في الليلة التي انطفأت فيها الكهرباء عن الحي كله، ظل ضوء واحد يتسلل من أسفل باب المخزن القديم في بيت عبدالله، ضوء أزرق خافت ينبض كقلب صغير خائف، ثم يخبو، ثم يعود إلى اللمعان.
كان المطر يقرع زجاج النوافذ بأصابع باردة، بينما استلقى أهل البيت في غرفهم ينتظرون عودة التيار، ولم يسمع أحد غير عبدالله ذلك الصوت الدقيق الآتي من نهاية الممر؛ صوت عجلات صغيرة تدور فوق الأرض، يعقبه همس متقطع يشبه شهقة لعبة نسيت كيف تتكلم.
دفع عبدالله باب المخزن ببطء، فاستقبلته رائحة الخشب العتيق والغبار والكتب التي بقيت سنوات طويلة حبيسة الصناديق، غير أن ما رآه خلف الصندوق الأكبر لم يكن كتاباً ولا لعبة ضائعة.
كانت هناك بوابة لا يزيد ارتفاعها على ارتفاعه، مرسومة فوق الجدار بحروف ذهبية مضيئة، وفي وسطها عبارة واحدة:
اقرأ، كي تستيقظ المدينة.
الباب الذي لم يكن موجوداً
وقف عبدالله أمام الكلمات، وقد التصق قميصه بظهره من شدة التوتر، ومد إصبعه نحو الحروف الذهبية دون أن يلمسها، فانسابت منها حرارة خفيفة تشبه دفء مصباح صغير في ليلة شتوية.
كان يعرف ذلك الجدار جيداً؛ فقد ساعد والده قبل أشهر في ترتيب الصناديق بمحاذاته، ولم يكن فيه باب ولا نقش ولا حتى شق رفيع، لكن البوابة الآن بدت قديمة كأنها تنتظره منذ مئات السنين.
بحث بعينيه حوله، فرأى كتاباً ملقى على صندوق خشبي، غلافه أخضر داكن، وفي وسطه صورة حصان أبيض يركض بين النجوم، وقد تراكم فوقه الغبار إلا عند موضع صغير يشبه أثر كف طفل.
رفع الكتاب بحذر، فانفتح وحده عند الصفحة الأولى، وظهرت جملة مكتوبة بحبر أزرق:
كان يا ما كان، في مدينة بعيدة، حصان لا يستطيع الجري لأن أحداً لم يكمل حكايته.
ما إن قرأ عبدالله الجملة بصوت مسموع حتى اهتز الجدار، وتطاير الغبار من فوق الصناديق، وانفرجت البوابة عن طريق طويل تتدلى فوقه مصابيح مطفأة.
ارتد إلى الخلف مذعوراً، لكن صوتاً خافتاً جاءه من وراء الباب:
أكمل، أرجوك.
لم يكن الصوت قوياً، بل كان هشاً كخشخشة ورقة جافة، ومع ذلك شعر عبدالله أن صاحبه يستغيث به من مكان بعيد.
حمل الكتاب، وخطا داخل البوابة.
الطريق الذي يشرب الكلمات
ما إن تجاوز العتبة حتى انغلق الباب خلفه بلا صوت، واختفى المخزن تماماً، ليجد نفسه واقفاً على طريق مرصوف بمكعبات ملونة، تمتد بين صفين من البيوت الصغيرة.
كانت السماء فوق المدينة بنفسجية داكنة، بلا قمر ولا نجوم، وكان الهواء ساكناً على نحو مخيف، حتى إن أوراق الأشجار البلاستيكية لم تتحرك رغم هبوب نسمة باردة على وجه عبدالله.
بدت المدينة كمدينة ألعاب هائلة تُركت فجأة بعد انتهاء احتفال كبير؛ سيارات مصفوفة عند الأرصفة، دمى جالسة خلف النوافذ، طائرات ورقية معلقة فوق الأسطح، وقطار أحمر توقف في منتصف السكة.
لكن جميع الألعاب كانت ساكنة.
لم تتحرك عين دمية، ولم ترفرف أجنحة طائرة، ولم يصدر من القطار أي صفير، كأن المدينة كلها قد غرقت في نوم ثقيل لا تصله الأحلام.
فتح عبدالله الكتاب وقرأ الجملة التالية:
وقف الحصان الأبيض عند حافة الغابة، ورفع أذنيه حين سمع طفلاً يناديه من بين الأشجار.
فور انتهاء الجملة، أضاء أول مصباح على الطريق.
تراجع عبدالله خطوة، ثم قرأ جملة أخرى، فأضاء المصباح الثاني، وتبعته نافذة صغيرة في أحد البيوت، ثم تحركت شاحنة خشبية قرب الرصيف وفتحت مصباحيها الأماميين.
أدرك عبدالله أن الطريق نفسه كان يصغي إليه.
كلما قرأ، امتد الضوء أمامه.
وكلما صمت، توقفت المصابيح عند قدميه، وظل الظلام ينتظره على بعد خطوة واحدة.
مدينة تستيقظ بالحكايات
تابع عبدالله القراءة وهو يمشي، فكانت الكلمات تتساقط من فمه كشرارات دافئة، تتلقفها المدينة بشغف واضح، حتى امتلأت الشوارع بأصوات العجلات والموسيقى وضحكات الدمى.
نهض دب بني من أمام متجر للحلوى، وتمطى حتى طقطقت مفاصله القطنية، ثم فتح عينيه الزجاجيتين وحدق في عبدالله بدهشة.
قال الدب بصوت أجش:
قارئ جديد!
ثم أخذ يركض في الشارع وهو يصيح:
لقد جاء قارئ! لقد جاء قارئ!
انفتحت النوافذ دفعة واحدة، وظهرت منها وجوه الدمى والجنود الخشبيين والمهرجين ذوي الأنوف الحمراء، بينما هبطت طائرات ورقية من الأسطح، وأطلقت سيارات صغيرة أبواقها في فرح.
اقتربت من عبدالله دمية ترتدي فستاناً أزرق وقبعة من الريش، وقد حملت بين ذراعيها مفتاحاً فضياً طويلاً.
قالت بانحناءة رقيقة:
أنا ليان، حارسة دار الحكايات، وهذه مدينة الألعاب النائمة.
نظر عبدالله حوله وسأل:
لماذا كانت المدينة مظلمة؟ ولماذا استيقظت عندما قرأت؟
تبدلت ملامح ليان، وانطفأ شيء من البريق في عينيها.
لأن الألعاب هنا لا تعيش بالبطاريات ولا بالمفاتيح، بل بالحكايات، وكل لعبة تولد من قصة، فإذا توقفت القراءة، خفت صوتها، ثم ثقلت أطرافها، ثم غلبها النوم.
توقف القطار الأحمر إلى جوارهما، وفتح بابه بصافرة قصيرة، فركبت ليان وأشارت إلى عبدالله أن يتبعها.
دار الحكايات الكبرى
انطلق القطار بين شوارع المدينة، فمر بساحة تدور فيها دوامة خيول، وبحيرة تسبح فوقها سفن صغيرة، وحديقة تتأرجح فيها قرود قماشية بين أغصان من النحاس.
غير أن عبدالله لاحظ أن بعض الألعاب لم تستيقظ بالكامل؛ كانت هناك دمى تتحرك ببطء، وروبوتات تضيء أعينها ثم تنطفئ، وطيور خشبية تفتح أجنحتها دون أن تتمكن من الطيران.
قالت ليان:
ما قرأته أعاد الحياة إلى هذا الحي فقط، أما بقية المدينة فلا تزال نائمة.
توقف القطار أمام بناء عظيم يشبه مكتبة ضخمة صُنعت جدرانها من كتب ملونة، وكانت أبوابها مغلقة بسلاسل سوداء، وفوقها ساعة كبيرة توقفت عقاربها عند منتصف الليل.
أخرجت ليان المفتاح الفضي وحاولت إدخاله في القفل، لكن المفتاح لم يتحرك.
قالت وهي تخفض صوتها:
منذ زمن بعيد، كان الأطفال يزورون مدينتنا كل ليلة، يقرؤون القصص قبل النوم، فتظل المصابيح مضيئة والقطارات مسرعة والدوامات تدور حتى الفجر.
رفعت عينيها نحو الساعة المتوقفة وأضافت:
ثم صار الأطفال يتركون الكتب مغلقة أياماً طويلة، فبدأ النسيان يتسرب إلى المدينة، حتى ظهر سيد الصمت.
ارتجف هواء الساحة عند سماع الاسم، وانطفأت ثلاث نوافذ في المبنى دفعة واحدة.
سأل عبدالله:
من هو سيد الصمت؟
أجاب الدب البني الذي لحق بهما:
لا أحد يعرف شكله الحقيقي، لكنه يتغذى على الصفحات التي لا تُقرأ، وكلما بقي كتاب مغلقاً، صار أقوى.
ثم أشار إلى البرج البعيد القائم في وسط المدينة.
لقد سرق نهاية الحكاية الكبرى، وأخفاها في برج الساعة، ومن دونها لن تستيقظ المدينة كلها.
حين بدأ الصمت يطارد القارئ
ما إن انتهى الدب من كلماته حتى دوى في السماء صوت كتمزق قماش هائل، وظهرت فوق البيوت سحابة سوداء، تمددت ببطء حتى حجبت اللون البنفسجي للسماء.
توقفت الألعاب عن الحركة، وانخفضت أصوات الموسيقى، ثم انساب من الأزقة ضباب رمادي كثيف، كلما لامس لعبة سكنت أطرافها وانحنى رأسها.
صاحت ليان:
لقد شعر بوجود عبدالله!
اهتزت الأرض، وانطلق من الضباب ظل طويل بلا وجه، يرتدي معطفاً أسود تتدلى من أطرافه قصاصات صفحات ممزقة، وكان يسير من دون أن يحرك قدميه.
حين اقترب، خفت صوت المدينة، حتى صار عبدالله يسمع دقات قلبه كأنها طرقات على باب مغلق.
قال سيد الصمت بصوت آتٍ من كل الجهات:
أغلق الكتاب، وسأعيدك إلى بيتك.
شد عبدالله الكتاب إلى صدره، لكنه شعر بثقل مفاجئ في ذراعيه، وكأن الغلاف صار مصنوعاً من الحديد.
تابع الصوت:
أنت متعب من القراءة، أليس كذلك؟ الكلمات كثيرة، والصفحات طويلة، ويمكنك أن تترك الحكاية إلى يوم آخر.
كان ذلك صحيحاً جزئياً؛ فقد اعتاد عبدالله أن يقرأ الصفحات الأولى فقط، ثم يمل، ويغلق الكتاب قبل أن يعرف النهاية.
عرف سيد الصمت ضعفه.
الصفحة التي قاومت الريح
هبّت ريح باردة من المعطف الأسود، فتقلبت صفحات الكتاب بعنف، وحاولت أصابع خفية إغلاقه، لكن عبدالله أمسك الغلاف بكلتا يديه.
صرخت ليان:
اقرأ بصوت أعلى! الكلمات هي الشيء الوحيد الذي لا يستطيع ابتلاعه!
فتح عبدالله الصفحة التي توقف عندها، وبدأ القراءة بصوت مرتجف:
دخل الطفل الغابة، وكانت الأشجار تنحني فوقه، لكنه استمر في المناداة على الحصان الأبيض.
انطلقت من الصفحة شرارة ذهبية أصابت الضباب، فتراجع سيد الصمت خطوة، واستيقظت حول عبدالله مجموعة من الجنود الخشبيين.
قرأ جملة ثانية، فارتفعت من الحجارة زهور ورقية، وبدأت أجراس الدراجات ترن في الشوارع.
غير أن سيد الصمت مد ذراعه، فانطلقت منها خيوط سوداء التفّت حول الكتاب، وسحبت منه عشرات الكلمات، فتحولت مواضعها إلى فراغات بيضاء.
توقف عبدالله مرتبكاً.
لم تعد الجملة مكتملة.
قهقه سيد الصمت:
لا تستطيع متابعة حكاية اختفت كلماتها.
حدق عبدالله في الصفحة، ورأى بين الفراغات كلمات قليلة باقية، الطفل، الحصان، الخوف، الطريق.
كان يستطيع إغلاق الكتاب والهرب، لكنه نظر إلى الألعاب التي بدأت رؤوسها تنحني مرة أخرى، وإلى ليان التي تجمدت قدمها اليمنى، وإلى الدب الذي خفت بريق عينيه.
رفع رأسه وقال:
قد تختفي الكلمات، لكن الحكاية لم تختف.
ثم بدأ يؤلف ما غاب منها.
كان الطفل خائفاً، لكنه عرف أن الخوف لا يعني أن يعود، بل يعني أن يتقدم وهو يسمع قلبه يرتجف.
توهجت الصفحة من جديد.
تراجع سيد الصمت، وانشقت الخيوط السوداء عن الكتاب.
تابع عبدالله:
وحين وجد الحصان الأبيض، لم يطلب منه أن يحمله بعيداً، بل طلب منه أن يساعده على الوصول إلى نهاية الطريق.
صدر من الكتاب صوت يشبه زئير نار كبيرة، وتحولت الكلمات التي اخترعها عبدالله إلى حروف ذهبية طارت فوق المدينة، فاستيقظت مئات النوافذ في لحظة واحدة.
قالت ليان بدهشة:
أنت لم تعد تقرأ الحكاية فقط، لقد أصبحت جزءاً منها.
الرحلة إلى برج الساعة
أطلقت ليان صفيراً حاداً، فاندفع القطار الأحمر نحوهما، لكنه لم يتوقف هذه المرة، بل فتح بابه وهو مسرع، فقفز عبدالله داخله وتبعته ليان والدب في اللحظة الأخيرة.
راح القطار يشق الضباب متجهاً نحو برج الساعة، بينما طاردته خيول سوداء مصنوعة من الحبر، تضرب حوافرها السكة فتترك بقعاً داكنة فوقها.
جلس عبدالله قرب النافذة يواصل القراءة، وكانت كل فقرة تمنح القطار دفعة جديدة؛ حين قرأ عن الريح، اندفعت العجلات أسرع، وحين قرأ عن الجسر، ظهر جسر خشبي فوق فجوة واسعة.
لكن كلما توقف ليلتقط أنفاسه، اقتربت خيول الحبر، وصارت أنفاسها الباردة تلطخ الزجاج.
قال الدب:
لا تتوقف!
أجاب عبدالله وهو يلهث:
لا أستطيع القراءة إلى الأبد.
قالت ليان:
لا أحد يطلب منك ذلك، لكن عليك ألا تستسلم عند أول تعب.
نظر عبدالله إلى الصفحات الباقية، وكانت أكثر مما توقع، وشعر أن الطريق أطول من قدرته، غير أن الكتاب لم يعد يبدو عدواً ثقيلاً، بل صار خريطة تنقذ مدينة كاملة.
واصل القراءة، لا بسرعة، بل بثبات.
كلمة بعد كلمة.
وصفحة بعد صفحة.
الدرج المصنوع من النهايات الناقصة
وصل القطار إلى البرج قبل أن تدركه خيول الحبر، وأغلق بابه الحديدي خلفهم، فارتطمت الخيول بالجدار وتحولت إلى بقع سوداء سالت تحت الباب.
كان داخل البرج سلماً حلزونياً يرتفع بلا نهاية، وكل درجة فيه تحمل جملة مبتورة من قصة لم يكملها أحد.
قرأ عبدالله ما كُتب على الدرجة الأولى:
وصل البحار إلى الجزيرة، لكنه لم يعرف أن.
وعلى الدرجة الثانية:
فتحت الأميرة الصندوق، فرأت في داخله.
وعلى الثالثة:
حين عاد الصبي إلى البيت، وجد الباب.
قالت ليان:
هذه نهايات تركها القراء وراءهم، وقد صنع منها سيد الصمت سجنه.
لم يكن السلم ثابتاً؛ كلما صعد عبدالله درجة دون أن يكمل جملتها، ذابت الدرجة تحت قدميه، وكاد يسقط في الظلام.
فهم المطلوب.
أكمل الجملة الأولى:
لكنه لم يعرف أن الجزيرة كانت تتحرك فوق ظهر حوت عظيم.
تصلبت الدرجة وأضاءت.
ثم أكمل الثانية:
فرأت في داخله مرآة تعرض لها الأشياء التي لم تجرؤ على فعلها.
وتابع صعوده، يخترع نهاية لكل بداية ناقصة، حتى غدت الدرجات خلفه مضيئة كخيط من النجوم.
كل قصة كان يكملها تمنحه جرأة أكبر، وكل نهاية يبتكرها تفتح في عقله باباً لم يكن يعرفه.
عند الدرجة الأخيرة، وجد جملة واحدة:
أما عبدالله، فعندما وصل إلى قمة البرج.
توقف.
قالت ليان:
عليك أن تكملها بنفسك.
ابتلع ريقه، ثم قال:
عندما وصل إلى قمة البرج، لم يعد الطفل الذي دخل المدينة خائفاً من الكتب الطويلة.
أضاء السلم كله، وانفتح باب القمة.
الغرفة التي سُجنت فيها النهاية
كانت قمة البرج غرفة دائرية مليئة بالساعات، لكن جميع العقارب كانت تدور إلى الخلف، وفي المنتصف طفت ورقة واحدة داخل قفص زجاجي.
عرف عبدالله أنها نهاية الحكاية الكبرى.
اقترب من القفص، فظهر سيد الصمت خلفه، أكبر مما كان في الساحة، حتى لامس رأسه سقف الغرفة، وامتلأ معطفه بآلاف الصفحات الممزقة.
قال بصوت جعل الساعات ترتجف:
كل نهاية تصل إليها تفتح بداية جديدة، وكل كتاب تقرؤه يقودك إلى آخر، فهل تريد حقاً طريقاً لا ينتهي؟
حدق عبدالله في الورقة داخل القفص، ثم قال:
نعم.
سكتت الغرفة.
حتى ليان والدب نظرا إليه بدهشة.
تابع عبدالله:
كنت أظن أن جمال القصة في أن أصل إلى نهايتها سريعاً، لكنني فهمت الآن أن الطريق إليها هو الذي يغيرني.
اندفع سيد الصمت نحوه، ففتح عبدالله الكتاب وقرأ بصوت مرتفع، وقرأت ليان معه، ثم قرأ الدب، ثم بدأت أصوات تأتي من أسفل البرج.
كانت ألعاب المدينة كلها تقرأ.
الدمى تقرأ من كتب مصورة، والجنود يرددون الأشعار، والروبوتات تنطق الحروف بنبرات معدنية، وحتى القطار الأحمر أطلق صفاراته على إيقاع الكلمات.
امتلأ البرج بالأصوات، وتشققت جدرانه السوداء بخطوط من نور.
صرخ سيد الصمت:
كفى!
لكن أحداً لم يتوقف.
لم يعد الصوت صوت عبدالله وحده، بل صار نهراً من الحكايات يصعد من الشوارع والساحات والبيوت، حتى تمزق معطف سيد الصمت، وتطايرت منه الصفحات المسروقة.
سقطت الكلمات المفقودة فوق الكتب، وعادت إلى أماكنها، بينما انكمش الظل حتى صار بحجم بقعة حبر صغيرة على الأرض.
اقترب عبدالله منها.
قال سيد الصمت بصوت ضعيف:
ستتعب يوماً، وستغلق الكتاب.
أجابه عبدالله:
قد أغلقه لأرتاح، لكنني سأفتحه من جديد.
رفع الكتاب، فخرجت منه نسمة ذهبية حملت بقعة الحبر بعيداً، ثم حبستها داخل زجاجة صغيرة فوق أحد الرفوف.
انكسر القفص الزجاجي، ووقعت ورقة النهاية بين يدي عبدالله.
الحكاية التي أيقظت المدينة كلها
فتح عبدالله الورقة، لكنه وجدها فارغة.
شعر ببرودة تسري في أطرافه، ونظر إلى ليان قائلاً:
لا توجد نهاية.
ابتسمت ليان لأول مرة منذ دخوله البرج.
لأن النهاية لا يمكن أن يكتبها إلا القارئ الذي أنقذ المدينة.
وضع عبدالله الورقة داخل الكتاب، وبدأ يكتب بقلم ظهر في يده فجأة:
عندما أشرقت شمس الصباح، أدركت الألعاب أن المدينة لن تنام ما دام هناك طفل يفتح كتاباً، ويمنح الكلمات صوته، ويمنح الشخصيات وقتاً لتعيش.
حالما كتب النقطة الأخيرة، دقت الساعة الكبرى اثنتي عشرة دقة، وانفجرت السماء بألوان الفجر.
تدفقت أشعة ذهبية فوق الأبراج والبيوت، وتحولت السحابة السوداء إلى سرب من الطيور البيضاء، واندفعت القطارات في سككها، ودارت الدوامات، وارتفعت الطائرات الورقية حتى لامست الغيوم.
في الساحة الكبرى، أقامت الألعاب احتفالاً لعبدالله؛ عزفت الدببة على الطبول، ونثرت الدمى قصاصات ملونة، وسارت الروبوتات في موكب طويل وهي ترفع كتباً صغيرة فوق رؤوسها.
قدمت ليان لعبدالله مفتاحاً فضياً يشبه مفتاحها.
قالت:
هذا مفتاح مدينة الألعاب، لكنه لن يفتح البوابة إلا حين تقرأ.
سأل عبدالله:
وهل ستنام المدينة مرة أخرى؟
أجابت:
كل المدن تنام، لكن النوم ليس خطراً ما دام هناك من يعرف كيف يوقظها.
عندما عاد عبدالله إلى المخزن، كانت الكهرباء قد عادت، ولم يمر في البيت سوى دقائق قليلة، رغم أن رحلته بدت كأنها استغرقت ليلة كاملة.
أغلق باب المخزن، ثم حمل الكتاب الأخضر إلى غرفته، ووضعه قرب وسادته، لكنه لم ينم قبل أن يقرأ فصلاً آخر.
وفي اللحظة التي قلب فيها الصفحة، سمع من داخل خزانة ألعابه صفيراً صغيراً، ثم صوت عجلات تتحرك في الظلام.
ابتسم عبدالله، وواصل القراءة.
منذ تلك الليلة، لم يعد عبدالله يعد الصفحات ليرى كم بقي منها، بل صار يقرأ ليرى كم باباً ستفتحه، وكم مدينة ستضيء، وكم شخصية ستنهض من سكون الحبر لتسير بجواره.
فالكتاب المغلق ليس سوى مدينة نائمة، تبدو صامتة من الخارج، بينما تنتظر في داخلها أصوات وألوان وطرق لا تنتهي، ولا تحتاج كي تستيقظ إلا إلى قارئ يمد يده نحو الصفحة الأولى، ثم يملك الشجاعة ليواصل الطريق، حكاية عطر الذكريات قصة صانع العطور الذي أعاد طفولة الجميع وعجز عن استعادة طفولته من هنا.
