مدينة الألعاب النائمة قصة الطفل الذي أيقظ الحكايات

الراوي
0

ليلة الضوء الأزرق في المخزن القديم، في الليلة التي انقطعت فيها الكهرباء عن الحي بأكمله، ظل ضوء واحد يتسلل من أسفل باب المخزن القديم في بيت عبدالله، ضوء أزرق خافت ينبض كقلب صغير خائف، يخبو تارة ويلمع تارة أخرى، كان المطر يقرع زجاج النوافذ بأصابع باردة، بينما استلقى أهل البيت في غرفهم ينتظرون عودة التيار، ولم يسمع أحد سوى عبدالله ذلك الصوت الخافت الآتي من نهاية الممر، صوت عجلات صغيرة تدور فوق الأرض، يتبعه همس متقطع يشبه شهقة لعبة نسيت كيف تتكلم.

دفع عبدالله باب المخزن ببطء، فاستقبلته رائحة الخشب العتيق والغبار والكتب التي بقيت سنوات طويلة حبيسة الصناديق، غير أن ما رآه خلف الصندوق الأكبر لم يكن كتابا ولا لعبة ضائعة، بل بوابة لا يزيد ارتفاعها على ارتفاعه، مرسومة فوق الجدار بحروف ذهبية مضيئة، وفي وسطها عبارة واحدة تقول اقرأ كي تستيقظ المدينة.

مدينة الألعاب النائمة قصة الطفل الذي أيقظ الحكايات


الباب الذي لم يكن موجودا

وقف عبدالله أمام الكلمات، وقد التصق قميصه بظهره من شدة التوتر، ومد إصبعه نحو الحروف الذهبية دون أن يلمسها، فانسابت منها حرارة خفيفة تشبه دفء مصباح صغير في ليلة شتوية، كان يعرف ذلك الجدار جيدا، فقد ساعد والده قبل أشهر في ترتيب الصناديق بمحاذاته، ولم يكن فيه باب ولا نقش ولا حتى شق رفيع، لكن البوابة الآن بدت قديمة كأنها تنتظره منذ مئات السنين.

بحث بعينيه حوله، فرأى كتابا ملقى على صندوق خشبي، غلافه أخضر داكن وفي وسطه صورة حصان أبيض يركض بين النجوم، وقد تراكم فوقه الغبار إلا عند موضع صغير يشبه أثر كف طفل، رفع الكتاب بحذر فانفتح وحده عند الصفحة الأولى، وظهرت جملة مكتوبة بحبر أزرق تقول إن حصانا في مدينة بعيدة لا يستطيع الجري لأن أحدا لم يكمل حكايته، ما إن قرأ عبدالله الجملة بصوت مسموع حتى اهتز الجدار وتطاير الغبار من فوق الصناديق، وانفرجت البوابة عن طريق طويل تتدلى فوقه مصابيح مطفأة.

ارتد إلى الخلف مذعورا، لكن صوتا خافتا هشا كخشخشة ورقة جافة جاءه من وراء الباب يطلب منه أن يكمل، فشعر أن صاحبه يستغيث به من مكان بعيد، حمل عبدالله الكتاب، وخطا داخل البوابة.

الطريق الذي يشرب الكلمات

ما إن تجاوز العتبة حتى انغلق الباب خلفه بلا صوت، واختفى المخزن تماما، ليجد نفسه واقفا على طريق مرصوف بمكعبات ملونة، يمتد بين صفين من البيوت الصغيرة، كانت السماء فوق المدينة بنفسجية داكنة بلا قمر ولا نجوم، وكان الهواء ساكنا على نحو مخيف حتى إن أوراق الأشجار البلاستيكية لم تتحرك رغم هبوب نسمة باردة على وجهه.

بدت المدينة كمدينة ألعاب هائلة تركت فجأة بعد انتهاء احتفال كبير، سيارات مصفوفة عند الأرصفة، ودمى جالسة خلف النوافذ، وطائرات ورقية معلقة فوق الأسطح، وقطار أحمر متوقف في منتصف السكة، لكن جميع الألعاب كانت ساكنة تماما، لم تتحرك عين دمية ولم ترفرف أجنحة طائرة، كأن المدينة كلها غرقت في نوم ثقيل لا تصله الأحلام.

فتح عبدالله الكتاب وقرأ جملة عن الحصان الأبيض الذي رفع أذنيه حين سمع طفلا يناديه من بين الأشجار، ففور انتهائه أضاء أول مصباح على الطريق، تراجع خطوة، ثم قرأ جملة أخرى فأضاء المصباح الثاني، وتبعته نافذة صغيرة في أحد البيوت، ثم تحركت شاحنة خشبية قرب الرصيف وفتحت مصباحيها، أدرك عبدالله أن الطريق نفسه كان يصغي إليه، كلما قرأ امتد الضوء أمامه، وكلما صمت توقفت المصابيح عند قدميه وظل الظلام ينتظره على بعد خطوة واحدة.

مدينة تستيقظ بالحكايات

تابع عبدالله القراءة وهو يمشي، فكانت الكلمات تتساقط من فمه كشرارات دافئة تتلقفها المدينة بشغف، حتى امتلأت الشوارع بأصوات العجلات والموسيقى وضحكات الدمى، نهض دب بني من أمام متجر للحلوى، وتمطى حتى طقطقت مفاصله القطنية، ثم فتح عينيه الزجاجيتين وحدق في عبدالله بدهشة وصاح أن قارئا جديدا قد جاء، وأخذ يركض في الشارع يعلن الخبر.

انفتحت النوافذ دفعة واحدة، وظهرت منها وجوه الدمى والجنود الخشبيين والمهرجين، وهبطت الطائرات الورقية من الأسطح، وأطلقت السيارات الصغيرة أبواقها فرحا، اقتربت منه دمية ترتدي فستانا أزرق وقبعة من الريش، حاملة مفتاحا فضيا طويلا، وقدمت نفسها باسم ليان، حارسة دار الحكايات في مدينة الألعاب النائمة.

سألها عبدالله عن سبب ظلام المدينة وسبب استيقاظها عند قراءته، فتبدلت ملامحها وخفت بريق عينيها، وأخبرته أن الألعاب هنا لا تعيش بالبطاريات ولا بالمفاتيح بل بالحكايات، وأن كل لعبة تولد من قصة، فإذا توقفت القراءة خفت أصواتها ثم ثقلت أطرافها ثم غلبها النوم، توقف القطار الأحمر إلى جوارهما وفتح بابه، فركبت ليان وأشارت إلى عبدالله أن يتبعها.

دار الحكايات الكبرى

انطلق القطار بين شوارع المدينة، فمر بساحة تدور فيها دوامة خيول، وبحيرة تسبح فوقها سفن صغيرة، وحديقة تتأرجح فيها قرود قماشية بين أغصان من النحاس، لاحظ عبدالله أن بعض الألعاب لم تستيقظ بالكامل، فهناك دمى تتحرك ببطء، وروبوتات تضيء أعينها ثم تنطفئ، وطيور خشبية تفتح أجنحتها دون أن تقوى على الطيران، أوضحت ليان أن ما قرأه أعاد الحياة إلى هذا الحي فقط، أما بقية المدينة فلا تزال نائمة.

توقف القطار أمام بناء عظيم يشبه مكتبة ضخمة صنعت جدرانها من كتب ملونة، مغلقة أبوابها بسلاسل سوداء، وفوقها ساعة كبيرة توقفت عقاربها عند منتصف الليل، حاولت ليان إدخال مفتاحها في القفل فلم يتحرك، وأخبرته أن الأطفال كانوا يزورون المدينة كل ليلة قديما، يقرؤون القصص قبل النوم فتظل المصابيح مضيئة والقطارات مسرعة، ثم صار الأطفال يتركون الكتب مغلقة أياما طويلة فبدأ النسيان يتسرب إلى المدينة، حتى ظهر سيد الصمت.

سأل عبدالله عن هوية سيد الصمت، فأجاب الدب أن لا أحد يعرف شكله الحقيقي، لكنه يتغذى على الصفحات التي لا تقرأ، وكلما بقي كتاب مغلقا صار أقوى، وأنه سرق نهاية الحكاية الكبرى وأخفاها في برج الساعة، ومن دونها لن تستيقظ المدينة كلها.

حين بدأ الصمت يطارد القارئ

دوى في السماء صوت كتمزق قماش هائل، وظهرت سحابة سوداء تمددت حتى حجبت لون السماء، وتوقفت الألعاب عن الحركة، وانساب من الأزقة ضباب رمادي كثيف يسكن كل لعبة يلامسها، صاحت ليان أنه شعر بوجود عبدالله، فاهتزت الأرض وانطلق من الضباب ظل طويل بلا وجه، يرتدي معطفا أسود تتدلى من أطرافه قصاصات صفحات ممزقة، يسير من دون أن يحرك قدميه.

طلب سيد الصمت من عبدالله أن يغلق الكتاب ليعيده إلى بيته، وحاول إقناعه بأنه متعب من القراءة، وأن الكلمات كثيرة والصفحات طويلة ويمكنه ترك الحكاية ليوم آخر، وكان ذلك صحيحا جزئيا، فقد اعتاد عبدالله أن يقرأ الصفحات الأولى فقط ثم يمل ويغلق الكتاب قبل أن يعرف النهاية، وقد عرف سيد الصمت هذا الضعف فيه.

الصفحة التي قاومت الريح

هبت ريح باردة من المعطف الأسود، فتقلبت صفحات الكتاب بعنف وحاولت أصابع خفية إغلاقه، لكن عبدالله أمسك الغلاف بكلتا يديه، صرخت ليان أن يقرأ بصوت أعلى لأن الكلمات هي الشيء الوحيد الذي لا يستطيع سيد الصمت ابتلاعه، قرأ عبدالله بصوت مرتجف جملة عن الطفل الذي دخل الغابة رغم انحناء الأشجار فوقه، فانطلقت من الصفحة شرارة ذهبية أصابت الضباب وتراجع سيد الصمت خطوة، واستيقظت حوله مجموعة من الجنود الخشبيين، قرأ جملة أخرى فارتفعت من الحجارة زهور ورقية، وبدأت أجراس الدراجات ترن.

غير أن سيد الصمت مد ذراعه فانطلقت منها خيوط سوداء التفت حول الكتاب وسحبت منه عشرات الكلمات، فتحولت مواضعها إلى فراغات بيضاء، وضحك قائلا إنه لا يستطيع متابعة حكاية اختفت كلماتها، حدق عبدالله في الصفحة فرأى بين الفراغات كلمات قليلة باقية، الطفل، الحصان، الخوف، الطريق، كان يستطيع إغلاق الكتاب والهرب، لكنه نظر إلى الألعاب التي بدأت رؤوسها تنحني من جديد، وإلى ليان التي تجمدت قدمها، وإلى الدب الذي خفت بريق عينيه.

رفع رأسه وقال إن الكلمات قد تختفي لكن الحكاية لم تختف، ثم بدأ يؤلف بنفسه ما غاب منها، فكتب أن الطفل كان خائفا لكنه عرف أن الخوف لا يعني أن يعود بل يعني أن يتقدم وهو يسمع قلبه يرتجف، توهجت الصفحة من جديد، وتراجع سيد الصمت، وانشقت الخيوط السوداء عن الكتاب، تابع عبدالله فأضاف أن الطفل حين وجد الحصان الأبيض لم يطلب منه أن يحمله بعيدا، بل طلب منه أن يساعده على الوصول إلى نهاية الطريق، صدر من الكتاب صوت يشبه زئير نار كبيرة، وتحولت كلماته إلى حروف ذهبية طارت فوق المدينة فأيقظت مئات النوافذ دفعة واحدة، فقالت له ليان بدهشة إنه لم يعد يقرأ الحكاية فقط، بل أصبح جزءا منها.

الرحلة إلى برج الساعة

أطلقت ليان صفيرا حادا فاندفع القطار الأحمر نحوهما مسرعا هذه المرة، ففتح بابه وقفز عبدالله داخله وتبعته ليان والدب في اللحظة الأخيرة، راح القطار يشق الضباب متجها نحو برج الساعة، بينما طاردته خيول سوداء مصنوعة من الحبر تضرب حوافرها السكة فتترك بقعا داكنة فوقها.

جلس عبدالله قرب النافذة يواصل القراءة، وكانت كل فقرة تمنح القطار دفعة جديدة، حين قرأ عن الريح اندفعت العجلات أسرع، وحين قرأ عن الجسر ظهر جسر خشبي فوق فجوة واسعة، لكن كلما توقف ليلتقط أنفاسه اقتربت خيول الحبر وصارت أنفاسها الباردة تلطخ الزجاج، حثه الدب على ألا يتوقف، فأجاب وهو يلهث إنه لا يستطيع القراءة إلى الأبد، فقالت له ليان إن أحدا لا يطلب منه ذلك، لكن عليه ألا يستسلم عند أول تعب.

نظر عبدالله إلى الصفحات الباقية فوجدها أكثر مما توقع، وشعر أن الطريق أطول من قدرته، غير أن الكتاب لم يعد يبدو عدوا ثقيلا بل صار خريطة تنقذ مدينة كاملة، فواصل القراءة لا بسرعة بل بثبات، كلمة بعد كلمة، وصفحة بعد صفحة.

الدرج المصنوع من النهايات الناقصة

وصل القطار إلى البرج قبل أن تدركه خيول الحبر، وأغلق بابه الحديدي خلفهم، فارتطمت الخيول بالجدار وتحولت إلى بقع سوداء سالت تحت الباب، كان داخل البرج سلم حلزوني يرتفع بلا نهاية، وكل درجة فيه تحمل جملة مبتورة من قصة لم يكملها أحد، عن بحار وصل إلى جزيرة دون أن يعرف سرها، وأميرة فتحت صندوقا فرأت في داخله شيئا لم يذكر، وصبي عاد إلى بيته فوجد الباب على حال غريبة، أوضحت ليان أن هذه نهايات تركها القراء وراءهم، وقد صنع منها سيد الصمت سجنه.

لم يكن السلم ثابتا، فكلما صعد عبدالله درجة دون أن يكمل جملتها ذابت تحت قدميه وكاد يسقط في الظلام، ففهم المطلوب منه، وأكمل الجملة الأولى بأن الجزيرة كانت تتحرك فوق ظهر حوت عظيم، فتصلبت الدرجة وأضاءت، ثم أكمل الثانية بأن المرآة داخل الصندوق كانت تعرض للأميرة الأشياء التي لم تجرؤ على فعلها، وتابع صعوده يخترع نهاية لكل بداية ناقصة، حتى غدت الدرجات خلفه مضيئة كخيط من النجوم، وكل قصة يكملها تمنحه جرأة أكبر.

عند الدرجة الأخيرة وجد جملة واحدة تقول إن عبدالله حين وصل إلى قمة البرج، فتوقف، طلبت منه ليان أن يكملها بنفسه، فابتلع ريقه وقال إنه حين وصل إلى القمة لم يعد الطفل الذي دخل المدينة خائفا من الكتب الطويلة، أضاء السلم كله، وانفتح باب القمة.

الغرفة التي سجنت فيها النهاية

كانت قمة البرج غرفة دائرية مليئة بالساعات، لكن جميع العقارب كانت تدور إلى الخلف، وفي المنتصف طفت ورقة واحدة داخل قفص زجاجي، فعرف عبدالله أنها نهاية الحكاية الكبرى، اقترب من القفص، فظهر سيد الصمت خلفه أكبر مما كان في الساحة، حتى لامس رأسه سقف الغرفة، وامتلأ معطفه بآلاف الصفحات الممزقة، وسأله بصوت جعل الساعات ترتجف إن كان يريد حقا طريقا لا ينتهي، فكل نهاية يصل إليها تفتح بداية جديدة.

حدق عبدالله في الورقة داخل القفص وقال نعم، فسكتت الغرفة، وحتى ليان والدب نظرا إليه بدهشة، أضاف أنه كان يظن أن جمال القصة في الوصول إلى نهايتها سريعا، لكنه فهم الآن أن الطريق إليها هو الذي يغيره، اندفع سيد الصمت نحوه، ففتح عبدالله الكتاب وقرأ بصوت مرتفع، وقرأت ليان معه، ثم قرأ الدب، ثم بدأت أصوات تأتي من أسفل البرج، إذ كانت ألعاب المدينة كلها تقرأ، الدمى من كتب مصورة، والجنود يرددون الأشعار، والروبوتات تنطق الحروف بنبرات معدنية، وحتى القطار الأحمر أطلق صفاراته على إيقاع الكلمات.

امتلأ البرج بالأصوات وتشققت جدرانه السوداء بخطوط من نور، فصرخ سيد الصمت طالبا التوقف، لكن أحدا لم يفعل، وصار الصوت نهرا من الحكايات يصعد من الشوارع والساحات والبيوت، حتى تمزق معطفه وتطايرت منه الصفحات المسروقة، فسقطت الكلمات المفقودة فوق الكتب وعادت إلى أماكنها، بينما انكمش الظل حتى صار بحجم بقعة حبر صغيرة على الأرض.

اقترب عبدالله منها، فقال سيد الصمت بصوت ضعيف إنه سيتعب يوما ويغلق الكتاب، فأجابه عبدالله أنه قد يغلقه ليرتاح، لكنه سيفتحه من جديد، رفع الكتاب فخرجت منه نسمة ذهبية حملت بقعة الحبر بعيدا، وحبستها داخل زجاجة صغيرة فوق أحد الرفوف، وانكسر القفص الزجاجي، ووقعت ورقة النهاية بين يدي عبدالله.

الحكاية التي أيقظت المدينة كلها

فتح عبدالله الورقة فوجدها فارغة، وشعر ببرودة تسري في أطرافه، وقال لليان إنه لا توجد نهاية، فابتسمت لأول مرة منذ دخوله البرج، وأخبرته أن النهاية لا يمكن أن يكتبها إلا القارئ الذي أنقذ المدينة، وضع عبدالله الورقة داخل الكتاب، وبدأ يكتب بقلم ظهر في يده فجأة، أن الألعاب أدركت مع شمس الصباح أن المدينة لن تنام ما دام هناك طفل يفتح كتابا ويمنح الكلمات صوته ويمنح الشخصيات وقتا لتعيش.

حالما كتب النقطة الأخيرة، دقت الساعة الكبرى اثنتي عشرة دقة، وانفجرت السماء بألوان الفجر، وتدفقت أشعة ذهبية فوق الأبراج والبيوت، وتحولت السحابة السوداء إلى سرب من الطيور البيضاء، واندفعت القطارات في سككها، ودارت الدوامات، وارتفعت الطائرات الورقية حتى لامست الغيوم، في الساحة الكبرى أقامت الألعاب احتفالا لعبدالله، عزفت الدببة على الطبول، ونثرت الدمى قصاصات ملونة، وسارت الروبوتات في موكب طويل رافعة كتبا صغيرة فوق رؤوسها.

قدمت ليان لعبدالله مفتاحا فضيا يشبه مفتاحها، وأخبرته أن هذا مفتاح مدينة الألعاب، لكنه لن يفتح البوابة إلا حين يقرأ، سألها إن كانت المدينة ستنام مرة أخرى، فأجابته أن كل المدن تنام، لكن النوم ليس خطرا ما دام هناك من يعرف كيف يوقظها.

عندما عاد عبدالله إلى المخزن، كانت الكهرباء قد عادت، ولم يمر في البيت سوى دقائق قليلة رغم أن رحلته بدت كأنها استغرقت ليلة كاملة، أغلق باب المخزن، وحمل الكتاب الأخضر إلى غرفته، ووضعه قرب وسادته، لكنه لم ينم قبل أن يقرأ فصلا آخر، وفي اللحظة التي قلب فيها الصفحة سمع من داخل خزانة ألعابه صفيرا صغيرا، ثم صوت عجلات تتحرك في الظلام، فابتسم وواصل القراءة.

منذ تلك الليلة، لم يعد عبدالله يعد الصفحات ليرى كم بقي منها، بل صار يقرأ ليرى كم بابا سيفتحه، وكم مدينة ستضيء، وكم شخصية ستنهض من سكون الحبر لتسير بجواره، فالكتاب المغلق ليس سوى مدينة نائمة تبدو صامتة من الخارج، بينما تنتظر في داخلها أصوات وألوان وطرق لا تنتهي، ولا تحتاج كي تستيقظ إلا إلى قارئ يمد يده نحو الصفحة الأولى، ثم يملك الشجاعة ليواصل الطريق.

التصنيفات:

إرسال تعليق

0 تعليقات
يُرجى عدم نشر تعليقات لا تحترم الشروط هنا, جميع التعليقات تخضع للمراجعة.
إرسال تعليق (0)

المحتوى

+

إقرأ أيضاً

يستخدم موقع Dseel.com ملفات تعريف الارتباط (Cookies) لضمان حصولك على أفضل تجربة إستخدام وتخصيص المحتوى المفضل للزوار, باستمرارك في تصفح الموقع، فإنك توافق على استخدامنا لها لمعرفة المزيد.