز الذي لا ينام مبكرا، في الليلة التي تسلل فيها الصقيع إلى شوارع المدينة كحيوان جائع، وأغلق الناس نوافذهم قبل أن تبلغ الريح أسرتهم، ظل ضوء أصفر وحيد يتوهج خلف زجاج مخبز صغير عند منعطف الحي القديم، بينما كان الحاج نعيم يخرج آخر دفعة من الخبز، من دون أن يدري أن رغيفا واحدا سيعبر تلك الليلة مسافة أبعد مما عبرته جميع القطارات.

كان البخار يتصاعد من الأرغفة في خيوط شفافة ويلتصق بزجاج الواجهة البارد، حتى بدت المدينة في الخارج كصورة باهتة وراء ستار من الضباب، غير أن عيني الخباز التقطتا عند الرصيف المقابل ظلا صغيرا ساكنا، ويدا نحيلة تمتد من تحت بطانية ممزقة ثم تختفي سريعا.

لم يكن الحاج نعيم يعرف اسم الطفل، ولا من أين جاءت أمه، ولم يسأل نفسه لماذا توقفت يداه فجأة عن العمل، لكنه شعر بأن رائحة الخبز لم تعد مجرد رائحة طحين وخميرة، بل أصبحت نداء خافتا يدعوه إلى فتح الباب.

كان مخبز نعيم ضيقا إلى حد أن رجلين لا يستطيعان المرور بين أكياس الدقيق من دون أن تتلامس كتفاهما، ومع ذلك كان أهل الحي يرونه واحدا من أوسع الأماكن، لأن رائحة الخبز الطازج كانت تتسلل منه كل صباح، فتملأ الأزقة بالحياة وتوقظ في القلوب ذكريات البيوت القديمة.

ورث نعيم المخبز عن أبيه، وورث معه فرنا حجريا تشققت حوافه، وميزانا نحاسيا يميل دائما إلى اليمين، وحكمة لم تغب عن ذاكرته، فقد كان والده يقول كلما خرج من الفرن رغيف غير متناسق إن الخبز لا يقاس بشكله، بل بالجوع الذي يطفئه.

لم يكن نعيم ثريا، بل كان يحصي نقوده قبل شراء الحطب، ويؤجل إصلاح السقف شتاء بعد آخر، ويسجل ديون الزبائن في دفتر أزرق امتلأت صفحاته بأسماء أشخاص يعرف في قرارة نفسه أنه لن يطالبهم يوما بالسداد، ومع ذلك كان يضع في نهاية كل يوم ثلاثة أرغفة على رف منفصل.

أطلق أهل الحي على ذلك المكان اسم رف الغائبين، لأن نعيم لم يكن يبيع أرغفته الثلاثة، ولم يكن يشرح لأحد لمن أعدها، بل كان ينتظر حتى تهدأ الحركة ثم يضعها في كيس ورقي، فيتركها تارة عند باب أرملة، ويسلمها تارة لعامل فقد أجره، أو يضعها بجوار نافذة منزل لا يتصاعد منه دخان.

قصة الخبز الدافئ ورغيف أنقذ حياة طفل


ظل تحت المطر

في تلك الليلة، كان المطر يضرب المظلات المعدنية للمحال المغلقة بقسوة، وتتجمع المياه على حواف الطريق قبل أن تندفع إلى المجاري حاملة معها الطين والأوراق السوداء، بينما بقي ذلك الظل الصغير ملتفا تحت شرفة متجر مهجور.

اقترب نعيم من النافذة ومسح بإصبعه دائرة صغيرة وسط البخار المتكاثف، فرأى امرأة تجلس على الأرض مسندة ظهرها إلى الحائط، وتضم إلى صدرها طفلا في التاسعة أو العاشرة من عمره، وإلى جوارها فتاة أصغر تلف قدميها بقطعة قماش مبللة.

فتح باب المخبز، فاندفعت الريح الباردة إلى الداخل وارتجفت ألسنة النار في الفرن، ثم ناداهم بصوت حاول أن يجعله عاديا حتى لا يجرح كرامتهم، وقال إن الخبز يكاد يحترق وإنه يحتاج إلى من ينقذه من الخسارة.

رفعت المرأة رأسها وظلت تنظر إليه لحظات، كأنها تبحث في ملامحه عن فخ خفي، ثم جذبت الصبي نحوها وقالت بصوت خافت إنها لا تملك مالا.

أشار نعيم إلى الأرغفة المصطفة فوق اللوح الخشبي، وأخبرها أنه لم يقل إنه سيبيعها لهم، وإنما يخشى عليها من الاحتراق، وأن تلك مشكلة لا تستطيع حلها إلا أفواه شجاعة.

ترددت المرأة، غير أن الفتاة الصغيرة كانت أول من نهض، ومشت نحو الباب بخطوات حذرة، وما إن عبرت إلى هواء المخبز الدافئ حتى شهقت بدهشة، كأنها انتقلت في لحظة واحدة إلى فصل آخر من فصول السنة.

وجوه أرهقها الطريق

جلس الثلاثة بالقرب من الفرن، وبدأ الجليد والماء العالقان بثيابهم يتساقطان قطرات صغيرة تركت بقعا داكنة على الأرض، بينما وضع نعيم أمامهم طبقا من الجبن والزيتون، ثم أشاح بوجهه وانشغل بترتيب الصواني ليمنحهم حرية الطعام بعيدا عن عين تراقب جوعهم.

كانت المرأة تقسم الرغيف قطعا صغيرة وتوزعها على طفليها من دون أن تأكل شيئا، وكلما حاولت الفتاة أن تضع قطعة في يدها أعادتها إليها مبتسمة، إلا أن ابتسامتها كانت واهنة إلى حد أنها بدت كجرح يحاول التنكر في هيئة فرح.

أما الصبي، فكان يأكل ببطء شديد، ليس لأن جوعه أقل من جوع أخته، وإنما لأن يديه كانتا ترتجفان، وكان وجهه شاحبا تحت خصلات شعره المبللة، وعيناه غائرتين تحيط بهما زرقة لم يستطع دفء الفرن محوها.

اقترب نعيم منه وسأله عن اسمه، ففتح الصبي فمه ليجيب، لكن نوبة سعال سبقته، وانحنى جسده النحيل فوق الطاولة وخرج من صدره صوت خشن، وحين أبعد يده عن شفتيه ظهرت على أصابعه نقطة دم صغيرة.

السر الذي أخفته الأم

اندفعت المرأة إلى الصبي ومسحت يده بطرف ثوبها، ثم أخفت الجزء الملوث بسرعة في جيبها، لكن نعيم كان قد لمح الدم، ورأى كذلك الخوف القديم المرتسم على وجهها، خوف من عرف الحقيقة منذ مدة طويلة ولم يمتلك ثمن مواجهتها.

سألها نعيم بهدوء عن مدة مرض ابنها، فخفضت عينيها وقالت إنه مريض منذ أسابيع، وربما منذ أشهر، وإن السعال كان يأتيه ليلا ثم صار التعب يلاحقه في النهار أيضا، وقد أخذته إلى مستوصف بعيد، لكن الفحوص والأدوية التي طلبوها كانت أغلى مما تستطيع دفعه.

سكتت قليلا ثم مررت يدها على شعر الصبي، وأخبرت نعيم  أن والده مات في موقع بناء، وأن ديون الإيجار تراكمت بعد وفاته، حتى طردهم صاحب الغرفة، ومنذ ذلك الحين وهم ينتقلون من مكان إلى آخر بحثا عن مأوى.

لم يسأل نعيم عن الأقارب والجيران، فقد كان يعرف أن بعض البشر يجدون أنفسهم وحيدين فجأة، لا لأن العالم خلا من الناس، وإنما لأن أبوابه كلها قد تغلق في وجوههم في اللحظة نفسها.

مد يده إلى معطفه المعلق بالقرب من الفرن وأخرج مفتاحا صغيرا، ثم أخبر المرأة أن خلف المخبز غرفة قديمة كان يستخدمها لتخزين الدقيق، وأنها ليست بيتا جميلا، لكنها جافة وبها نافذة وسرير قديم، ويمكنهم النوم فيها تلك الليلة.

رفعت المرأة رأسها بدهشة وقالت إنها لا تريد أن تكون عبئا عليه، فابتسم نعيم وهو يتجه إلى الباب الخلفي، وأخبرها أن العبء الحقيقي هو أن يعرف أن طفلا مريضا ينام تحت المطر، ثم يضع رأسه على وسادته ويتصرف كأنه لم ير شيئا.

رغيف كل صباح

لم تقتصر إقامة العائلة في الغرفة الخلفية على ليلة واحدة كما توقع نعيم، فقد طال البرد واشتد مرض الصبي، وأصبحت الأم تخرج في الصباح باحثة عن عمل في تنظيف البيوت، بينما تظل الفتاة مع أخيها وتجلس عند باب المخبز تراقب حركة العجين بين يدي الخباز.

عرف نعيم أن الأم تدعى زينب، وأن ابنتها اسمها ليلى، وأن الصبي هو يوسف، لكنه لم يعرف الكثير عن حياتهم السابقة، لأن زينب كانت تتحدث عن الماضي كما يتحدث شخص عن منزل احترق، بعبارات مقتضبة وعيون تخشى العودة إلى الدخان.

كان يوسف يستيقظ على صوت عجن الطحين، فيخرج من الغرفة ملتفا ببطانية بنية ويجلس بالقرب من الفرن، ويراقب نعيم وهو يغرس كفيه في العجين ويقسم الكتل البيضاء ثم يضعها في النار، لتخرج بعد قليل ذهبية منتفخة كأن كل رغيف يحمل شمسا صغيرة في داخله.

سأل يوسف ذات صباح عن سبب انتفاخ الخبز داخل الفرن، فأخبره نعيم أن الهواء المحبوس في داخله يحاول أن يجد لنفسه مكانا.

نظر يوسف إلى صدره النحيل وقال إنه يشعر هو الآخر بأن شيئا محبوسا في صدره ولا يستطيع أن يجد مكانا، فتوقفت يد نعيم فوق العجين وشعر بوخزة باردة تحت أضلاعه، ثم ناوله رغيفا صغيرا وأخبره أنهما سيجدان لذلك الشيء مكانا، لكن عليه أن يأكل أولا.

الطبيب ذو المعطف الرمادي

كان في آخر الحي طبيب مسن يدعى الدكتور حليم، أغلق عيادته بعد وفاة زوجته، لكنه ظل يستقبل الحالات الطارئة في منزله، فذهب إليه نعيم حاملا يوسف بين ذراعيه، بينما سارت زينب بجواره تضم معطفها المهترئ إلى جسدها.

فحص الطبيب صدر الطفل طويلا وطرق بأصابعه فوق ضلوعه، ثم طلب منه أن يتنفس بعمق، لكن يوسف عجز عن إكمال النفس وانفجر في نوبة سعال عنيفة ازرق معها وجهه للحظات.

خرج الدكتور حليم من الغرفة وأغلق الباب خلفه، ثم أخبر نعيم  وزينب أن الطفل يعاني التهابا شديدا في الرئتين، وأن سوء التغذية أضعف جسده إلى درجة جعلته عاجزا عن المقاومة، وحذر من أن تأخير العلاج بضعة أيام إضافية قد يجعل إنقاذه مستحيلا.

وضعت زينب يدها على فمها وهي تحاول كتم شهقتها، بينما سأل نعيم عن تكلفة العلاج، وحين ذكر الطبيب المبلغ، شعر الخباز بأن الرقم أكبر من جدران مخبزه وأثقل من كل أكياس الدقيق التي حملها طوال عمره.

عاد نعيم في المساء ووقف وحيدا وسط المخبز يتأمل المكان الذي ورثه عن والده، حتى توقفت عيناه عند ساعة فضية قديمة محفوظة في صندوق زجاجي، وكانت آخر ما بقي لديه من مقتنيات أبيه الراحل.

ثمن لا يكتب في الدفاتر

أخرج نعيم الساعة ومسح عنها طبقة رقيقة من الدقيق، ثم قلبها بين يديه وتأمل الخدش الصغير الذي أحدثه فيها حين كان طفلا بعدما أسقطها من فوق الطاولة، وتذكر كيف ضحك والده بدلا من أن يعاقبه، وقال له يومها إن الأشياء يمكن تعويضها، أما القلوب المكسورة فلا.

في صباح اليوم التالي فتح نعيم المخبز متأخرا، ولم تعد الساعة داخل الصندوق، بينما ظهر فوق الطاولة كيس من الأدوية وإلى جواره زجاجات شراب وأقراص وفيتامينات، وعلى المقعد جلس يوسف بعينيه المتعبتين، من دون أن يعرف ما الشيء الذي اختفى حتى تظل عيناه مفتوحتين.

استمر العلاج أسابيع، وكان نعيم يقدم ليوسف حساء العدس في المساء، ويعطيه كل صباح رغيفا صغيرا مدهونا بالعسل، ويراقب اللون يعود تدريجيا إلى وجنتيه، فيما كان صوت السعال يتراجع ليلة بعد أخرى.

كان يوسف يضع أذنه أحيانا على صدره ثم يبتسم، كأنه يستمع إلى آلة توقفت طويلا وبدأت تعمل من جديد، حتى جاء يوم استطاع فيه الركض من باب المخبز إلى أول الزقاق من دون أن يتوقف لالتقاط أنفاسه.

عاد الصبي وقد احمر وجهه من البرد والفرح، ولوح بذراعيه وهو يخبر نعيم بأن صدره أصبح واسعا مثل الفرن، فضحك الخباز حتى دمعت عيناه، ثم ناوله رغيفا ساخنا ونصحه بألا يملأ صدره بالدخان والحزن، وإنما بالعلم، لأن العقل أيضا يحتاج إلى خبز.

وعد فوق كيس الدقيق

في الليلة الأخيرة قبل رحيل العائلة، جلست زينب أمام نعيم وأخبرته بأنها وجدت عملا دائما في مصنع خارج المدينة، وأن المصنع يوفر مسكنا بسيطا للعاملات وأطفالهن، ولذلك ستغادر مع طفليها عند الفجر قبل اشتداد المطر.

لم يعترض نعيم، لكنه أحس بأن المخبز سيصبح أكثر فراغا بعد رحيلهم، فقد اعتاد ضحكات ليلى بالقرب من الباب، وأسئلة يوسف التي لا تنتهي، وصوت زينب وهي تكنس الأرض بعد إغلاق المحل رغم محاولاته المتكررة لمنعها.

دخل يوسف حاملا كراسة مدرسية قديمة وجدها بين الصناديق، ووضعها فوق أحد أكياس الدقيق، ثم أعلن أنه سيصبح طبيبا مثل الدكتور حليم، وسيعالج الأطفال الذين لا يملكون ثمن العلاج.

ربت نعيم على كتفه وطلب منه ألا يقول ذلك لمجرد إسعاده، لأن الوعد أثقل من أن يقال باستخفاف، فنظر يوسف إليه طويلا، ثم وضع كفه الصغيرة فوق الرغيف الدافئ بينهما، ووعده بأنه لن ينسى الرغيف الذي أعاده إلى التنفس.

عند الفجر غادرت العائلة، واختفت العربة التي تقلهم شيئا فشيئا وسط الضباب، وظل نعيم واقفا أمام المخبز يلوح بيده حتى لم يعد يرى سوى الطريق الرمادي، ثم عاد إلى الداخل ووضع ثلاثة أرغفة جديدة على رف الغائبين.

أعوام عبرت كالدقيق في الهواء

مرت السنوات، وشاخت واجهات المحال وتغيرت أسماء الشوارع، وهدمت بيوت وشيدت أخرى مكانها، بينما ظل مخبز نعيم يقاوم الزمن بفرنه العتيق ورائحته التي يستطيع أبناء الحي معرفتها حتى بعد سنوات طويلة من الغياب.

شابت لحية نعيم وانحنى ظهره قليلا من حمل أكياس الدقيق، وأصبح يحتاج إلى وقت أطول حتى يشعل الفرن، لكنه لم يتخل عن رف الغائبين، بل صار يزيد عدد الأرغفة الموجودة عليه كلما استطاع.

كانت تصل إليه في بعض الأعوام بطاقة بريدية تحمل كلمات قليلة تخبره بأن يوسف بخير وأنه يدرس، ثم وصلته بعد سنوات بطاقة أخرى تخبره بأن الصبي دخل كلية الطب، قبل أن تنقطع الرسائل فجأة، فلم يعرف نعيم إن كان يوسف قد أكمل طريقه أم أن الحياة دفعته إلى طريق آخر.

احتفظ نعيم بكل البطاقات في الصندوق الزجاجي الذي كانت تستقر فيه ساعة والده، وكان يفتحه أحيانا في الليالي الهادئة، ويمرر أصابعه فوق الحروف، ثم يعيد إغلاقه قبل أن يسمح لنفسه بانتظار رسالة أخرى.

الرجل الذي عاد في سيارة سوداء

في صباح شتوي، وبعد ما يقرب من خمسة وعشرين عاما، توقفت سيارة سوداء لامعة أمام المخبز، ونزل منها رجل طويل يرتدي معطفا داكنا، وتبعه شاب يحمل حقيبة جلدية، فيما تجمع بعض أطفال الحي على الرصيف وهم يتأملون السيارة بدهشة.

دخل الرجل إلى المخبز ووقف لحظات يستنشق رائحته، ثم أغلق عينيه كأن عبق الخبز أمسك بيده وأعاده إلى زمن بعيد، بينما رفع نعيم  رأسه من خلف الطاولة وظل يتأمل الزائر من دون أن يتعرف إليه.

سأل الرجل نعيم إن كان لا يزال يضع الأرغفة فوق رف الغائبين، فتجمدت يد الخباز فوق الميزان، وأمعن النظر في عيني الرجل حتى أبصر خلف ملامحه الناضجة والصحة التي تملأ وجهه ذلك الصبي الشاحب الذي كان يلف جسده ببطانية بنية ويجلس قرب الفرن.

نطق نعيم اسم يوسف كأنه لا يصدق ما تراه عيناه، فابتسم الرجل وارتجفت شفتاه، ثم تقدم وقبل يد الخباز وأخبره بأنه أصبح الدكتور يوسف زين الدين، استشاري جراحة قلب الأطفال، لكنه أمام نعيم لا يزال ذلك الطفل الذي منحه رغيفا عندما لم يجد من العالم سوى الأبواب المغلقة.

المفاجأة التي حملها الطبيب

جلس يوسف بجوار الفرن في المكان نفسه الذي اعتاد الجلوس فيه صغيرا، وأخرج من حقيبته صورة قديمة له وهو يرتدي معطف التخرج، ثم وضع إلى جوارها قصاصة من صحيفة تتحدث عن عملية نادرة أجراها لطفل ولد بتشوه خطير في القلب.

أخبر نعيم بأنه عالج خلال السنوات الماضية آلاف الأطفال، وأن كثيرا من أسرهم لم تكن قادرة على تحمل نفقات الدواء، ولذلك أنشأ في المستشفى صندوقا يحمل اسم رجل لم يدرس الطب يوما، لكنه علمه أول درس حقيقي في إنقاذ الأرواح.

رفع نعيم قصاصة الصحيفة بيد مرتجفة، فوجد في أسفل الصفحة اسم صندوق الخبز الدافئ لعلاج الأطفال غير القادرين، وأخذت الكلمات تتداخل أمام عينيه خلف غشاوة من الدموع.

شرح يوسف أن كل طفل يعالج مجانا يحصل عند خروجه من المستشفى على رغيف ساخن، وأن بعض زملائه قد يستغربون الفكرة، لكنه تعلم أن الدواء وحده لا يكون كافيا دائما، فالجسد يحتاج إلى العلاج، أما الروح فتحتاج إلى دليل يؤكد أن العالم لم يتخل عنها.

عجز نعيم عن الكلام، فاكتفى بوضع كفه فوق الطاولة، فوضع يوسف يده عليها كما فعل عندما كان صغيرا، وظل الاثنان صامتين فيما كان الفرن يرسل طقطقة هادئة تشبه تصفيقا يأتي من مكان بعيد.

طلب لم يكن في الحسبان

بعد لحظات أخبر يوسف الخباز بأنه لم يأت ليشكره فحسب، بل لأنه أصبح يحتاج إليه كما احتاج يوسف إليه ذات يوم، ثم أشار إلى يد نعيم المرتجفة والشحوب الذي يغطي وجهه، وأخبره بأنه لاحظ ضيق أنفاسه منذ دخوله ورتب له فحصا عاجلا في المستشفى.

هز نعيم رأسه رافضا، وقال إن المخبز لا يستطيع أن يغلق أبوابه، فابتسم يوسف وأشار إلى الشاب الذي دخل معه، وأخبره بأن اسمه حليم وأنه ابنه، وأن الشاب أصر على تعلم صناعة الخبز على يدي نعيم  طوال مدة علاجه، بعدما سمع من والده أن أشهر غرفة عمليات في العالم لا تساوي شيئا إذا نسي الطبيب كيف يمد يده إلى إنسان جائع.

نظر نعيم إلى حليم، فرأى في عينيه اللمعة نفسها التي عرفها في عيني يوسف الصغير عندما كان يسأله عن سر انتفاخ العجين، وشعر بأن دائرة كاملة أغلقت حول قلبه برفق، لا كقيد يضيقه، بل كذراع تحميه من السقوط.

الفرن الذي اشتعل من جديد

دخل نعيم المستشفى في اليوم التالي، وأظهرت الفحوص أن أحد شرايين قلبه كان يضيق بصمت منذ أعوام، وأن تأخره بضعة أشهر إضافية كان قد يجعله يسقط ذات صباح أمام الفرن من دون أن يجد من ينقذه.

أشرف يوسف بنفسه على علاج نعيم وظل بالقرب منه حتى تجاوز مرحلة الخطر، وحين فتح الخباز عينيه بعد العملية وجد فوق الطاولة رغيفا صغيرا ملفوفا بقطعة من القماش، وتحته ورقة كتب فيها يوسف أن الدين القديم لا يسدد، بل ينتقل من يد إلى يد.

بعد أسابيع عاد نعيم إلى الحي، فوجد واجهة المخبز مطلية من جديد، والسقف الذي ظل يؤجل إصلاحه لسنوات قد أصلح، والفرن الحجري العتيق يشتعل بنار هادئة، بينما كان حليم يعجن الطحين أمام أطفال تجمعوا حوله يراقبونه.

أما الرف القديم، فقد أصبح أكبر، وعلقت فوقه لافتة خشبية تدعو كل إنسان إلى أن يأخذ ما يحتاج إليه ويترك لغيره ما يستطيع تقديمه، واصطفت فوقه الأرغفة الساخنة من دون أن يسأل أحد عمن دفع ثمنها أو عمن سيأخذها.

وقف يوسف عند باب المخبز إلى جوار نعيم ، وشاهدا رجلا فقيرا يمد يده بتردد نحو رغيف ثم يضمه إلى صدره ويمضي، فسأل الطبيب نعيم إن كان يعرف في تلك الليلة البعيدة أنه سينقذ حياته.

هز نعيم رأسه، وقال إنه لم يكن يعرف سوى أن يوسف كان جائعا، ففتح باب الفرن واندفع منه دفء كثيف ملأ المخبز، وابتسم يوسف وهو يجيب بأن ذلك وحده كان كافيا.

الدفء الذي لا ينتهي

بعض الأفعال لا تحدث ضجيجا حين تولد، فهي قد تبدأ برغيف يوضع في يد مرتجفة، أو باب يفتح في ليلة شديدة البرد، أو مقعد صغير بجوار نار لا يملك صاحبها إلا القليل، ثم تمضي خفية عبر الزمن وتتسع دوائرها حتى تعود يوما في صورة حياة كاملة.

لم يكن الحاج نعيم بطلا تتحدث عنه الصحف، ولم يحمل شهادة في الطب، لكنه أدرك أن إنقاذ الإنسان لا يبدأ دائما بمشرط أو دواء، فقد يبدأ بالقدرة على رؤية الجوع الذي يتجاهله الآخرون، وبالشجاعة التي تدفع الإنسان إلى العطاء قبل أن يسأل عما سيحصل عليه في المقابل.

فالخبز الذي يؤكل ينتهي، أما الدفء الذي يوضع في قلب إنسان، فقد يظل حيا سنوات طويلة حتى يجد قلبا آخر يحتاج إليه.

التصنيفات:

إرسال تعليق

0 تعليقات
يُرجى عدم نشر تعليقات لا تحترم الشروط هنا, جميع التعليقات تخضع للمراجعة.
إرسال تعليق (0)

المحتوى

+

إقرأ أيضاً

يستخدم موقع Dseel.com ملفات تعريف الارتباط (Cookies) لضمان حصولك على أفضل تجربة إستخدام وتخصيص المحتوى المفضل للزوار, باستمرارك في تصفح الموقع، فإنك توافق على استخدامنا لها لمعرفة المزيد.