الرجل الذي باع لهيبته قصة مؤثرة عن معنى الشجاعة الحقيقية

الراوي
0

الرجل الذي كان صوته يسبق خطاه، لم يكن الصباح في مدرسة النور مختلفا كثيرا عن صباحات حمزة القديمة، فالطباشير الأبيض يترك غبارا ناعما على أطراف أصابعه، والمقاعد الخشبية تشكو تحت أجساد التلاميذ، والنافذة النصف مفتوحة تدخل رائحة المطر الممزوجة بتراب الفناء.

وقف مدرس التاريخ في الخمسين من عمره أمام السبورة، بظهر منحن قليلا كأن الأعوام لم تمر فوقه بل جلست على كتفيه واحدة تلو الأخرى، كان يشرح ثورة قديمة، ويتحدث عن رجال صعدوا المنابر وأشعلوا الحشود بكلماتهم، وحين ذكر اسم أحد الخطباء العظام، قهقه تلميذ في آخر الصف يدعى نادر، ثم رفع يده بعينين فيهما مكر الصغار وفضولهم القاسي، وسأل أستاذه إن كان قد عرف الشجاعة يوما، وطلب منه أن يحكي لهم قصة عن بطولته.

سقط السؤال في الفصل كحجر في بئر مهجورة، لم يضحك حمزة ولم يغضب، بل شعر بشيء داخله يتحرك ببطء، شيء كان يظنه قد مات منذ زمن، فإذا به يفتح عينا متعبة تحت ركام الذاكرة.

كان حمزة في شبابه خطيبا تعرفه المقاهي الثقافية والندوات الصغيرة، وشاعرا إذا قرأ بيتا سكتت الكراسي قبل الناس، وإذا اعتلى منصة ضاقت الجدران باتساع صوته، كانت كلماته كشرر يطير في هواء يابس، وكان يحلم بكتاب يحمل اسمه، وبمنبر لا ينطفئ، وبحياة تليق بشاب يظن أن العالم ينتظر قصيدته الأولى، لكن الموت لا يستأذن الأحلام حين يدخل البيوت.

الرجل الذي باع لهيبته قصة مؤثرة عن معنى الشجاعة الحقيقية


قصيدة مؤجلة على رف الخبز

مات أبوه في شتاء قاس، ثم لحقته أمه كأنها لم تحتمل فراغ المقعد المقابل لها، وتركاه وحيدا أمام أربعة إخوة صغار، ودفتر شعر، وخزانة لا تحتوي إلا على ثياب قديمة وبعض الفواتير المؤجلة، في تلك الليلة أغلق حمزة دفتره للمرة الأولى، لا لأنه لم يجد ما يكتب، بل لأنه وجد ما يجب أن يطعمه.

باع كتبه النادرة، ثم عمل في التدريس نهارا وفي الدروس الخصوصية مساء، وصار يعود إلى البيت وقد امتص التعب صوته كما تمتص الأرض ماء المطر، كان يرى إخوته يأكلون فيشعر أن القصيدة لم تمت، بل تحولت إلى رغيف ساخن بين أيديهم، كبروا واحدا تلو الآخر، فصار أحدهم مهندسا، وتزوجت أخته، وسافر آخر، وصار أصغرهم طبيبا يوقع اسمه بثقة، أما حمزة فبقي في المدرسة، يحمل حقيبته الجلدية ذاتها، ويمشي في الطرق نفسها، كأن الزمن كافأ الجميع ومضى عنه ناسيا.

سؤال نادر الذي كشف الحقيقة

عاد حمزة من شروده على صوت نادر وهو يكرر طلبه أن يحكي لهم عن يوم كان فيه بطلا، مسح حمزة طرف السبورة ببطء، كأنه يمسح غبارا عن مرآة قديمة، ثم التفت إلى تلاميذه، أراد أن يروي قصة عظيمة، مظاهرة أو مواجهة أو منبرا مشتعلا أو قصيدة منعت ظلما أو هزت مدينة، لكنه حين فتش في ذاكرته لم يجد سيوفا ولا انتصارات صاخبة.

وجد أخاه الصغير يبكي من الحمى وهو يحمله إلى الطبيب في منتصف الليل، وجد أخته تخيط ثوب المدرسة تحت ضوء ضعيف، وجد نفسه يعد النقود المعدنية فوق طاولة المطبخ، ثم يبتسم كي لا يرى أحد فقره، قال بصوت هادئ إنه كان يظن أن الشجاعة أن يقف المرء أمام الناس ويصرخ بالحقيقة، لكنه تعلم لاحقا أن الشجاعة أحيانا أن يصمت المرء كي ينام غيره مطمئنا، لم يضحك نادر هذه المرة، بل انطفأت المشاكسة في عينيه لحظة، كأن الصبي لمس نارا لا يعرف اسمها.

حين خجل المعلم من بطولته

خرج حمزة من الفصل مثقلا، لم يكن راضيا عن جوابه، وشعر كأنه تهرب من السؤال، وكأنه رجل بلا حكاية تروى، بلا جرح لامع، بلا معركة تصلح لأن تصفق لها الأيدي، في طريق عودته مرت بجانبه سيارة فاخرة يقودها أحد تلاميذه القدامى، فلوح له الشاب بابتسامة واسعة، رد حمزة التحية، لكنه رأى صورته في زجاج السيارة للحظة، رجلا بوجه شاحب وعينين كانتا تعرفان اللهيب ثم ألفتا الرماد.

تاجر الأرواح يطرق باب الحلم

في تلك الليلة نام حمزة على كرسيه قبل أن يخلع حذاءه، كان المطر ينقر زجاج النافذة كأصابع صغيرة، والساعة القديمة في الصالة تبتلع الثواني بصوت أجوف، وحين غرق في نومه وجد نفسه في سوق لا يعرفه، سوق بلا سماء تتدلى فوقه مصابيح زرقاء كعيون الجن، وقف أمامه رجل طويل يرتدي معطفا أسود، وجهه لا يثبت على ملامح واحدة، تارة يبدو شيخا وتارة شابا وتارة مجرد ظل له فم يبتسم، قال الرجل إنه كان يعلم أن سؤال الصبي سيفتح الباب، تراجع حمزة خطوة، لكن السوق كله تحرك معه، كأن الأرض لا تسمح بالهروب.

الصفقة التي تشبه المعجزة

مد الغريب يده، فاشتعلت بين أصابعه شعلة صغيرة، لم تكن نارا عادية، بل كانت تحمل صوت حمزة القديم وضحكته القديمة وقصائده التي لم تكتب وتصفيق القاعات التي لم يدخلها، قال تاجر الأرواح إن هذه لهيبته وجرأته وصخبه، الرجل الذي كان سيصير إليه لو لم يحمل إخوته على ظهره، وإنه يستطيع أن يعيدها له، سأله حمزة عما يريده مقابل ذلك، فابتسم التاجر حتى بدا فمه شقا في الليل، وقال إنه لا يريد شيئا مؤلما، فقط أن ينسى سنوات التضحية وتعبه وجوعه وقلقه ودفاتره المباعة ولياليه الطويلة، ليصبح من جديد الرجل الذي لم يتنازل عن نفسه.

الذاكرة التي وقفت في وجه النار

رأى حمزة نفسه شابا على منصة ضخمة، يصفق له الناس، وتلاحقه الصحف، وتطبع دواوينه بذهب على الغلاف، رأى صوته يعود صافيا كالسيف، وخطاه تمتلئ بكبرياء قديم، وعينيه تشتعلان بما ظن أنه فقد إلى الأبد، ثم رأى، على الطرف الآخر من الحلم، إخوته صغارا يجلسون حول مائدة فارغة، وأخاه المريض بلا دواء، وأخته بلا حقيبة مدرسة، والبيت بلا صوت يطمئنهم حين يشتد الخوف، رأى المجد واقفا في جهة، والوجوه التي أحبها في جهة أخرى، همس التاجر له أن يختار نفسه ولو مرة، رفع حمزة عينيه، وكانت الدموع فيهما لا تشبه الضعف، بل تشبه ماء أخيرا يسكب على نار كاذبة، قال إنه اختار نفسه يوم اختارهم، وإن التاجر لا يعرض عليه لهيبته، بل يعرض عليه أن يسرق معناها.

حين احترق العرض وبقي الرجل

صرخ التاجر، فتشققت أرض السوق، وارتفعت أصوات كثيرة من الظلام، أصوات مدائح لم يسمعها حمزة، وجوائز لم ينلها، وكتب لم يوقعها، وكل شيء كان يناديه باسمه ويغريه أن يمد يده مرة واحدة، لكنه أطبق كفه على صدره كمن يحرس كنزا لا يرى، وقال بثبات إنه يترك للتاجر التصفيق ويحتفظ لنفسه بالتاريخ، انطفأت الشعلة بين أصابع التاجر، وانقلب السوق دخانا، ثم وجد حمزة نفسه يستيقظ قبيل الفجر، وقلبه يدق كحصان عاد من معركة.

كتاب شجاعة التضحية

جلس حمزة إلى مكتبه الخشبي الصغير، وأخرج دفترا جديدا ظل سنوات يشتريه ولا يجرؤ على فتحه، لم يكتب قصيدة غزل ولا خطبة سياسية ولا مذكرات رجل مظلوم، بل كتب عنوانا واحدا في أعلى الصفحة هو شجاعة التضحية، بدأ يكتب عن ليلة الحمى، وعن الرغيف الأخير، وعن الخوف الذي كان يخفيه بابتسامة، وعن البطولة التي لا تلبس درعا ولا تصعد منبرا، لكنها توقظ الأطفال للمدرسة وتدفع الإيجار وتؤجل الحلم كي لا يجوع أحد.

في الصباح دخل الفصل وفي يده الدفتر، وقف نادر في آخر الصف كعادته، مستعدا للتعليق، لكن حمزة سبقه قائلا إنه سيحكي لهم اليوم قصة رجل لم ينتصر على العالم، لكنه لم يترك بيته ينهزم، ساد صمت عميق، وحتى ضوء الشمس على المقاعد بدا كأنه يصغي.

البطل الذي لم يحتج إلى صفقة

قرأ حمزة صفحات قليلة، ومع كل جملة كان وجهه يستعيد شيئا لا يشبه الشباب، بل يشبه السلام، لم يعد صوته نارا تلتهم القاعة، بل صار جمرة هادئة تمنح الدفء لمن يقترب، وحين انتهى، رفع نادر يده وسأله بصوت خافت إن كان بإمكانه أن يكتب اسمه في أول نسخة من الكتاب، ابتسم حمزة، وشعر أن شيئا داخله عاد لا كما كان، بل أجمل مما كان، لم يسترجع لهيبته القديمة، بل اكتشف أنها لم تنطفئ أصلا، وأنها ظلت مشتعلة في مكان أعمق، حيث لا يراها إلا من تعلموا معنى النور.

تاريخ لا يباع

بعد أشهر صار دفتر حمزة كتابا صغيرا يتداوله التلاميذ والمعلمون، لا لأنه يحكي عن رجل خارق، بل لأنه يفضح كذبة البطولة اللامعة، كتب في صفحته الأخيرة أن ليست كل الأرواح التي تخسر المنابر مهزومة، فبعضها يصير بيتا، وبعضها يصير خبزا، وبعضها يصير مستقبلا يمشي على قدمين، أما نادر فقد لمح ذات يوم إلى زملائه أن أستاذ التاريخ كان أشجع رجل عرفه، لا لأنه صرخ في وجه العاصفة، بل لأنه صار سقفا حين لم يكن فوق إخوته سقف.

وهكذا أدرك حمزة أن الإنسان لا يقاس بما كان قادرا على أخذه من الحياة، بل بما استطاع أن يمنحه دون أن يتحول إلى حجر، فالذي يبيع ماضيه ليستعيد بريقه يخسر نفسه مرتين، أما الذي يصالح تضحياته فإنه يكتشف أن الرماد أحيانا ليس نهاية النار، بل دليلها الأخير.

التصنيفات:

إرسال تعليق

0 تعليقات
يُرجى عدم نشر تعليقات لا تحترم الشروط هنا, جميع التعليقات تخضع للمراجعة.
إرسال تعليق (0)

المحتوى

+

إقرأ أيضاً

يستخدم موقع Dseel.com ملفات تعريف الارتباط (Cookies) لضمان حصولك على أفضل تجربة إستخدام وتخصيص المحتوى المفضل للزوار, باستمرارك في تصفح الموقع، فإنك توافق على استخدامنا لها لمعرفة المزيد.