الطريق الذي ابتلعه البياض، لم تكن النشرة الجوية قد توقعت سوى تساقط خفيف للثلوج، لذلك تجاهلت ليلى تحذير صاحب محطة الوقود عند سفح الجبل، ومضت تقود سيارتها الرمادية نحو قرية وادي السرو، حيث تنتظرها مهمة تصوير قصيرة لأحد المنتجعات الجديدة.
كان الهواء في البداية صافيا، والشمس الشتوية شاحبة كقطعة فضة باردة، لكن الغيوم هبطت سريعا من قمم الجبال، وابتلعت الطريق كما يبتلع الحبر سطرا مرتجفا فوق ورقة بيضاء، بعد أقل من ساعة، اختفت العلامات المرورية تحت الثلج، وصار ضوء المصابيح الأمامية يرتد عن ستار أبيض كثيف، حتى بدا لها أنها لا تقود إلى الأمام، بل تغوص داخل حلم بلا أبواب.
تشبثت بالمقود وهي تحاول تهدئة أنفاسها، غير أن إطارات السيارة انزلقت عند المنعطف الأخير، فدارت المركبة نصف دورة قبل أن تستقر مقدمتها في كومة من الثلج المتراكم، ضغطت دواسة الوقود مرارا، فزأر المحرك عبثا، وتناثرت حبات الثلج من أسفل العجلات دون أن تتحرك السيارة شبرا واحدا، بينما كانت الريح تضرب الهيكل المعدني كقبضات غاضبة.
أمسكت هاتفها فلم تجد إشارة، وحاولت فتح تطبيق الخرائط فلم تجد سوى دائرة صغيرة تدور بلا نهاية، كأن العالم نفسه قد نسي موضعها، ترجلت من السيارة وهي ترتدي معطفا صوفيا لم يكن معدا لمواجهة عاصفة جبلية، فصفعها البرد بقسوة، وتسرب إلى عنقها وأطراف أصابعها قبل أن تتمكن من إحكام وشاحها.
كانت على وشك العودة إلى المقعد والاحتماء بالسيارة حين لمحت بين الأشجار ضوءا أصفر خافتا، يلوح ثم يختفي خلف أغصان الصنوبر المتمايلة، اتبعت الضوء وهي ترفع ذراعها أمام وجهها، وتغوص قدماها في الثلج حتى الكاحلين، وكل خطوة منها كانت تفتح في ذاكرتها ممرا قديما لم ترغب يوما في عبوره، فهي تعرف ذلك السفح، وتعرف انحناءة الطريق، وتعرف الكوخ الخشبي القائم وراء الأشجار، حتى إن قلبها تعرف إليه قبل أن تراه عيناها.
وجه عند باب الماضي
وصلت ليلى إلى الشرفة الخشبية وهي تلهث، ورفعت قبضتها لتطرق الباب، لكنه انفتح قبل أن تلامسه أصابعها، وانسكب ضوء المصباح فوق وجهها الشاحب، وقف آدم أمامها مرتديا سترة داكنة، وقد غزا الشيب الخفيف جانبي شعره، إلا أن عينيه بقيتا كما كانتا، بلون العسل المحروق، هادئتين من الخارج، وممتلئتين بما لا يقال.
ظل كل منهما يحدق في الآخر لحظات طويلة، بينما كانت الريح تزأر خلف ليلى وتشد طرف معطفها كأنها تحاول انتزاعها من العتبة، قال آدم أخيرا بصوت منخفض: ليلى؟ لم تعرف لماذا جرحها سماع اسمها على لسانه بتلك الطريقة، كأن الأعوام الثلاثة ذابت فجأة، فعادت المرأة التي كانت تنتظر صوته في المساء وتقرأ في نبرته مزاج يومها كله.
أجابته وقد التصقت أسنانها من البرد بأن سيارتها تعطلت ولم تجد مكانا آخر، فنظر خلفها إلى الطريق المختفي، ثم أزاح جسده عن المدخل قائلا لها أن تدخل قبل أن تتجمد، خطت إلى الداخل فلفحها دفء الموقد ورائحة خشب الأرز المحترق، وتوقفت قدماها فوق السجادة ذاتها التي اختاراها معا قبل أربعة أعوام من متجر صغير في المدينة.
لم يتغير الكوخ كثيرا، فما زالت الرفوف تحمل الكتب القديمة، وما زالت الصور الجبلية معلقة قرب المدفأة، وما زال المقعد الجلدي البني في الزاوية يحتفظ بالخدش الذي صنعته خاتمها ذات شتاء بعيد، أخبرها آدم وهو يغلق الباب بإحكام أن العاصفة ستشتد خلال الساعات القادمة، وأن الطريق غير صالح للقيادة، فقالت إنها ستغادر حالما يهدأ الطقس، فأجابها أن ذلك قد لا يحدث قبل ثلاثة أيام، استدارت إليه بسرعة فوجدته يراقبها بصمت، وبينهما اشتعلت نار الموقد كأنها الشاهد الوحيد الذي يعرف كم يمكن لثلاثة أيام أن تكون أطول من ثلاث سنوات.
كوخ لا يعرف النسيان
أعطاها آدم منشفة جافة وسترة صوفية واسعة، ثم أشار إلى الغرفة العلوية موضحا أنها ما زالت صالحة للنوم، من غير أن يذكر أنها كانت غرفتهما يوما، ولا أنها شهدت آخر ليلة جمعتهما قبل أن ينكسر كل شيء.
صعدت ليلى الدرج ببطء، وكل درجة تصدر صريرا مألوفا يضغط على موضع خفي في صدرها، حتى وصلت إلى الغرفة وفتحت بابها بحذر يشبه حذر من يدخل مقبرة، كان السرير في مكانه تعلوه بطانية زرقاء داكنة، والستائر القطنية ما زالت تحمل نقوش أوراق القيقب التي اختارتها بنفسها، فيما بقيت مزهرية خزفية فارغة فوق الطاولة المجاورة.
وضعت حقيبتها عند السرير ثم مشت نحو النافذة، فمسحت بطرف كفها طبقة البخار المتكونة على الزجاج، ورأت العالم في الخارج وقد تحول إلى صحراء بيضاء بلا حدود، على حافة النافذة وجدت خدشا صغيرا محفورا في الخشب، حرفا اسميهما متداخلان، وتحت الحرفين تاريخ اليوم الذي اشتريا فيه الكوخ معا.
مررت إصبعها فوق الحفر، فصعدت إلى أنفها رائحة قهوة قديمة ومطر صيفي، وسمعت في ذاكرتها ضحكة آدم وهو يقول إنهما سيكبران هنا بعيدا عن ضوضاء المدينة وأبوابها المغلقة، سحبت يدها بسرعة كأن الخشب أحرقها، واتجهت إلى المرآة، فرأت امرأة مختلفة عن تلك التي غادرت المكان قبل ثلاثة أعوام، وجه أكثر هدوءا، ونظرة أكثر تعبا، وخطا دقيقا قرب الفم لم يكن موجودا آنذاك، لكنها تحت تلك الطبقات كلها رأت الفتاة ذاتها التي وقفت في هذه الغرفة تنتظر رجلا لم يأت في الموعد الذي وعدها فيه بأن يختارا خاتم خطبتهما.
عشاء على حافة الصمت
حين نزلت إلى الطابق السفلي، كان آدم يعد الحساء في المطبخ، وقد لف عنقه بقطعة قماش رمادية، ورفع أكمام قميصه إلى ساعديه بالطريقة نفسها التي كانت تربكها قديما، وضعت السترة المبتلة قرب المدفأة، وجلست إلى الطاولة، فيما كان وقع الملعقة على القدر هو الصوت الوحيد بينهما، إلى جانب صفير الريح واحتكاك الأغصان بالجدران.
قالت بعد تردد إنها لم تكن تعلم أنه ما زال يأتي إلى هنا، فأطفأ النار تحت القدر وظل ظهره مواجها لها، وأجابها أنه لم يكن يعلم أنها تتذكر الطريق، شعرت بالوخزة المختبئة في كلماته لكنها تماسكت، وأخبرته أن لديها عملا في المنتجع الجديد قرب القرية، ولم تخطط للوصول إلى هذا المكان، فرد بأنه هو الآخر لم يخطط لاستقبالها.
وضع أمامها طبقا من الحساء المتصاعد البخار، فرأت ملامحه جامدة، غير أن أصابعه كانت تقبض على طرف الطاولة بقوة تكشف ما حاول صوته إخفاءه، تذوقت الحساء فاجتاحها طعم الزعتر البري والعدس والدخان الخفيف، وهو الطعم ذاته الذي كان يعده لها في الليالي الباردة حين تعود منهكة من جلسات التصوير، لاحظت أنه ما زال يضع الكمون في النهاية، فأجابها دون أن ينظر إليها أن بعض العادات لا تموت بسهولة، فانسابت الجملة بينهما كتيار دافئ وخطير، فخفضت رأسها خائفة من أن يرى في وجهها أن بعض المشاعر لا تموت بسهولة أيضا.
بعد العشاء حاولت الاتصال بمكتبها من هاتف آدم المتصل بجهاز إرسال قديم، لكن الرياح كانت تشوش الإشارة، ولم تتمكن إلا من إرسال رسالة مقتضبة تؤكد أنها بخير، أخبرها آدم أن لديهما طعاما وحطبا يكفيان عدة أيام، لكن المولد يحتاج إلى ترشيد الوقود، فقالت إنها لا تحتاج إلى شيء كثير، فرفع حاجبه بنصف ابتسامة باردة وقال إنها لم تكن تحتاج إلى شيء كثير قط، أدركت أنه لا يتحدث عن الكهرباء، فطلبت منه ألا يبدأ، فأجابها أنه لم يبدأ شيئا، وأنها هي التي ظهرت على بابه بعد ثلاث سنوات وكأن الجبل قرر أن يسخر منه، قالت إنها ليست سعيدة بهذا أكثر منه، ثم ندمت على كلماتها حين رأته يشيح بوجهه، كأن كلامها لم يفاجئه بل أكد له شيئا كان يخشاه.
انسحبت إلى الغرفة العلوية، لكن النوم بقي بعيدا، وكانت الريح طوال الليل تهز النوافذ، فيما ظل سؤال واحد يهز قلبها بقوة أكبر، لماذا بدا آدم مجروحا وهو الذي اختار الرحيل أولا؟
الليلة التي عاد فيها الغضب
استيقظت ليلى قبيل الفجر على صوت ارتطام عنيف، تبعه انطفاء المصابيح، فجلست في فراشها مذعورة، ولم يبق في الغرفة سوى وهج الموقد البعيد المتسلل من أسفل الباب، خرجت إلى الممر فوجدت آدم يرتدي معطفه ويحمل مصباحا يدويا وفأسا صغيرة، بينما كان الهواء البارد يتسرب من ناحية المطبخ، أخبرها أن غصنا سقط على نافذة المخزن وكسر الزجاج، ويجب أن يغلقها قبل أن يتجمد المكان كله.
اقتربت منه ومدت يدها نحو معطفها لتساعده، فطلب منها البقاء في الداخل، فرفضت أن يعطيها أوامر، فأجابها بأنه لا يريد أن يقضي الصباح يبحث عنها تحت الثلج، فردت بأنها لا تريد أن تظل جالسة قرب النار بينما يخاطر وحده، فتح فمه ليجادلها لكنه تراجع، ثم ناولها قفازين سميكين وطلب منها ألا تبتعد عن الشرفة.
خرج الاثنان إلى العاصفة، فابتلعت الريح صوتهما، وكان الثلج يندفع أفقيا كالإبر، فيما راحت ليلى تمسك المصباح وتسلط ضوءه على النافذة المحطمة، عمل آدم على تثبيت لوح خشبي فوق الفتحة، إلا أن الريح انتزعت أحد المسامير من يده، فاندفع خلفه خطوتين، وانزلقت قدمه قرب حافة الشرفة، صرخت ليلى باسمه وأمسكت ذراعه قبل أن يسقط، لكن ثقل جسده جرها معه، فاصطدم كلاهما بالحاجز الخشبي، وبقيا للحظة متشبثين ببعضهما.
كان وجهه قريبا منها إلى حد أنها رأت قطرات الثلج تذوب فوق رموشه، وشعرت بأنفاسه الدافئة على خدها، فيما أحاطت ذراعه خصرها بقوة غريزية، لم يتحركا فورا، وبدا أن العاصفة كلها قد تراجعت إلى مكان بعيد، ولم يبق سوى صوت قلبيهما وهما يطرقان بابا ظنا أنه أغلق منذ سنوات، تركها آدم فجأة، وأدار وجهه نحو النافذة طالبا منها الدخول، فقالت إنها لم تكن لتتركه يسقط، فكرر طلبه بنبرة قاسية، لكنها رأت الارتجاف في يده، وعرفت أنه لم يكن خائفا من السقوط وحده، بل من تلك اللحظة التي أعادت جسديهما إلى ذاكرة لم ينجح أي منهما في محوها.
جرح لم يلتئم
بعد أن انتهيا من تثبيت اللوح، جلس آدم قرب الموقد يلف ضمادة حول كفه التي جرحها مسمار بارز، بينما أحضرت ليلى حقيبة الإسعافات وجلست قبالته، ومدت يدها طالبة منه أن يعطيها كفه، قال إنه يستطيع فعل ذلك بنفسه، فذكرته بأنه كان دائما سيئا في تضميد الجروح، فناولها يده على مضض.
فكت الضمادة المرتبكة، ونظفت الجرح بقطعة قطن مبللة، محاولة ألا تلاحظ كم تغيرت خشونة أصابعه، فارتعشت يده حين لامستها، فتوقفت قليلا ثم واصلت عملها بصمت، بينما كان وهج النار يصبغ بشرتهما بلون ذهبي خافت.
سألها فجأة لماذا لم تأت إلى محطة القطار، فتجمدت أصابعها فوق كفه ولم تفهم في البداية، أو ربما خافت أن تفهم، سحب يده منها ونهض متهما إياها بالتظاهر بعدم المعرفة، فوقفت هي أيضا وشعرت بحرارة الغضب تطرد البرد من جسدها، وذكرته بأنه هو من اختفى ليلة موعدهما، ثم أرسل إليها رسالة يقول فيها إنه غير مستعد لحياة مشتركة.
استدار إليها وقد انقبض فكه، ونفى أن يكون أرسل أي رسالة، فضحكت ضحكة قصيرة مرتبكة مؤكدة أنها رأتها على هاتفها وكانت من رقمه، أخبرها أن هاتفه سرق في ذلك اليوم، وأنه أبلغها بذلك في رسالة تركها لها في المعرض، يخبرها فيها أن والده أصيب بأزمة قلبية واضطر للسفر معه إلى العاصمة، طالبا منها أن تقابله في محطة القطار إن استطاعت.
هزت ليلى رأسها بقوة، وشعرت بالأرض تميل تحتها، وأخبرته أنها انتظرته في المطعم حتى منتصف الليل، واتصلت به عشرات المرات، ثم وصلتها رسالة تقول إنه كان يهرب من فكرة الزواج، فأجابها أنه انتظرها في المحطة حتى تحرك القطار، ساد الصمت، ولم يعد يسمع سوى فرقعة قطعة خشب داخل الموقد وانهيارها إلى جمرات حمراء.
قالت ليلى بصوت خافت إنها عادت بعد أربعة أيام فوجدت الكوخ مغلقا وشقته فارغة، فأخبرها أن أباه احتاج إلى جراحة عاجلة ثم توفي بعد أسبوعين، توقفت أنفاسها واتسعت عيناها، فهي لم تكن تعرف، طوال الأعوام الماضية تخيلته يعيش حياة أخرى في مدينة أخرى، ولم يخطر ببالها أنه كان يدفن أباه بينما كانت هي تدفن صورته في صناديق مغلقة.
همست معتذرة بأن أحدا لم يخبرها، فنظر نحو النافذة وشد كتفيه كمن يحاول حماية نفسه من ضربة متأخرة، وأخبرها أنه حين عاد حاول رؤيتها، لكن شقيقها أخبره أنها لا تريد سماع اسمه، وأنها خطبت لرجل آخر، شهقت ليلى وشحب وجهها ونفت أن تكون خطبت قط، التفت إليها ببطء، وفي عينيه اتسعت هوة السنوات كلها، وفي تلك اللحظة ظهر بينهما اسم واحد لم ينطقاه بعد، لكنه ملأ الغرفة ببرود أشد من برودة العاصفة، سامر، شقيق ليلى الأكبر، الذي لم يخف يوما رفضه لآدم.
الرسالة التي نامت خلف الجدار
لم تتمكن ليلى من الجلوس، فظلت واقفة قرب الطاولة، تحاول ترتيب التفاصيل التي اندفعت نحوها كقطع زجاج متناثرة، وكل واحدة منها تعكس وجها مختلفا للحقيقة، كان سامر يرى أن آدم، الرسام الذي يعيش من بيع لوحاته الموسمية، لا يليق بمستقبل شقيقته التي بدأت آنذاك تكتسب اسما في عالم التصوير، وقد دخل معه في مشادات عديدة لم تعرف ليلى تفاصيلها كاملة.
سألته إن كان يعتقد أن سامر أرسل الرسالة من هاتفه، فأجاب أنه لا يعرف، فسألته إن كان سامر أخبره أنها خطبت، فقال إنه ادعى أنها طلبت منه أن يمنعه من الاقتراب منها، وضعت كفيها فوق صدغيها، فكانت الكلمات تضغط على رأسها بقسوة، وسألته لماذا صدقه، فأجابها بنبرة مرة أن السبب نفسه هو الذي جعلها تصدق رسالة قاسية وصلت من رقمه، فقد كانا مجروحين وخائفين، وكان كبرياؤهما أسرع من أسئلتهما.
لم تستطع الرد، لأن كلماته أصابت الموضع الصحيح، فقد كانت تنتظر منه أن يهدم أبواب المدينة كي يصل إليها، بينما انتظر منها أن تعبر محطة القطار رغم كل شيء، تقدمت نحو النافذة، فرأت الثلج يغطي العالم، وبدت لها السنوات الماضية مشابهة لذلك البياض، طبقة كثيفة أخفت الطريق لكنها لم تمح ما كان تحته.
أخبرها آدم أن هناك شيئا آخر، وأنه قبل عام كان يصلح الجدار بعد تسرب المياه، ووجد ظرفا سقط خلف الألواح الخشبية، تقدم إلى خزانة صغيرة وأخرج منها صندوقا معدنيا، ثم وضعه فوق الطاولة وفتحه، فظهرت في داخله مجموعة مفاتيح قديمة وصور باهتة وظرف أصفر متآكل الحواف، عرفت ليلى خط آدم قبل أن يمد يده إليها، الحروف الطويلة المائلة التي كانت تراها أسفل بطاقات الهدايا وعلى هوامش كتبه، أمسكت الظرف بأصابع مرتعشة، ووجدت اسمها مكتوبا عليه، وتحت الاسم جملة صغيرة تقول: افتحيها قبل أن تحكمي علي.
اعتراف تأخر ثلاثة أعوام
أخرجت الورقة، وكانت مطوية مرتين، وقد اصفر طرفها بفعل الرطوبة، لكنها احتفظت برائحة خفيفة من الأرز والدخان، كأن الكوخ تنفس داخلها طوال السنوات الماضية، قرأت بصوت متقطع أن آدم كتب لها أن أباه بين الحياة والموت، وأنه لا يملك سوى أن يذهب معه، وأنه سينتظرها عند محطة القطار حتى التاسعة، وأن عليها أن تأتي إن استطاعت، وإن لم تستطع فلتنتظره هنا فسيعود.
ابتلعت دمعتها، وأكملت القراءة، فقد كتب أنه لا يخاف من المرض ولا السفر، بل يخاف أن تظن أنه هرب منها، وأنه اشترى الخاتم في ذلك الصباح، ووضعه في المكان الذي اتفقا أن يخفيا فيه رسائلهما، توقفت عن القراءة وسألته عن أي مكان يقصد، فأشار إلى حجر عريض قرب الموقد، كانا قد اكتشفا خلفه تجويفا صغيرا في أول شتاء قضياه داخل الكوخ، واتخذاه مخبأ للرسائل والهدايا البسيطة.
اقتربت ليلى من الحجر وجثت على ركبتيها، ثم حاولت سحبه، لكن الغبار والرطوبة ثبتاه في مكانه، فجاء آدم وجلس إلى جوارها، وتلامست كتفاهما حين دفعا الحجر معا، فتحرك أخيرا، وانكشفت خلفه فجوة مظلمة لم يكن فيها سوى علبة مخملية صغيرة غطاها الرماد، مد آدم يده لكنه توقف قبل أن يلمسها، وأخبرها أنه لم يفتحها منذ وضعها.
تناولت العلبة بيدين مرتجفتين، ورفعت غطاءها، فظهر خاتم رقيق تتوسطه قطعة صغيرة من حجر أزرق بلون السماء قبل هطول الثلج، لم يكن فاخرا، لكنه كان الخاتم ذاته الذي توقفت أمامه في واجهة متجر قديم، ثم ابتعدت مدعية أنها لم تعجب به حتى لا تثقل عليه بثمنه، انحدرت دمعة فوق خدها وسقطت على المخمل، فاعترفت أنها كانت تظن أنه لم يأت لأنه غير رأيه، فجلس قربها وأسند ظهره إلى الحائط، معترفا بأنه هو الآخر ظن أنها لم تأت لأنها غيرت رأيها.
بقي الخاتم بينهما، صغيرا ولامعا، يحمل في دائرته الضيقة ثلاثة أعوام من الوحدة وسوء الظن والكلمات التي قيلت بألسنة الآخرين، قالت إنه كان يمكن أن يبحثا عن بعضهما أكثر، فوافقها، وأضافت أنه كان يمكن أن يسألا قبل أن يصدقا، فوافقها مجددا، ثم قالت إنه كان يمكن أن ينقذا كل هذا الوقت، فأغمض عينيه لحظة وأجاب أنهما لا يمكنهما إنقاذ ما مضى، لكن يمكنهما أن يتوقفا عن إضاعته.
حين انطفأت النار
في المساء ازداد هبوب الريح، وبدأ الوقود في المولد ينفد، فاضطر آدم إلى إطفاء معظم المصابيح، ولم يبق في الكوخ سوى وهج الموقد وشمعتين فوق الطاولة، جلسا متقابلين على الأرض، وبينهما بطانية سميكة وكوبان من الشاي بالقرفة، وكانت المسافة التي تفصلهما أقل من ذراع، لكنها محملة بأعوام من الحذر.
حكت له ليلى عن السنوات التي تلت فراقهما، عن عملها الذي ازدهر حتى صار اسمها معروفا، وعن المدن التي زارتها، والغرف الفندقية التي بدت جميعها متشابهة حين تغلق الأبواب، واعترف آدم بأنه ترك الرسم بعد وفاة والده، ثم عاد إليه ببطء، لكنه لم يرسم وجها بشريا طوال ثلاث سنوات، لأن كل وجه كان ينتهي بملامحها مهما حاول تغييره.
سألته إن كان قد كرهها، فتأمل النار قبل أن يجيب بأنه حاول، فسألته إن كان قد نجح، فابتسم ابتسامة واهنة وقال إنه كان سيئا في ذلك، ضحكت ليلى للمرة الأولى منذ وصولها، فضحك معها، وكان صوتهما مترددا في البداية، ثم اتسع داخل الكوخ حتى بدا أن الجدران الخشبية نفسها قد تنفست براحة.
لكن النار بدأت تخفت فجأة، ونهض آدم ليضيف الحطب، فاكتشف أن الكمية القريبة من الموقد قد نفدت، وأن البقية محفوظة في المخزن الخارجي خلف الجدار الذي تضرر، حذرته ليلى من الخروج، لكنه أصر خشية أن تنخفض الحرارة بسرعة إن انطفأت النار، فاقترحت الانتظار حتى الصباح، فأجاب أن الصباح قد يكون أبرد، حين ارتدى معطفه، اعترضت طريقه مذكرة إياه أنه كاد يسقط في المرة السابقة، فأخبرها أنه سيربط حبلا حول خصره، فأصرت على مرافقته، فحاول ثنيها، لكنها قالت إنها لن تتركه يخرج إلى العاصفة وحده بعد أن عرفت أنهما فقدا بعضهما مرة بسبب أن كلا منهما واجه خوفه وحده.
ربط الحبل حول خصره وثبت طرفه في عمود الشرفة، بينما أمسكت ليلى به من الداخل، وراح يشق طريقه نحو المخزن تحت ضربات الريح، كان الضوء المتدلي من يده يتحرك وسط البياض، ثم اختفى فجأة خلف موجة كثيفة من الثلج، وتوقف الحبل عن الحركة، نادت باسمه فلم يصلها جواب.
خطوة خارج الخوف
شدت ليلى الحبل، فوجدته مرتخيا على نحو مفزع، ولم تفكر طويلا، لفت بطانية حول كتفيها، وأمسكت مصباحا آخر، ثم خرجت إلى العاصفة، كانت الريح تنتزع أنفاسها، والثلج يغطي آثار خطوات آدم فورا، لكنها تبعت الحبل حتى وصلت إلى جانب المخزن، حيث وجدته راكعا قرب جذع شجرة سقط أمام الباب، كان كتفه مصابا ووجهه متقلصا من الألم، إلا أنه حاول النهوض حين رآها، متسائلا لماذا خرجت، فصرخت وسط الريح أنه لم يجبها.
ساعدته على الوقوف، ولفت ذراعه حول كتفيها، ثم سارا ببطء نحو الكوخ، فيما كان الحبل يرسم لهما طريقا ضيقا داخل البياض، انزلقت ليلى مرتين، وفي المرة الثالثة كادت تسقط، لكن آدم شدها إليه رغم ألم كتفه، فالتصقا للحظة وسط العاصفة كما التصقا على الشرفة صباحا، أخبرها بصوت متقطع أنه لن يتركها تسقط، فأجابته أنها كذلك لن تتركه.
وصلا إلى الداخل بعد جهد، وأغلقا الباب، ثم انحنيا يلهثان، وقد التصقت ثيابهما المبللة بجسديهما، لكنهما كانا يضحكان، ضحكا عصبيا حرا، يشبه نجاة شخصين من غرق طويل، لم يحضرا الحطب، إلا أن آدم وجد بضع قطع قديمة خلف الموقد فأشعلاها، وجلسا تحت بطانية واحدة متلاصقين للحفاظ على الدفء، كان كتفه يؤلمه فأسند رأسه إلى الجدار، بينما وضعت ليلى كفها فوق صدره لتطمئن إلى انتظام أنفاسه، تحت أصابعها كان قلبه ينبض سريعا.
قالت بصوت بالكاد سمع إنها ظنت أنها ستفقده مرة أخرى، فرفع يده السليمة ولمس خصلة مبتلة عالقة على خدها، وأخبرها أنها هذه المرة عادت تبحث عنه، اقترب وجهه منها لكنه توقف قبل أن تلتقي شفتاهما، تاركا لها المسافة والقرار، كما لو أنه يعيد إليها حقا سلب منها منذ ثلاثة أعوام، أغمضت ليلى عينيها وقطعت المسافة بنفسها.
كانت القبلة الأولى بطيئة ومرتجفة، بطعم الشاي والقرفة والدموع، لا تشبه اندفاع العشاق في البدايات، بل تشبه عودة مسافرين إلى بيت نهبت نوافذه وبقي أساسه صامدا، حين ابتعدا، أسند آدم جبينه إلى جبينها، وقال إنه لا يريد أن تكون العاصفة سببا في قرار يندمان عليه عندما تشرق الشمس، أجابته وهي تنظر إليه بثبات أن العاصفة لم تخلق شيئا جديدا، بل أزالت فقط الثلج عما كان مدفونا.
صباح لا يشبه الوداع
في اليوم الثالث، هدأت الريح للمرة الأولى، وانشق الغيم عن ضوء ذهبي امتد فوق الجبل، فتحولت الثلوج المتراكمة إلى بحر من البلور يلمع تحت الشمس، وصلت فرق الإنقاذ بعد الظهيرة، وأخبرهما أحد الرجال أن الطريق سيفتح خلال ساعات، وأن بإمكانهما النزول مع القافلة إلى الوادي.
وقفت ليلى عند باب الكوخ مرتدية معطفها، وحقيبتها معلقة فوق كتفها، فيما كان آدم خلفها يحمل العلبة المخملية في يده، عاد الخوف إلى صدرها، لا بصورته القديمة الصاخبة، بل كهمسة خبيثة تسألها إن كان ما حدث داخل الكوخ سيذوب ما إن يعود كل منهما إلى حياته.
أخبرها آدم أن سيارتها ستنقل إلى القرية، وأنه يمكنه أن يوصلها إلى الفندق، فأومأت ثم نظرت نحو الطريق المفتوح ولم تتحرك، فسألها إن كانت خائفة، فابتسمت بحزن وقالت إنها كذلك جدا، فاعترف أنه أيضا خائف، كان اعترافه بسيطا، لكنه منحها شجاعة لم تمنحها إياها الوعود الكبيرة يوما، لأن الرجل الذي يقف أمامها لم يعد يدعي أنه يملك الإجابات كلها.
مد إليها العلبة لكنها لم تأخذها، وقالت إنها لا تريد أن يعودا إلى اللحظة التي توقفا عندها وكأن شيئا لم يحدث، ولا تريد خاتما يعوض السنوات، ولا وعدا يولد من الخوف من خسارة جديدة، بل تريد أن يتعرفا إلى بعضهما مرة أخرى بصدق هذه المرة، ظل آدم صامتا لحظة، ثم أغلق العلبة ووضعها في جيبه، وقال إنه إذن لن يطلب منها الزواج اليوم، بل سيطلب منها تناول العشاء معه مساء الجمعة، في مطعم لا يملكه أحد من أقاربها، وهاتفاهما سيبقيان فوق الطاولة أمامهما، ضحكت وشعرت أن شيئا ثقيلا غادر صدرها، وقالت إنها قد توافق، فأخبرها أن هذه ليست إجابة واضحة، فأجابته أنه سيتعلم الصبر، فأمسك يدها وقال إنه تعلمه ثلاث سنوات ولا يريد المزيد منه.
خرج الاثنان من الكوخ متجاورين، وبينما كانت أقدامهما تغوص في الثلج، لم يسر أحدهما أمام الآخر، ولم يبق أحدهما خلفه.
الجمعة الأولى
بعد أسبوع، جلست ليلى في مطعم صغير مطل على النهر، تراقب الثلج الخفيف يهطل خلف الزجاج، وقد وضعت هاتفها أمامها على الطاولة كما اتفقا، وصل آدم متأخرا سبع دقائق، يحمل باقة صغيرة من أزهار الشتاء البيضاء، وحين جلس لم يعتذر بحجج طويلة، بل قال ببساطة إن الحافلة تعطلت، ثم أراها رسالة أرسلها قبل الموعد، ابتسمت وهي تنظر إلى الشاشة، وقالت إنهما يبدوان يتعلمان، فأجاب أنه ببطء.
تحدثا طوال المساء عن أشياء لم يناقشاها حتى في سنوات حبهما الأولى، عن خوفه من الفقر، وعن حاجتها الدائمة إلى إثبات نجاحها، وعن الطريقة التي كان الصمت يتحول بها بينهما إلى سلاح، لم يحاولا إعادة الماضي، بل وضعاه أمامهما مثل خريطة قديمة، يدرسان الطرق التي أضلتهما، ويختاران مسارات جديدة أكثر وضوحا.
تكررت اللقاءات، ثم عادا إلى الكوخ في أوائل الربيع، وأصلحا النافذة المكسورة معا، ودهنا الجدار الذي أخفى الرسالة بلون أبيض دافئ، وفي الشتاء التالي، حين غطى الثلج الجبل من جديد، أشعل آدم الموقد، ووضع العلبة المخملية فوق الطاولة، لكنه لم يفتحها فورا، وقف أمام ليلى وقال إنه لا يريدها أن تقبل لأنهما نجيا من عاصفة، أو لأنهما يأسفان على سنوات مضت، بل يريدها أن تقبل لأنهما أمضيا عاما كاملا يختاران بعضهما كل يوم.
فتح العلبة فظهر الحجر الأزرق يلمع تحت ضوء النار، نظرت ليلى إلى الخاتم، ثم إلى الرجل الذي لم يعد شبحا من ماضيها، بل شريكا تعلم أن يسأل ويصغي ويبقى، مدت يدها إليه وقالت إن هذه المرة لم يرسل أحد الإجابة نيابة عنها، ألبسها الخاتم، وحين أحاط إصبعها، بدأت الثلوج تتساقط خارج النافذة في هدوء، من غير عاصفة ولا طرق مغلقة ولا خوف من الغياب.
اللوحة الموقعة
قبل زفافهما بأيام، دخلت ليلى مرسم آدم في الطابق العلوي من الكوخ، فوجدت لوحة كبيرة مغطاة بقماش أبيض، تفوح حولها رائحة الزيت والتربنتين والخشب، رفع آدم الغطاء، فظهرت أمامها صورة للكوخ ليلة العاصفة، النوافذ مضاءة وسط الثلج، وشخصان يقفان خلف الزجاج متقابلين، يفصل بينهما لهيب الموقد وتجمعهما دائرة واحدة من الضوء.
اقتربت ليلى من اللوحة، ولاحظت أن الجهة الخارجية غارقة في الأبيض والأزرق، بينما امتلأ الداخل بدرجات العسل والنحاس والبرتقالي، فسألته ماذا سماها، فأجاب أنه سماها شتاء دافئ، بحثت عن توقيعه في أسفل اللوحة فلم تجده، فالتفتت إليه مستفهمة، فناولها فرشاة رفيعة مبللة باللون الداكن، وأخبرها أنه لم يرسمها وحده.
أمسكت الفرشاة، وكتبت اسميهما في أسفل اللوحة، لا متداخلين كما حفراهما في الخشب قديما، بل متجاورين، واضحين، لكل منهما مساحته الخاصة، وبينهما خط واحد يصل ولا يقيد، علقا اللوحة فوق الموقد، في الموضع ذاته الذي نامت خلف جداره الرسالة ثلاثة أعوام، حتى صارت أول ما يراه الداخل إلى الكوخ وآخر ما يراه المغادر.
ومنذ ذلك الحين، كلما هبت الريح حول الجبل، لم تعد ليلى تسمع فيها صوت ليلة الفراق، بل صوت الباب وهو ينفتح أمام فرصة ثانية، ليست أكثر العلاقات هشاشة تلك التي ينطفئ فيها الحب، بل تلك التي يظل فيها حيا تحت ركام الصمت والكبرياء، ينتظر سؤالا صادقا كان يمكن أن يغير كل شيء.
وقد لا تعيد الحياة إلينا الأعوام التي أضعناها، لكنها تمنحنا أحيانا شتاء طويلا، وطريقا مغلقا، ومكانا لا نستطيع الهرب منه، كي نتعلم أخيرا أن القلوب لا تنقذها النيات وحدها، بل الكلمات التي نملك شجاعة قولها في وقتها، أما الدفء فلم يكن يوما في الموقد، ولا في البطانيات الثقيلة، ولا حتى في الجدران التي صدت العاصفة، بل كان في يدين اختارتا، بعد كل ما حدث، ألا تتركا بعضهما يسقط مرة أخرى.
