حكيم الجبل قصة صعود سنام السماء بحثا عن السعادة

الراوي
0

اللحظة المعلقة بين الحياة والهاوية، حين بلغ عبد الله تلك الحافة التي يفقد عندها الإنسان قدرته على التمييز بين الأرض والسماء، انشقت طبقة الجليد تحت قدمه، فانحدر جسده نحو الهاوية كما تنحدر حصاة صغيرة في بئر لا قرار له.

غرس فأسه الجليدي في السفح، فصرخ الحديد فوق الصخر، وتناثرت حول وجهه شظايا بيضاء لاذعة.

بقي معلقا بحبل رفيع، وتحته فراغ رمادي يبتلع الصوت والضوء، بينما كانت الريح تلطمه كأن الجبل نفسه يحاول انتزاعه من جلده.

رفع رأسه بصعوبة، فرأى على الحافة العليا رجلا مسنا يلفه رداء أسود، واقفا بلا حبل ولا فأس، وعلى كتفه غراب أبيض يحدق فيه بعينين حمراوين.

مد الرجل يده نحوه، وقال بصوت اخترق العاصفة دون أن يعلو:

إن كنت قد جئت تبحث عن السعادة، فاترك الحبل.

تجمد الدم في عروق عبد الله، ولم يعرف أيهما أشد رعبا، الهاوية المفتوحة تحته، أم هدوء الرجل الذي يطلب منه أن يسقط.

حكيم الجبل قصة صعود سنام السماء بحثا عن السعادة


الرجل الذي لم يعرف كيف يفرح

قبل سبعة أشهر من تلك اللحظة، كان عبد الله يعيش في مدينة لا تنام، بين أبراج زجاجية تعكس وجوه الناس دون أن تحفظ ملامحهم.

كان في التاسعة والعشرين من عمره، يملك متجرا ناجحا لبيع الأقمشة الشرقية، وشقة واسعة تطل على النهر، وخزانة تمتلئ بثياب لا يجد لها مناسبة حقيقية.

ومع كل ذلك، كان يستيقظ كل صباح شاعرا بأن حجرا باردا وضع داخل صدره أثناء نومه.

كان يسمع ضحكات زبائنه، ويراقب العشاق وهم يتشاجرون ثم يتصالحون عند الرصيف، ويرى الأطفال يركضون خلف أسراب الحمام، فيسأل نفسه كيف يلمس الآخرون الفرح بهذه البساطة، بينما يراه هو من خلف زجاج سميك.

لم يكن حزينا على نحو واضح، ولم تكن حياته قد أصابتها كارثة يستطيع أن يلقي عليها اللوم، فقد كانت أيامه جيدة في ظاهرها، لكن هذا الظاهر الناعم أخفى تحته فراغا يتسع كلما حاول ملأه.

اشترى أشياء جديدة، وسافر إلى مدن بعيدة، وجلس في مطاعم مرتفعة يقدم فيها الطعام على أطباق تشبه التحف، فكان الفرح يلمع أمامه للحظات ثم ينطفئ سريعا، تاركا في فمه مذاقا يشبه رماد ورقة محترقة.

بائع الخرائط العجوز

في مساء ممطر، دخل متجره رجل طاعن في السن، يرتدي معطفا بنيا تفوح منه رائحة التراب المبلل.

لم يشتر قماشا، بل ظل يتأمل عبد الله طويلا، كأن وجه الشاب خريطة ضاعت منها أسماء الطرق، وقال له:

لديك كل ما يحتاج إليه رجل سعيد، لكنك تنظر إليه كما ينظر السجين إلى أثاث زنزانته.

تصلبت ابتسامة عبد الله، فسأله بفتور إن كان يبيع السعادة أيضا أم جاء لشراء الحرير، فأخرج الرجل من جيبه قطعة جلد قديمة وفردها فوق الطاولة.

ظهرت عليها سلسلة جبال مرسومة بالحبر الأسود، وفي أقصى الشمال ارتفعت قمة مدببة يحيط بها رمز دائري غريب.

قال العجوز إن فوق جبل سنام السماء يعيش حكيم يقال إنه عرف السعادة التي لا تزول، وإن من يصعد إليه صادقا ويبلغ كوخه حيا، يسمع منه جوابا لا يحتاج بعده إلى سؤال.

ضحك عبد الله ضحكة جافة أقرب إلى سعال قصير، وحين رفع عينيه كان الرجل قد اتجه إلى الباب تاركا الخريطة فوق الطاولة.

ناداه عبد الله سائلا عن الثمن، فتوقف العجوز عند العتبة دون أن يلتفت، وأجاب:

الجبل سيأخذ ثمنه بنفسه.

الطريق إلى سنام السماء

لم ينم عبد الله تلك الليلة، وظل صوت المطر يطرق زجاج نافذته، فيما استقرت الخريطة على الطاولة أمامه كأنها كائن يتنفس في الظلام.

عند الفجر قرر أن يطويها ويحرقها، لكنه وجد يده تجمع بعض الثياب بدلا من ذلك، وبعد أسبوعين كان قد باع متجره لشريكه وأغلق شقته، وركب طائرة متجهة إلى أقصى الشمال.

وصل إلى قرية صغيرة عند سفح سلسلة جبلية ترتفع قممها خلف السحب، بيوتها من الحجر الداكن، تتصاعد من مداخنها خيوط دخان رفيعة سرعان ما تمزقها الريح.

حين أخبر أهل القرية باسم الجبل، انطفأت الأحاديث من حوله، فنظر الرجال إلى أحذيتهم، ورسمت النساء إشارات غامضة فوق صدورهن.

اقترب منه شيخ النزل وهمس أنه لا يوجد فوق سنام السماء سوى الثلج والعظام وما لا يحب البشر أن يروه، وحين سأله عن الحكيم أجابه وهو يغلق مصراع النافذة:

كل من يصعد يبحث عن رجل، وكل من يعود، إن عاد، يتحدث عن شيء آخر.

دليل يخشى القمة

استأجر عبد الله دليلا يدعى نادر، رجلا عريض الكتفين احترقت بشرته من انعكاس الشمس فوق الجليد، له عينان ساكنتان، وندبة طويلة تمتد من أذنه حتى ذقنه.

وافق نادر على مرافقته إلى ممر الغربان، لكنه رفض الاقتراب من القمة، وقال وهو يفحص الحبال إن معرفته لا تنفع بعد الممر، لأن الجبل هناك يغير طرقه، فقد يعود المرء إلى المكان نفسه مهما مشى إلى الأمام.

سأله عبد الله ساخرا إن كان الجبل يضلل الناس عمدا، فشد نادر عقدة الحبل بقوة وأجاب أن الجبال لا تفعل شيئا عمدا، وهذا ما يجعلها أكثر صدقا منهم.

بدآ الصعود مع أول ضوء، وكانت الثلوج في الأسفل لينة تئن تحت الأحذية، ثم قست الأرض شيئا فشيئا حتى صارت طبقة من الجليد الأزرق اللامع، تخفي تحتها شقوقا سوداء عميقة.

في اليوم الثالث عبرا جسرا من الثلج فوق هوة لا يظهر قاعها، وفي اليوم الخامس هبت عاصفة جعلت العالم كله صفحة بيضاء، فربط نادر نفسه بعبد الله حتى لا تبتلع الريح أحدهما منفردا.

كان عبد الله كلما سقط أو نزف أو اختنق من ندرة الهواء، يردد في داخله أن كل هذا سينتهي عندما يصل، متصورا الحكيم جالسا قرب نار دافئة، ينطق بجملة واحدة تفتح في صدره بابا سريا إلى الفرح.

ما يأخذه الجبل من الصاعدين

في الليلة السابعة احتميا داخل تجويف صخري ضيق، أشعلا مصباحا صغيرا وتقاسما حساء فاترا، بينما كانت الريح تعوي خارج المأوى كقطيع ذئاب يطوف حول فريسته.

أخرج عبد الله الخريطة الجلدية فوجد بقعة سوداء جديدة ظهرت قرب القمة، ومرر إصبعه فوقها فشعر بخشونة لم تكن موجودة من قبل.

رفع نادر المصباح وتأملها فشحب وجهه، وسأله من أين حصل عليها، فأخبره عبد الله عن بائع الخرائط، فصمت الدليل طويلا قبل أن يسأل عن ملامح الرجل.

وحين وصف له المعطف البني والعين اليسرى المغطاة بغشاوة بيضاء، تراجع نادر حتى اصطدم ظهره بالصخر، وقال بصوت خفيض إن ذلك الرجل مات قبل اثني عشر عاما، وإنه كان أباه.

أضاف أن أباه صعد يبحث عن الحكيم، وعاد بعد أربعين يوما وحيدا بلا أصابع في يده اليسرى، ولم يتحدث عما رآه، ثم مات بعد أشهر وهو يردد أنه لم يكن فوق الجبل أحد.

الليلة التي تكلم فيها الثلج

استيقظ عبد الله قبيل الفجر على صوت أمه تناديه، صوتا واضحا دافئا يأتي من خارج التجويف، رغم أنها ماتت منذ خمسة أعوام.

خرج مترنحا دون أن يرتدي معطفه كاملا، فرأى امرأة تقف على بعد خطوات، ينساب ثوبها الأبيض فوق الثلج، توليه ظهرها، وشعرها الأسود يهبط على كتفيها بالطريقة نفسها التي حفظها قلبه.

ناداها، فالتفتت ببطء، لكن وجهها لم يكن له عينان ولا فم، بل سطح أبيض أملس تتشقق بشرته الجليدية كلما اقترب منها.

اندفع نادر من خلفه، وألقى حبلا حول خصره، وجذبه بعنف إلى داخل التجويف، وفي اللحظة نفسها انهارت الأرض التي وقف عليها عبد الله، وانفتحت تحت قدميه هوة زرقاء.

بقي الاثنان صامتين حتى الصباح، ولم يسأل نادر عما رآه عبد الله، كأنه يعرف أن بعض الأسئلة تمنح الأوهام حياة أطول.

عند ممر الغربان توقف الدليل، وكان الممر شقا ضيقا بين جدارين شاهقين، تنتشر فوق صخوره ريشات بيضاء ملطخة ببقع حمراء.

فك نادر الحبل الذي يربطهما، وطلب من عبد الله أن يكمل وحده، فسأله لماذا لا يأتي معه، لعله يجد جوابا لما حدث لأبيه، فابتسم نادر بأسى وقال إنه قضى نصف عمره يصعد الجبل بحثا عن جواب أبيه، والنصف الآخر تعلم فيه أن يعيش من غيره.

ممر الغربان واختبار العابرين

دخل عبد الله الممر وحده، فاختفى صوت الريح فجأة، وصار الصمت كثيفا إلى درجة أنه سمع نبضه يرتطم بجدران صدره، واحتكاك الدم بعروقه، وطقطقة الجليد تحت طبقات الصخر.

بعد ساعة وصل إلى ساحة دائرية تتوسطها ثلاثة طرق لم تظهر على الخريطة، ولم يحمل أي منها علامة تدل على القمة.

عند مدخل الطريق الأول وجد صندوقا خشبيا مفتوحا يمتلئ بقطع الذهب، وفوق الطريق الثاني رأى باب متجره القديم، ومن خلف زجاجه وقف شريكه يعد نقودا كثيرة فيما اصطف الزبائن حتى نهاية الشارع، أما الطريق الثالث فكان مظلما لا يظهر في نهايته شيء.

اقترب من باب متجره، فسمع أصوات العاملين يذكرون اسمه بحسرة، ورأى صورته معلقة فوق المكتب، وقرأ تحتها عبارة تقول إنه المؤسس الذي اختفى سعيا وراء الوهم.

مد يده إلى المقبض، فتدفقت نحوه رائحة القهوة التي اعتاد شربها كل صباح، وشعر بدفء المدينة ونعومة فراشه وأمان الأيام المتشابهة، وكاد يفتح الباب.

ثم لاحظ أن صورته المعلقة لا تعكس وجهه الحالي، بل وجها أكبر سنا خاليا من أي تعبير، وكان الرجل في الصورة حيا لكنه بدا كمن مات دون أن يتوقف قلبه.

ترك المقبض، واختار الطريق المظلم.

الحقيبة التي صارت أثقل من صاحبها

ضاق الطريق واشتد انحداره، وصارت حقيبته تسحبه إلى الخلف، فأخرج منها بعض الطعام الفائض وألقاه، لكنه لم يشعر بخفة واضحة.

واصل الصعود، ثم تخلص من وعاء معدني وحبل احتياطي وكتاب كان يحمله ليقرأه أمام الحكيم، ومع ذلك بقي الحمل ثقيلا كأنه يمتلئ بالحجارة من تلقاء نفسه.

فتح الحقيبة مرة أخرى، فوجد في قاعها أشياء لم يضعها فيها، مفتاح متجره القديم، وساعة أبيه، ورسالة حب لم يرسلها، ومرآة صغيرة تعكس وجهه في أعمار مختلفة.

كلما لمس شيئا سمع صوتا من ماضيه، سمع أباه يقول إنه لم يصبح الرجل الذي توقعه، وسمع امرأة أحبها تسأله لماذا يعامل أيامه كأنها غرفة انتظار، وسمع صوته هو يعد نفسه بأن يبدأ الحياة الحقيقية عندما يصبح أكثر ثراء.

أغلق الحقيبة مذعورا، وحاول حملها فلم يستطع تحريكها، عندها فهم أن الجبل لم يكن يضع فيها الأشياء، بل كان يمنح ما يحمله داخله وزنا يمكن لكتفيه الشعور به.

ترك الحقيبة كلها خلفه، وأخذ فأسه وقارورة ماء صغيرة، وحين خطا دونها شعر لأول مرة أن جسده لا يصعد فقط، بل يتحرر.

حين صار الهواء أضيق من الخوف

فوق ارتفاع لم تعد الطيور تبلغه، بدأ الهواء ينسحب من رئتي عبد الله كما ينسحب الماء من إناء مشقوق، فكان يتوقف بعد كل عشر خطوات، يحني ظهره، ويفتح فمه باحثا عن نفس لا يأتي كاملا.

لم يعد يفكر في السعادة المطلقة، بل تقلصت أمنياته حتى صارت جرعة ماء لا تتجمد، وصخرة تحميه من الريح، وشهيقا واحدا لا يمزق صدره.

في اليوم الثاني عشر لمح آثار أقدام فوق الثلج، حافية ضيقة تتجه إلى القمة، لم تغطها الرياح رغم العاصفة المستمرة، فتبعها حتى وجد كوخا حجريا صغيرا عند قاعدة الجدار الأخير.

كان بابه مفتوحا، وفي داخله موقد مطفأ، وسرير خشبي، ووعاء واحد مقلوب فوق الطاولة، فنادى: أيها الحكيم

عاد صوته إليه مشوها، ثم سمع حركة خلفه، فالتفت ليرى الغراب الأبيض واقفا عند الباب وعلى منقاره قطرة دم.

طار الغراب نحو الجدار الجليدي، فتبعه عبد الله بعينيه، وهناك لمح الرجل ذا الرداء الأسود للمرة الأولى، واقفا على حافة شاهقة لا تقود إليها آثار.

الحكيم الذي طلب منه السقوط

حاول عبد الله بلوغ الرجل، فبدأ يتسلق الجدار الأخير، وكان الجليد أملس كمرآة باردة، وكل ضربة فأس تكشف تحته زرقة عميقة تشبه عينا مفتوحة.

في منتصف الصعود انكسرت إحدى المسامير التي تثبت حبله، فانزلق حتى الحافة التي بدأت عندها القصة، واستقر معلقا فوق الهاوية لا يحمل جسده سوى فأس مغروس بضع سنتيمترات داخل الجليد.

وقف الرجل فوقه وكرر طلبه أن يترك الحبل إن كان يبحث عن السعادة، فصرخ عبد الله متسائلا إن كان مجنونا، وأنه سيموت.

انحنى الرجل فانزلق غطاء رأسه، وظهر وجه نحيل تغطيه التجاعيد، وعينه اليسرى بيضاء معتمة، وهو يرتدي المعطف البني نفسه الذي رآه عبد الله في متجره.

أدرك عبد الله أنه بائع الخرائط، والد نادر، فابتسم الرجل وقال إنه الصورة التي حملها معه عبد الله عن رجل مات، وإن الجبل لا يصنع الأشباح بل يلبس ما يقدمه له الخائفون.

بدأ الفأس يتحرك داخل الجليد، وظهرت حوله شقوق دقيقة، فسأل عبد الله وهو يلهث عن مكان الحكيم، فأشار الرجل إلى يده الممسكة بالحبل، وقال إنه لن يستطيع لقاءه ما دام متشبثا به.

نظر عبد الله إلى الحبل، فرأى أنه لا يمتد إلى مسمار فوق الحافة كما ظن، بل يهبط من خصره إلى الأسفل، وينتهي بحقيبته القديمة المعلقة في شق بعيد، وكانت هي التي تسحبه نحو الهاوية.

رأى محتوياتها تتساقط منها، المفتاح والساعة والمرآة والرسالة وأكوام الذهب وصورة متجره، وأدرك أن حياته التي خشي فقدانها كانت تتحول إلى ثقل يجره نحو الموت.

فتح يده عن الحبل، فسقطت الحقيبة في الضباب، واختفى ثقلها، وارتفع جسده قليلا بفعل حبل الأمان الحقيقي المثبت عند خصره.

استجمع قوته، وغرس الفأس من جديد، وتسلق حتى تجاوز الحافة، فلما وصل لم يجد الرجل ولا الغراب، بل سهلا صغيرا من الثلج، وفي وسطه صخرة مستوية فوقها كأس من الماء لم يتجمد.

الجواب الموجود فوق القمة

جلس عبد الله قرب الصخرة، وشرب الماء ببطء، وكان لكل قطرة طعم لم يعرفه من قبل، طعم النجاة والعطش والبرد والمسافة الطويلة التي قطعها ليصل إليها.

انتظر ظهور الحكيم، فمرت ساعة ثم ساعتان، وبدأت الشمس تهبط خلف القمم، فاشتعل الأفق بلون نحاسي امتزج بزرقة الجليد، ولم يجد كوخا أو كهفا أو أثرا لإنسان.

لم يكن فوق أعلى الجبل سوى الصخرة والكأس وعمود حجري قصير نقشت عليه كلمات غطى نصفها الثلج، فمسح عبد الله الجليد بقفازه وقرأ أن الحكيم لا يقيم في القمة، وأن القمة لا تتسع إلا لمن وصل.

قلب الحجر فوجد على جانبه الآخر أسماء عشرات الصاعدين، وتحت كل اسم جملة قصيرة، كتب أحدهم أنه تعلم أن يطلب المعونة، وكتب آخر أنه سامح أخاه، وثالث أنه عاد إلى ابنته.

وفي أسفل الحجر وجد اسما محفورا حديثا لم يكسه الثلج بعد: عبد الله تعلم أن يكون حاضرا.

تراجع مذعورا، فلم يكن قد نقش اسمه، ولم يحمل أداة تستطيع الحفر في الصخر، وعندئذ سمع صوتا خلفه يقول إنه تأخر كثيرا.

استدار فرأى شيخا يجلس على الثلج، لم يكن غامضا ولا مهيبا، بل بدا كراع أنهكه العمر، بلحية قصيرة وثياب رمادية ممزقة عند الركبتين.

سأله عبد الله إن كان الحكيم، فهز الرجل كتفيه وقال إن القادمين يسمونه بما يحتاجون إلى العثور عليه.

جلس عبد الله أمامه، وتزاحمت في رأسه كل الأسئلة التي حفظها طوال الرحلة، ثم خرج أبسطها: ما السعادة المطلقة؟

مد الشيخ يده، وأخذ الكأس من فوق الصخرة، ثم قلبه، فسقطت منه قطرة واحدة تلألأت في ضوء الغروب قبل أن يغمرها الثلج، وطلب من عبد الله أن يريه أين ذهبت.

قال عبد الله إنها ذابت في الثلج، فسأله الشيخ إن كانت قد اختفت، فنظر عبد الله إلى الأرض وأجاب أن شكلها تغير فقط.

ابتسم الشيخ، وقال إنه يريد فرحا لا يتغير مع أنه يعيش في عالم لا يبقى فيه شيء على حاله، يريد أن يمسك القطرة ويحفظ لمعانها ويمنعها من السقوط، وحين يعجز عن ذلك يسمي نفسه تعيسا.

اعترض عبد الله أنه صعد كل هذه المسافة ليحصل على جواب لا على تشبيه، فأشار الشيخ إلى يديه المتشققتين، وسأله ماذا شعر حين أنقذه نادر من الهوة، فأجاب بالامتنان، وحين شرب بعد العطش، فأجاب بالراحة، وحين ترك حقيبته، فأجاب بالخفة، وحين ظن أنه سيموت، فصمت ثم قال إنه تمنى الحياة.

اقترب الشيخ منه حتى رأى عبد الله انعكاس الغروب في عينيه، وقال إن هذه هي الإجابة التي يبحث عنها، فقد مر بالسعادة مرات كثيرة أثناء صعوده، لكنه رفض الاعتراف بها لأنها لم تكن أبدية، وكان ينتظر فرحا عظيما فوق القمة، فداس أفراحا صغيرة في الطريق.

سأله عبد الله إن كان هذا يعني ألا وجود للسعادة المطلقة، فأجابه الشيخ أن يوجد حضور مطلق للحظة، أما السعادة فزائرة، ومن يفتح لها الباب حين تأتي، ويودعها حين ترحل، لا يعيش أسيرا لها.

النزول الذي أكمل الرحلة

حين استيقظ عبد الله في الصباح، لم يجد الشيخ، وكانت العاصفة قد هدأت، والسماء صافية حتى بدت النجوم فوقه كمسامير فضية مثبتة في قبة زرقاء داكنة.

بدأ النزول، لكنه اكتشف أن الرجوع أصعب من الصعود، فقد كانت عضلاته منهكة، وطعامه قليلا، وآثار الطريق قد اختفت تحت الثلج الجديد.

قرب ممر الغربان، سمع أنينا خافتا يأتي من شق صخري، فانحنى فرأى شابا غريبا عالقا بين كتلتين من الجليد، وقد انكسرت ساقه وتجمدت أطرافه.

كان يستطيع متابعة النزول والوصول إلى القرية قبل حلول عاصفة جديدة، أما إن توقف لإنقاذ الرجل فقد يضيعان معا، فرفع عينيه إلى السحب المتراكمة، وشعر بالخوف يشد معدته.

سأله المصاب إن كان قد بلغ القمة، فنظر عبد الله إلى الطريق خلفه، ثم إلى الحبل الملفوف حول كتفه، وأجاب أنه لم يبلغها إلا الآن.

ثبت الحبل، وسحب الرجل من الشق، وربط ساقه بلوحين اقتطعهما من فأس قديم وجده بين الصخور، ثم حمله على ظهره، وبدأ يهبط به خطوة بعد خطوة.

استغرقت المسافة التي قطعها منفردا في ساعات يوما كاملا وهو يحمل المصاب، كان يسقط ويزحف ثم ينهض، وكلما سأله الرجل لماذا يخاطر بنفسه، أجابه: لأنني هنا.

عند الغروب، ظهر نادر في طرف الوادي مع فريق إنقاذ، وركض نحو عبد الله، وحين رأى الرجل المصاب على ظهره، ساعده على إنزاله، ثم احتضنه دون كلمة.

نظر عبد الله إلى وجه نادر المتجمد بالقلق، وإلى الرجال الذين أسرعوا لتقديم الماء والغطاء، وفهم فجأة أن الجبل لم يمنحه سرا يحتفظ به، بل أعاده قادرا على رؤية ما كان أمامه دائما.

عودة رجل مختلف إلى المدينة

بعد أشهر، عاد عبد الله إلى مدينته، ولم يشتر متجره من جديد، ولم يهجر التجارة تماما، بل افتتح محلا صغيرا لصناعة الحقائب وإصلاحها، وعلق فوق بابه فأسه الجليدي القديم.

كان الزبائن يسألونه عن الندوب في يديه، فيروي لهم أحيانا عن الجبل، لكنه لم يتحدث عن شيخ أو شبح أو حجر يعرف أسماء القادمين، وكان يقول إن الهواء في القمة قليل، ولهذا لا تحتمل الحقيقة هناك كلمات كثيرة.

ذات صباح، دخل صبي يحمل حقيبة مدرسية ممزقة، ووضعها أمامه بحزن، فأصلحها عبد الله، وحين سأله الصبي عن الثمن، أشار إلى سرب حمام يتجمع خارج المتجر، وطلب منه أن يطعمه حفنة قمح ليكونا قد تعادلا.

خرج الصبي راكضا، وانفجر الحمام حوله كغيمة من الأجنحة، ووقف عبد الله عند الباب، وشعر بدفء الشمس على وجهه، وبرائحة الخبز من المخبز المجاور، وبألم خفيف في كتفه القديم.

لم يكن سعيدا سعادة كاملة، كان يحمل حزنا على أمه، وندما على أعوام ضاعت، وخوفا من أيام لا يعرفها، لكنه لم يعد يطالب اللحظة بأن تكون خالية من الألم حتى يعترف بجمالها.

وفي مساء شتوي، دخل متجره شاب أنيق ذو عينين متعبتين، وقال إنه سمع عن حكيم يعيش فوق أعلى جبل في العالم.

حدق عبد الله فيه طويلا، ثم أخرج من درج الطاولة قطعة جلد قديمة، كانت قد ظهرت أمام بابه ذات صباح دون أن يعرف من تركها، وفرد الخريطة، ودفعها نحو الشاب.

سأله الشاب عن ثمنها، فابتسم عبد الله، وقد فهم أخيرا لماذا قال له بائع الخرائط تلك العبارة قبل زمن بعيد:

الجبل سيأخذ ثمنه بنفسه.

ظل سنام السماء مرتفعا في أقصى الشمال، تتبدل فوقه الفصول، وتضيع على منحدراته آثار الصاعدين، ولم يعرف أحد على وجه اليقين إن كان الحكيم رجلا يعيش هناك، أم صوتا يولد داخل الإنسان حين تنقطع عنه ضوضاء العالم.

أما عبد الله، فلم يعد يبحث عن يوم لا يزوره فيه الحزن، ولا عن فرح يستطيع حبسه إلى الأبد، بل صار يستقبل لحظاته كما يستقبل المسافر بيوت الطريق، يشعل نارا قصيرة، ويشارك خبزه، ثم يمضي حين يحين الرحيل.

فبعض الناس يصعدون الجبال ليصلوا إلى القمم، وبعضهم يصعدونها كي يدركوا أن الحياة لم تكن تنتظرهم هناك، بل كانت تسير إلى جوارهم منذ الخطوة الأولى.

التصنيفات:

إرسال تعليق

0 تعليقات
يُرجى عدم نشر تعليقات لا تحترم الشروط هنا, جميع التعليقات تخضع للمراجعة.
إرسال تعليق (0)

المحتوى

+

إقرأ أيضاً

يستخدم موقع Dseel.com ملفات تعريف الارتباط (Cookies) لضمان حصولك على أفضل تجربة إستخدام وتخصيص المحتوى المفضل للزوار, باستمرارك في تصفح الموقع، فإنك توافق على استخدامنا لها لمعرفة المزيد.