الميراث الغامض، في المدن التي يمكن فيها بيع كل شيء وشراؤه، يظل الوقت آخر ما يظن الناس أنه قابل للمساومة، لكن تحت الأرصفة التي تطؤها الأقدام كل صباح، كانت تختبئ مكتبة لا تحمل رفوفها روايات أو دواوين، بل أعمارا بشرية كاملة، مصفوفة بعناية كما تصف الجواهر الثمينة في خزائن الملوك.
لم يكن أحد يصل إلى تلك المكتبة بمحض المصادفة، ولم يكن البحث عنها كافيا للعثور عليها، فهي التي كانت تختار زوارها وتقرر بنفسها من يستحق أن يفتح بابها ويعرف سرها.
حين مات جد فهد، لم يترك له ذهبا ولا أرضا ولا حسابا مصرفيا، بل ترك ساعة نحاسية عتيقة توقفت عقاربها عند الثانية عشرة منذ زمن بعيد لا يعرف أحد بدايته، رآها أفراد الأسرة تذكارا قديما بلا قيمة، ولم يدركوا أن داخلها يكمن المفتاح الوحيد المؤدي إلى مكان لم يكن ينبغي للبشر أن يعرفوا بوجوده.
الساعة التي لم تكن تقيس الزمن
وقف فهد في غرفته الضيقة يتأمل الساعة التي ورثها، بينما كانت الأمطار تضرب زجاج النافذة بإيقاع متلاحق يشبه دقات قلب مضطرب، ظلت العقارب ساكنة في موضعها، غير أن سطح الساعة المعدني كان دافئا على نحو يثير الحيرة، وكأن الزمن قد توقف في داخلها دون أن يموت.
أدار فهد المفتاح الصغير المثبت في جانب الساعة، فانبعث منها صوت خافت بدا كهمس آلاف الصفحات وهي تقلب في اللحظة نفسها، وفي اللحظة التالية، شعر باهتزاز رقيق يسري في الأرض تحت قدميه.
انفرجت ألواح الخشب القديمة في أرضية المنزل ببطء، وظهر تحتها درج حجري يهبط إلى ظلام بارد، تدفقت منه رائحة الورق المعتق والحبر القديم، حتى خيل إلى فهد أنها رائحة ذاكرة البشرية كلها وقد احتجزت في قبو واحد.
الباب الذي لا يظهر إلا لمن اختير
بدأ فهد يهبط الدرج، وكلما نزل درجة خفتت أصوات العالم خلفه، تلاشى صوت المطر وضجيج المدينة تدريجيا، حتى لم يعد يسمع شيئا سوى وقع خطواته المترددة وصوت أنفاسه.
عند نهاية السلم، وجد بابا هائلا مصنوعا من خشب أسود، لم يكن في الباب مقبض أو قفل يمكن فتحه، لكن الساعة التي يحملها بدأت فجأة تدق للمرة الأولى منذ عقود.
وما إن سمع دقاتها حتى انفتح الباب من تلقاء نفسه، ليكشف عن عالم لم يكن فهد قادرا على تصوره.
الكتب التي تنبض بالحياة
امتدت أمام فهد مكتبة هائلة بدت بلا نهاية، وكانت رفوفها تتوغل في المسافات البعيدة حتى تتلاشى وسط ضباب ذهبي، وبين تلك الرفوف، تحركت السلالم من مكان إلى آخر دون أن يلمسها أحد، كأنها مخلوقات حية تبحث عن قارئها التالي.
اقترب فهد من الكتب، فلاحظ أنها لا تحمل أسماء مؤلفين أو عناوين مألوفة، بل أسماء بشر عاديين من مهن وأعمار مختلفة، كان بينها نجار وطبيبة وبحار وشاعر وطفل وعجوز وعالم فيزياء.
مد يده نحو أحد الأغلفة ومرر أصابعه فوقه، فشعر بنبض خافت تحت كفه، كما لو أنه وضع يده فوق صدر إنسان حي، سحب يده بدهشة، وفي تلك اللحظة اقترب منه رجل طويل يرتدي معطفا رماديا، وتتدلى من جيبه سلسلة من المفاتيح الفضية.
كانت عينا الرجل ساكنتين على نحو يبعث على القلق أكثر مما قد يفعله الغضب، ثم نظر إلى فهد وقال بصوت هادئ إنه أمين المكتبة، ورحب به في المكان الذي اختار أن يكشف له أبوابه.
قوانين المكتبة الخفية
أشار أمين المكتبة إلى الرفوف الممتدة وقال إن كل كتاب موجود هناك يمثل حياة كاملة لإنسان، وإن من يفتح كتابا لن يقرأ سيرة صاحبه كما يقرأ الكتب المعتادة، بل سيعيش تلك الحياة بنفسه.
ابتسم فهد في عدم تصديق، فبادله أمين المكتبة ابتسامة غامضة قبل أن يخبره بأن المعرفة في ذلك المكان لا تمنح مجانا، وأن لكل لحظة يقضيها القارئ بين صفحات تلك الكتب ثمنا حقيقيا.
أوضح له أن كل ساعة يعيشها داخل كتاب تقتطع من العمر الحقيقي لصاحب ذلك الكتاب، عندها ساد صمت ثقيل في أرجاء المكتبة، حتى خيل إلى فهد أنه يستطيع سماع ذرة غبار وهي تهبط فوق أحد الأغلفة القديمة.
عبقرية تختصر سنوات في دقائق
رغم التحذير، تغلب الفضول والطموح على فهد، فاختار كتاب عالم رياضيات شهير، وما إن فتح الصفحة الأولى حتى اختفت المكتبة والرفوف والضباب الذهبي من حوله، ووجد نفسه داخل مختبر تعج جدرانه بالمعادلات والأفكار.
عاش فهد سنوات كاملة من حياة ذلك العالم، اختبر البحث الطويل والفشل المتكرر والاكتشاف، وشعر بليالي السهر ولحظات الإلهام والانكسارات التي سبقت كل إنجاز، وكأن تلك السنوات كانت جزءا حقيقيا من حياته.
ثم أغلق الكتاب، فعادت المكتبة إلى الظهور من حوله، لم تكن قد مرت في عالمها سوى خمس دقائق، لكن رأسه امتلأ بآلاف الأفكار والمعارف التي اندفعت في ذهنه كما تتدفق الأنهار بعد ذوبان الجليد.
لم يستطع فهد مقاومة الإغراء، فعاد إلى المكتبة مرارا، قرأ حياة طبيب عبقري، ثم فيلسوف، ثم مهندس، ثم موسيقي، وكان كل كتاب يفتح في عقله عالما جديدا لم يعرفه من قبل.
بمرور الوقت، أصبح قادرا على حل مسائل شديدة التعقيد، والتحدث بلغات لم يدرسها قط، وفهم البشر وقراءة تعبيرات وجوههم كما لو كانت صفحات مفتوحة أمامه، غير أن شيئا غريبا بدأ يطارده بعد كل تجربة، فقد كان يسمع من مكان بعيد صوت ساعة تتوقف عن العمل.
الحقيقة وراء ثمن المعرفة
خرج فهد من المكتبة ذات مساء، وبينما كان يتصفح الصحف وقعت عيناه على خبر صغير ربما لم يكن أحد سواه ليتوقف عنده، كان الخبر يعلن وفاة عالم كبير إثر توقف مفاجئ في القلب.
وفي اليوم التالي، قرأ خبر رحيل رسام مشهور أثناء عمله، ثم جاء خبر آخر عن باحثة شابة توفيت قبل انتهاء محاضرتها بدقائق قليلة.
شعر فهد ببرودة تسري في جسده حين أدرك سبب الألفة التي شعر بها تجاه تلك الأسماء، لم تكن أسماء غرباء، بل كانت أسماء أصحاب الكتب التي قرأها في المكتبة.
للمرة الأولى، فهم المعنى الكامل للتحذير الذي سمعه، الساعات التي عاشها بين صفحات الكتب لم تكن معرفة مجانية، بل أجزاء حقيقية انتزعت من أعمار أشخاص كانوا يعيشون في العالم نفسه.
مواجهة أمين المكتبة
اندفع فهد عائدا إلى المكتبة ويداه ترتجفان، وما إن وقف أمام أمينها حتى واجهه صارخا بأنه سرق أعمار هؤلاء البشر.
رفع أمين المكتبة رأسه بهدوء وأجابه بأنه لم يسرق شيئا، وأن فهد هو من اختار الاقتراض، وهو من قرر أن المعرفة التي يريدها أهم من أعمار الآخرين.
وقعت الكلمات على قلب فهد كالمطارق، وللمرة الأولى، لم ير العبقرية التي اكتسبها نورا يضيء مستقبله، بل رآها ظلا طويلا يمتد فوق قبور أشخاص لم يعرفوا يوما أنه أسهم في تقصير أعمارهم.
التمرد على المكتبة وسر السجل
قرر فهد ألا يسمح باستمرار تلك التجارة مهما كان الثمن، أخذ يتنقل بين الرفوف الهائلة باحثا عن سجل المكتبة، وهو الدفتر الذي تصور أن عمليات البيع والاقتراض تدون فيه.
واصل البحث حتى عثر على كتاب ضخم مغلق بقفل يشبه الساعة القديمة التي ورثها عن جده، استخدم الساعة لفتحه، متوقعا أن يجد داخله أسماء زوار المكتبة ومن اقترضوا أعمار الآخرين.
لكنه لم يجد قائمة أسماء أو حسابا للسنوات والساعات المسروقة، لم تكن هناك سوى صفحة واحدة تحمل حقيقة مختلفة عما توقعه.
قرأ فهد أن المكتبة لا تبيع الوقت، وإنما تكشف حقيقة الإنسان الذي يظن أن عمر شخص آخر أقل قيمة من طموحه الشخصي.
الاختبار الأخير
للمرة الأولى، ارتسمت على وجه أمين المكتبة ابتسامة، ثم أخبر فهد أنه كان يعتقد أنه جاء إلى ذلك المكان لكي يصبح عبقريا، بينما كانت رحلته الحقيقية تهدف إلى تعليمه قيمة الدقيقة.
مد أمين المكتبة يده ووضع أمام فهد كتابا أبيض لا يحمل أي عنوان، ثم أخبره بأن ذلك هو كتابه.
فتح فهد الصفحة الأولى، لكنه لم ير طفولته أو شبابه كما توقع، بدلا من ذلك، رأى مستقبلا مختلفا ينتظره إذا فهم الدرس الذي جاءت به المكتبة.
رأى نفسه يمضي سنواته في تعليم الأطفال، ومساعدة المرضى، وإلهام الباحثين، ومنح وقته لمن يحتاج إليه دون أن يأخذ دقيقة واحدة من حياة إنسان آخر، ورأى كيف كانت كل دقيقة يمنحها للآخرين تعود إليه بصورة مختلفة، في وجوه ممتنة وقلوب مطمئنة وأثر لا تستطيع السنون محوه.
أغلق فهد الكتاب وقد امتلأت عيناه بالدموع، ثم رفع الساعة النحاسية العتيقة أمامه، وللمرة الأخيرة تحركت عقاربها إلى الأمام، ثم توقفت من جديد، لا لأنها عجزت عن قياس الزمن، بل لأن صاحبها أصبح يعرف كيف يمنحه معنى.
الخروج من المكتبة الغامضة
حين خرج فهد من الباب الحجري، كان الفجر قد بدأ يرسم خيط الضوء الأول فوق المدينة، وعندما نظر خلفه، كانت المكتبة قد اختفت كما لو أنها لم توجد قط، واختفى معها أمينها ورفوفها وكتبها الغريبة.
لم يبق في يده سوى الساعة القديمة، وقد عادت إلى صمتها مرة أخرى، لكن صمتها هذه المرة كان يحمل حكمة لا يستطيع الزمن نفسه أن يمحوها.
منذ ذلك اليوم، لم يعد فهد يسعى إلى امتلاك وقت العالم أو انتزاع المعرفة من أعمار الآخرين، بل جعل وقته هدية لكل من مر في طريقه، وأدرك أن الإنسان لا يصبح عظيما بما يأخذه من أعمار الآخرين، وإنما بما يزرعه في أعمارهم من أثر يبقى بعد رحيله.
المعنى الحقيقي للوقت
ربما لا توجد في عالمنا مكتبة تبيع الوقت كما تبيع المتاجر بضائعها، لكن البشر جميعا يتاجرون بالوقت كل يوم، فيمنحونه أو يهدرونه أو يستثمرونه فيما يرونه جديرا بأعمارهم.
والفارق بين حياة تنسى وأخرى يبقى أثرها لا يكمن في عدد الساعات التي امتلكها أصحابها، بل في الطريقة التي أنفقوا بها تلك الساعات، فالوقت الذي يستهلك من أجل الذات وحدها ينتهي بانتهاء صاحبه، أما الوقت الذي يمنح للخير والعلم والمحبة، فيتحول إلى أثر يتجاوز عمر الإنسان ولا يعرف الفناء.
