لغز الحجر الناطق كيف خدعت القرية أجيالا بصوت مزيف

الراوي
0

في الليلة التي اختفى فيها الحجر، استيقظت القرية على صوت أجراس المعبد تقرع من تلقاء نفسها، مع أن الريح كانت ساكنة، وأقسم الحارس العجوز أنه لم يقترب من حبالها، خرج الناس حفاة من بيوتهم، تتبعهم ظلال المصابيح المرتجفة، حتى بلغوا الساحة الكبرى، فوجدوا المنصة الحجرية فارغة كفم اقتلعت منه أسنانه، لم يكن الحجر الناطق مجرد صخرة أثرية تتوسط الساحة، بل كان القاضي الذي لا يهرم، واللسان الذي لا يتلعثم، والسلطة التي لم يجرؤ أحد على الاعتراض عليها، منذ مئات السنين كان المتخاصمون يقفون أمامه، يضع كل منهم يده على سطحه الأسود، وينتظر الجميع الصوت القادم من أعماقه، لكن في ذلك الصباح، لم يجد أهل القرية سوى حفنة تراب وأثر عجلات غائرة في الوحل وخيط أحمر ممزق يتمايل فوق مسمار صدئ، وللمرة الأولى منذ أجيال، لم يكن في القرية من يخبر الناس من الظالم ومن المظلوم.

حكاية لغز الحجر الناطق كيف خدعت القرية أجيالا بصوت مزيف


القرية التي كانت تنتظر حكم الحجر

كانت قرية السنديان محاطة بتلال جرداء تتدرج ألوانها من البني إلى الرمادي، وتنتشر بيوتها الطينية حول الساحة كما تنتظم قطع الشطرنج حول ملك صامت، وفي وسط الساحة ارتفع الحجر الناطق فوق منصة دائرية تحيط بها نقوش طمست بعض حروفها تحت أصابع السنين، كان الحجر بطول رجل جالس، أسود يميل إلى الزرقة، تتخلل سطحه عروق فضية تلمع إذا سقط عليها ضوء القمر، ولم يعرف أحد من نحت في مقدمته وجها غامض الملامح، ولا من حفر فوق قاعدته العبارة القديمة التي تقول من صمت أمامه نطق الحق عنه، كان أهل القرية يلجؤون إليه في كل خلاف صغيرا كان أم كبيرا، فمن اختلف مع جاره على شجرة تين حمل خصومته إليه، ومن اتهم تاجرا بالغش وقف أمامه، ومن تشاجر زوجان بسبب ميراث أو وعد منسي انتظرا حتى ينطق.

أول حكم في الصباح

في صباح كل يوم خميس كان شيخ الساحة عمران يفتح أبواب الساحة بعد شروق الشمس، فتدخل الخصومات كما تدخل قطعان الماشية إلى الحظيرة، ويقف إلى جوار الحجر ممسكا بعصاه الطويلة، ينادي أسماء المتخاصمين بصوت يابس، في أحد تلك الصباحات وقف الفلاح سالم أمام الخباز نجيب، ورائحة الدقيق المحترق عالقة في ثياب الخباز، والطين ملتصق بحواف عباءة الفلاح، رفع سالم كيسا صغيرا وهزه حتى سمع احتكاك الحبوب بداخله، وادعى أنه باع نجيب ثلاثين كيلة من القمح فلم يدفع له سوى ثمن عشرين، وأقسم الخباز أنه لم يستلم أكثر من عشرين وأن ميزان الفلاح هو الذي يخطئ، اقترب الرجلان ووضع كل منهما يده على سطح الحجر البارد، وساد صمت الساحة حتى صارت رفرفة جناح حمامة فوق السطح المقابل واضحة كصفقة يد، ثم اهتزت العروق الفضية وخرج صوت أجش لا يشبه صوت رجل ولا امرأة، يأمرهم بالبحث تحت مخزن الخباز لأن القمح لا يختفي حين تغلق الأبواب، جرى الناس إلى المخزن ورفعوا ألواحه الخشبية فوجدوا حفرة ممتلئة بأكياس أخفاها نجيب، وحين عادوا به إلى الساحة كان يجر قدميه وقد انطفأت حمرة وجهه، بينما أخذ الناس يتهامسون بإعجاب وخوف معا، منذ ذلك اليوم لم يسأل أحد كيف عرف الحجر، ولم يفكر أحد في البحث قبل أن يحكم، فالصوت وحده كان كافيا، واليقين السهل أراحهم من عبء الشك ومشقة التفكير.

عدالة لا تحتاج إلى عقول

بمرور السنوات صار أهل السنديان يرفعون إلى الحجر أمورا لا تستحق أكثر من جلسة قصيرة أو كلمة طيبة، اختلف صبيان على طائرة ورقية فوقفا أمامه، وتنازعت امرأتان على موضع جرة ماء فانتظرتا حكمه، وتشاجر رجلان لأن ظل حائط أحدهما سقط على أرض الآخر، كان الحجر ينطق فينفذ الناس، ثم ينصرفون راضين أو منكسرين، ولم يكن أحد يناقش الحكم لأن معارضة الحجر بدت لهم كمعارضة السماء نفسها، حتى الأطفال تعلموا أن يقولوا عند كل خصام سنأخذك إلى الحجر، وكانت هذه الجملة كافية لإغلاق الأفواه، لكنها لم تكن كافية لفتح القلوب.

ليلة الأثر الأحمر

قبل اختفاء الحجر بيوم واحد، وصلت إلى القرية قافلة غريبة عند الغروب، عرباتها مغطاة بأقمشة داكنة، ودوابها نحيلة يلمع العرق على ظهورها، ورجالها ملفوفو الوجوه بأوشحة حمراء لا تظهر منها سوى عيون شاحبة، زعم قائد القافلة أنه تاجر آثار يبحث عن أوان قديمة، وأنه سيبيت ليلة واحدة قرب البئر الغربية، لم يصدقه عمران تماما، لكنه لم يجد سببا لمنعه، خصوصا بعدما وضع الرجل في يده قطعة فضية ثقيلة.

ما رآه يامن خلف النافذة

عند منتصف الليل رأى صبي يدعى يامن، ابن صانع الفخار، خفيف النوم كثير الفضول، ظلين يتحركان قرب الساحة بعدما سمع صريرا يشبه صرير باب يفتح داخل الأرض، دفع نافذته الخشبية قليلا فتسلل البرد إلى وجهه، فرأى أربعة رجال يحيطون بالحجر وقد لفوا حوله حبالا غليظة، بينما كانت عربة منخفضة تنتظر عند طرف الساحة، وكان شيخ الساحة عمران واقفا معهم، مسح الصبي عينيه غير مصدق، ثم نظر من جديد، فرأى عمران يرفع مصباحا ويشير إلى قاعدة الحجر، فيما كان رجل من القافلة يطرق حولها بمطرقة مغطاة بالقماش حتى لا يعلو صوتها، سمع قائد القافلة يقول إن المعبد الشرقي سيدفع وزن هذا الحجر ذهبا، ورد عمران بصوت متردد أن يأخذوه قبل الفجر ولا يتركوا أثرا، وأنه سيقول إن لصوص الجبال فعلوها إذا سئل، تراجع يامن عن النافذة فاصطدمت قدمه بجرة صغيرة سقطت على الأرض، وارتفع صوت تحطمها في الغرفة، فالتفت أحد الرجال نحو البيت في اللحظة نفسها، اختبأ الصبي تحت فراشه واضعا يده على فمه، وسمع وقع أقدام تقترب ثم تتوقف خلف الباب، فحبس أنفاسه حتى أحس أن صدره سيشتعل، بعد لحظات طويلة ابتعدت الخطوات وعاد الصرير إلى الساحة، ولم يخرج يامن من مخبئه حتى انطفأ آخر مصباح.

صباح بلا صوت

مع الفجر كانت المنصة خالية، وكان عمران أول من صرخ مدعيا الصدمة، ضرب عصاه بالأرض وأمر بإغلاق بوابات القرية وتفتيش البيوت، بينما كان العرق يتجمع عند صدغيه رغم برودة الصباح، حاول يامن أن يقترب منه ويقول ما رآه، لكن الحارس دفعه بعيدا صائحا أن هذا ليس مكان الأطفال، وقف الصبي عند حافة الحشد يحدق في الخيط الأحمر المعلق بالمسمار، ثم نقل نظره إلى وشاح صغير أحمر يطل من جيب عمران قبل أن يخفيه الشيخ بسرعة، فأدرك يامن أن قول الحقيقة لن يكون سهلا، لأن الرجل الذي ينبغي أن يسمعها كان شريكا في الجريمة.

حين انكسر ميزان القرية

لم تمر ساعات على اختفاء الحجر حتى انفجرت أول خصومة، حين جاء سالم يطالب نجيب بكيس دقيق فرفض الخباز أن يعطيه شيئا، مدعيا أن حكم الحجر القديم لم يعد ملزما بعد زواله، تجمع الناس حولهما وكل واحد يصرخ برأي يخالف الآخر، فاقترح بعضهم ضرب نجيب، وطالب آخرون بحبس سالم لأنه يثير الفتنة، بينما وقف عمران عاجزا عن إسكات الأصوات، في المساء اختلف راعيان على ملكية نعجة بيضاء فشد كل منهما حبلها من جهة حتى سقطت المسكينة على ركبتيها، وفي السوق اتهمت امرأة بائع الزيت بأنه خفف بضاعته بالماء، فكسرت جراره قبل أن يتأكد أحد من صحة الاتهام.

خصومات تتكاثر كالنار

خلال ثلاثة أيام توقفت الطاحونة لأن عائلتين ادعتا ملكية مجرى الماء، ثم أغلق النجار دكانه بعدما اتهمه أحد الزبائن بسرقة قطعة فضة، فامتنع النجارون الآخرون عن العمل تضامنا معه، بدأ الناس يحملون العصي أثناء خروجهم، وصارت الأبواب تغلق قبل الغروب، حتى المخبز بات يبيع الخبز من نافذة صغيرة خوفا من أن يقتحم المتشاجرون المكان، أما عمران فجلس فوق منصة الحجر الفارغة يصدر الأحكام بنفسه، لكن الناس لم يروا في وجهه العابس تلك الهيبة التي كانوا يرونها في الصخرة السوداء، حين حكم لصالح أحد التجار صاح رجل من الحشد أنه دفع له كما دفع من قبله، وحين حكم لصالح امرأة فقيرة قال خصمها إنه يفعل ذلك ليبدو عادلا، كل حكم كان يولد خصومة جديدة، وكل محاولة لإخماد النزاع كانت تلقي مزيدا من الزيت فوقه.

البيت الذي انقسم نصفين

بلغت الفوضى ذروتها حين مات الحاج برهان، أقدم تجار القرية، تاركا بيتا واسعا وبستانا لابنيه رافع وحسان دون وصية مكتوبة، وكان كل واحد منهما يدعي أن أباه وعده بالنصيب الأكبر، دخل الأخوان البيت مع رجالهما، ورسم رافع خطا بالفحم يقسم الغرف، بينما وضع حسان حبالا في البستان ليحدد أشجاره، وبعد ساعات اقتلعا بابا لأن كل واحد منهما زعم أنه يقع في نصيبه، وقفت أمهما العجوز في الفناء تعصر طرف حجابها وتذكرهما بأن أباهما بنى البيت ليجمعهما لا ليصير سكينا بينهما، لكن رافع دفع أخاه فسقط حسان فوق جرة ماء تحطمت تحت كتفه، نهض والدم يسيل من ذراعه وأمسك فأسا كانت قرب الحائط، وفي تلك اللحظة اندفع يامن بينهما صائحا إن الحجر لم يكن يصنع العدل قط، وإنهم كانوا يخافون صوته فقط، تجمدت الوجوه ثم انفجر بعض الرجال ضاحكين، وقال عمران بازدراء إن هذه أمور الرجال وليست للصبيان، لكن أم برهان وضعت جسدها بين ابنيها، والتفتت إلى يامن وطلبت منه أن يتكلم، قائلة إن الصغار يرون أحيانا ما تعمى عنه عيون الكبار.

الصبي الذي اتهم شيخ الساحة

صعد يامن إلى المنصة الخالية وركبتاه ترتجفان حتى كاد يقع، ونظر إلى الوجوه المحيطة به فرأى الغضب والخوف والسخرية، لكنه رأى أيضا رغبة صامتة في سماع أي كلمة تنقذهم، أشار إلى عمران وقال إنه رآه ليلة السرقة مع رجال القافلة، وإنه هو من دلهم على موضع فك الحجر، ارتفعت شهقة بين الناس، فصرخ عمران أن الصبي كاذب يريد أن يغطي جريمة أبيه، لأن صانع الفخار مدين للتجار وربما باعهم الحجر بنفسه، تحولت الأنظار إلى والد يامن فتراجع خطوة وقد شحب وجهه، وعندها أخرج الصبي من جيبه قطعة قماش حمراء وجدها قرب المنصة، وأشار إلى طرف الوشاح المختبئ تحت عباءة عمران.

الدليل المدفون في بيت الشيخ

طلب يامن من الناس أن يفتشوا بيت عمران، وقال إن كان كاذبا فليحكموا عليه بما يريدون، تردد الناس لأن اقتحام بيت شيخ الساحة كان أمرا لم يتخيلوه يوما، لكن أم برهان تقدمت أولا متكئة على عصاها، وتبعها ابناها، ثم سار الحشد كله خلفها، وجدوا في مخزن عمران صندوقا جديدا لم تغطه ذرات الغبار كبقية الصناديق، وحين كسروا قفله ظهرت داخله قطع فضية وخريطة للطريق الشرقي ورسالة تحمل ختم تاجر الآثار، قرأ معلم القرية الرسالة بصوت مرتفع، وفيها أن بقية المكافأة ستدفع لشيخ السنديان حال وصول الحجر إلى المعبد القديم، ارتد عمران نحو الباب فوجد سالم ونجيب واقفين أمامه، وللمرة الأولى اتفق الخصمان على شيء واحد، قال عمران رافعا يديه إنه لم يرد إلا خير القرية، وإنهم كانوا سيبنون مدرسة ويرممون البئر، فسأله يامن لماذا إذن أخفى المال في بيته، فلم يجب الشيخ وانخفضت عيناه نحو الأرض، وسقطت هيبته كما تسقط قشرة جدار أكلته الرطوبة.

بداية الطريق إلى الحجر

عرف الناس من الرسالة أن القافلة اتجهت إلى المعبد الشرقي، بناء مهجور خلف وادي الصخور على مسيرة يومين، فاقترح بعض الرجال اللحاق بهم فورا واستعادة الحجر بالقوة، لكن المعلم صفوان تساءل عما سيتغير حتى لو أعادوه، ما دام الناس سيعودون لوضع أيديهم عليه وانتظار أن يحل كل خلاف نيابة عنهم، حين سأله أحدهم عمن سيحكم بينهم إذن، أجاب أنهم هم أنفسهم، إن تعلموا الاستماع قبل الصراخ، والبحث قبل الاتهام، والاعتراف قبل العقاب، سخر البعض من كلامه، لكن أم برهان هزت رأسها وقالت إن الحجر لم يمنع ابنيها من كراهية بعضهما، بل أجل اللحظة التي يضطران فيها إلى فهم بعضهما، قرر أهل القرية إرسال مجموعة صغيرة لاستعادة الحجر، واجتمعوا في الوقت نفسه للبحث عن طريقة جديدة للفصل في النزاعات.

مجلس السنديان الأول

جلس الناس في دائرة حول المنصة الفارغة، دون مقاعد مرتفعة أو عصا تضرب الأرض، واختاروا خمسة أشخاص مختلفين هم المعلم صفوان وأم برهان والفلاح سالم والنساجة ليلى والحداد مراد، قال صفوان إن كل خصم سيعرض حجته كاملة دون مقاطعة، ثم يقدم ما لديه من شهود أو أدلة، وبعدها يحاول المجلس الوصول إلى حل يعيد الحق ويمنع تكرار النزاع، لم تعجب الفكرة الجميع لأن الحديث أبطأ من الحكم المفاجئ، والبحث أصعب من انتظار صوت غامض، لكنهم لم يملكوا خيارا آخر.

قضية النعجة البيضاء

كانت أول قضية بين الراعيين فاضل وسمير، اللذين كاد نزاعهما يشعل قتالا بين عائلتيهما، أحضرا النعجة إلى الساحة، ووقف كل منهما يصف علامة يدعي أنها تثبت ملكيته، فأشار فاضل إلى شق في أذنها اليمنى صنعه بيده وهي صغيرة، بينما ادعى سمير أن الصوف فوق عنقها يحمل صبغته الزرقاء وأنه رباها منذ ولادتها، بدل أن يحكم المجلس سريعا، سأل عن الراعي الذي أشرف على ولادة القطيع، وعن مواضع الرعي، وعن سجل بيع الأغنام، وبعد ساعات تبين أن النعجة ولدت في قطيع فاضل، لكنها اختلطت بقطيع سمير خلال عاصفة، فاعتنى بها عاما كاملا دون أن يعرف حقيقتها، قالت أم برهان إن الملكية لفاضل، لكن تعب سمير لا يمحى كأنه لم يكن، فانتهى الحكم بأن تعود النعجة إلى فاضل ويدفع لسمير مقابل رعايتها، ويتقاسما حملها الأول إذا ولدت، خرج الرجلان غير سعيدين تماما، لكنهما لم يخرجا عدوين، وقال يامن وهو يراقبهما إن الحجر كان سيختار واحدا، أما هم فوجدوا حقا عند الاثنين.

اعتراف الخباز

جاءت بعدها قضية امرأة اتهمت نجيب الخباز بإنقاص وزن الأرغفة، فأحضر المجلس ميزانين وقاس عشرات الأرغفة أمام الناس، فوجد أن بعضها ناقص فعلا، انحنى نجيب واعترف أنه يقلل الوزن منذ ارتفع ثمن الحطب، خوفا من أن يرفع السعر فيكرهه الناس، فسرق منهم قليلا في كل رغيف، ساد الصمت، ثم قال سالم إن الحجر لو كان هنا لفضحه وعاقبه، أما الآن فعليه أن يخبرهم كيف سيصلح ما فعل، تعهد نجيب بإعادة الفارق خبزا للفقراء خلال شهر، وبوضع الميزان أمام المشترين كل صباح، لم يكن الاعتراف سهلا، لكنه كان أول اعتراف علني في القرية لا ينتزع بالخوف من صوت الحجر، وشيئا فشيئا بدأ أهل السنديان يفهمون أن العدالة ليست كلمة تسقط من السماء، بل عمل بطيء يتطلب ذاكرة وشجاعة وصبرا.

عودة القافلة دون الحجر

بعد ثلاثة أيام عاد الرجال الذين طاردوا القافلة، لكنهم لم يحملوا الحجر معهم، وكانت ثيابهم ممزقة ووجوههم مغطاة بغبار الطريق، فساروا إلى الساحة في صمت ثقيل، قال قائدهم مراد الحداد إنهم وجدوا العربة محطمة عند حافة الوادي، وأن رجال القافلة هربوا بينما سقط الحجر من فوق الجرف، اقترب الناس منه فسحب من كيسه شظية سوداء تتخللها عروق فضية، لا تكبر كف طفل، ومررها بينهم، وحين وصلت إلى يامن شعر ببرودتها تلتصق بجلده، انتظر الجميع أن يسمعوا صوتا، لكن الشظية بقيت صامتة.

السر داخل الحجر

قال مراد إنهم نزلوا إلى الوادي فوجدوه محطما إلى قطع، وفي جوفه وجدوا صندوقا معدنيا صغيرا صدئ الحواف وضعه فوق المنصة، فتح صفوان الغطاء بحذر فظهرت داخله أنابيب نحاسية وأوتار دقيقة وقرص حجري محفور بعلامات كثيرة، وبعد أن تفحص الجهاز طويلا رفع رأسه معلنا أن الصوت لم يكن سحرا، بل كان الحجر آلة، ارتفعت همهمة في الساحة، فشرح أن الأنابيب كانت تحمل الأصوات من حجرة أسفل المنصة، وأن شخصا مختبئا هناك يستطيع سماع المتخاصمين والتحدث من خلال الحجر، أما العروق الفضية فكانت تتحرك حين تدار عجلة صغيرة داخل القاعدة، صرخ رجل يسأل من كان يختبئ تحته، فقادهم صفوان إلى باب حجري خلف المعبد القديم عند طرف الساحة، وبعد إزالة التراب عثروا على ممر ضيق يصل إلى حجرة أسفل المنصة، وفيها سجلات قديمة كتبتها أجيال من شيوخ القرية، تحتوي على أسرار البيوت والديون والخصومات السابقة وشهادات الجيران، ومن خلالها كان شيخ الساحة يعرف الحقيقة أو يخمنها، ثم ينطق بالحكم من داخل الحجرة، نظر الجميع إلى عمران المقيد اليدين عند طرف الساحة، فاعترف بصوت مكسور أنه ورث السر عن أبيه كما ورثه أبوه عن جده، وأنه لم يصنع الحجر ولم يجرؤ على كشف حقيقته، حين سأله صفوان إن كانت كل أحكامه عادلة، أطرق عمران وقال لا، فمرت الكلمة فوق الساحة كريح باردة، وارتجفت معها ذكريات عشرات الأحكام التي لم يراجعها أحد.

آخر حكم للحجر الناطق

طالب بعض الناس بتحطيم الشظية الأخيرة وحرق السجلات، بينما أراد آخرون إعادة بناء الحجر واستعمال الآلة من جديد، واشتد الجدل حتى بدت الفوضى القديمة على وشك العودة، عندها صعد يامن إلى المنصة ووضع الشظية السوداء في موضع الحجر القديم، فلم يصدر عنها صوت ولم تتوهج عروقها الفضية، لكنها بدت شاهدا صغيرا على زمن كامل من الطاعة العمياء، قال الصبي إنهم يجب ألا يحطموها ولا يعيدوا بناءها، بل يتركوها لتذكرهم بما يحدث حين يعطون عقولهم لشيء لا يسألونه ولا يحاسبونه، وافقت أم برهان، ووضعت إلى جوار الشظية لوحا خشبيا كتبت عليه أن هنا كان حجر يتكلم، حتى تعلم الناس أن يصغوا.

الحكم على عمران

جلس المجلس للنظر في جريمة عمران، فطلب بعض الأهالي نفيه، وطالب آخرون بسجنه في المخزن الذي أخفى فيه المال، وقف عمران أمامهم دون عباءته الرسمية، باد أصغر سنا وأضعف مما عرفوه، واعترف أنه سرق الحجر بدافع الطمع، لكنه اعترف أيضا أنه استخدم سر الآلة سنوات ليحمي نفوذه ويخيف خصومه، حكم المجلس بإعادة كل الفضة إلى صندوق القرية، وإلزام عمران بالعمل في بناء المدرسة الجديدة دون أجر حتى يكتمل بناؤها، ومنعه من تولي أي منصب، وأمر بقراءة السجلات القديمة علنا لمراجعة الأحكام التي ثبت فسادها، لم يكن الحكم انتقاما، ولم يكن رحمة سهلة، بل كان محاولة لجعل العقوبة تصلح شيئا مما أفسدته الجريمة، رفع عمران رأسه ونظر إلى المنصة الفارغة، وقال إنه كان يظن أنه يتكلم بلسان الحجر، لكن الحجر كان يتكلم بضعفه هو.

البيت الذي عاد بيتا

أما رافع وحسان فعادا إلى قضية ميراثهما، لكنهما هذه المرة جلسا أمام المجلس بلا فؤوس ولا رجال، واستمع كل منهما إلى الآخر حتى النهاية، ظهرت ورقة قديمة بين أغراض أبيهما تثبت أن البستان اشتراه حسان بماله، بينما ساهم رافع في بناء البيت، فقسم المجلس الملكية وفق الحقوق المثبتة، وترك الفناء والبئر مشتركين بينهما، وحين اعترض رافع على مشاركة البئر، وضعت أمه يدها فوق كتفه وقالت إن الماء الذي يشربان منه واحد، فلا يجعلا الجدران أعمق من الدم، بعد أيام أعادا الباب الذي اقتلعاه، وعمل كل واحد منهما من جهة حتى التقى المسماران في الوسط.

حين صار الصمت بداية الكلام

مرت أعوام وتغيرت الساحة، فبنيت المدرسة في جانبها الشرقي، وزرعت حول المنصة أشجار صغيرة، وصار مجلس السنديان يجتمع مرتين في الأسبوع بدل انتظار يوم واحد للحكم، لم تختف الخصومات من القرية، فالناس ظلوا يختلفون ويغضبون ويخطئون، لكنهم لم يعودوا يسلمون مصائرهم لصوت مجهول، وتعلموا أن يطلبوا الدليل، وأن يمنحوا المتهم فرصة للكلام، وأن يبحثوا عن إصلاح الضرر لا عن إذلال المخطئ، كبر يامن وصار معلما في المدرسة التي بناها عمران بيديه، وكان يأخذ تلاميذه كل عام إلى الشظية السوداء فوق المنصة، ويروي لهم قصة الحجر الذي ظنه الناس حكيما، ذات مرة سأله طفل إن كان الحجر يكذب، فابتسم يامن وهو يمسح الغبار عن العروق الفضية، وقال إن الحجر لم يكذب ولم يصدق، بل هم من صدقوه دون أن يسألوا، ثم ابتعد الأطفال نحو المدرسة، وبقيت الشظية وحدها تحت شمس الظهيرة، صامتة كما ينبغي لكل حجر أن يكون، فليست أخطر القيود تلك التي تشد حول المعاصم، بل تلك التي يعتادها العقل حتى يظنها أمانا، وقد عاش أهل السنديان زمنا طويلا يهربون من مشقة الإنصاف إلى راحة الطاعة، حتى اكتشفوا أن العدالة لا تسكن الأحجار ولا الأصوات المهيبة، وإنما تنشأ حين يملك الإنسان شجاعة الشك وصبر الاستماع وصدق الاعتراف بالخطأ، وحين توقف الحجر عن الكلام، بدأت القرية أخيرا تفهم معنى الحوار.

التصنيفات:

إرسال تعليق

0 تعليقات
يُرجى عدم نشر تعليقات لا تحترم الشروط هنا, جميع التعليقات تخضع للمراجعة.
إرسال تعليق (0)

المحتوى

+

إقرأ أيضاً

يستخدم موقع Dseel.com ملفات تعريف الارتباط (Cookies) لضمان حصولك على أفضل تجربة إستخدام وتخصيص المحتوى المفضل للزوار, باستمرارك في تصفح الموقع، فإنك توافق على استخدامنا لها لمعرفة المزيد.