في الصباح الذي تلألأت فيه مياه الخليج كأنها صفحة من زجاج أزرق، كان الجميع يستعد لرحلة طال انتظارها نحو الشعاب المرجانية.
غير أن أكثرهم حماسًا لم يكن الحوت الصغير ولا السلحفاة السريعة، بل أخطبوط يُدعى أوكتو، يحمل بين أذرعه الثمانية أكياسًا ممتلئة بأحذية جديدة، ويبتسم بثقة من يظن أنه استعد لكل الاحتمالات، بينما كانت أول خيوط الفوضى تنسج نفسها بصمت بين أربطة لم تُربط بعد.
أربعة أزواج من الأحذية وبداية الحلم
ازدحمت سوق الأعماق بالألوان اللامعة، وكانت الأصداف تتلألأ على الرفوف بينما تتراقص أسراب الأسماك بين الممرات كأنها زينة احتفال كبير.
وقف أوكتو يتأمل صفوف الأحذية البحرية، وكل زوج يلمع بطريقة مختلفة، حتى انتهى به الأمر إلى شراء أربعة أزواج كاملة، مقتنعًا بأن لكل ذراعين حذاءً يليق بهما.
ضحك البائع وهو يسلّمه الأكياس قائلاً:
لن تكون هناك رحلة أكثر أناقة من رحلتك.
ابتسم أوكتو بفخر، ورد وهو يرفع إحدى أذرعه:
سأكون أول أخطبوط يرتدي جميع أحذيته في وقت واحد.
كان الحلم يبدو بسيطًا، وكانت الثقة تملأ قلبه كما تملأ المد والجزر تجاويف الصخور، لكن البحر كثيرًا ما يخفي اختباره الأصعب خلف أبسط التفاصيل.
لحظة الاستعداد الأخيرة
اصطف الفصل أمام بوابة الشعاب المرجانية، حيث كانت الأسماك الصغيرة تتبادل الضحكات، بينما يفحص المرشد أسماء المشاركين واحدًا تلو الآخر.
جلس أوكتو على صخرة ملساء بعيدًا قليلًا، وبدأ يربط أربطة أحذيته بعناية.
امتدت ذراع لتشد رباطًا، فتداخلت معها ذراع ثانية، ثم تدخلت ثالثة لتصحح الخطأ، فإذا بالرابعة تشد الطرف الآخر دون قصد.
وما هي إلا ثوانٍ حتى تحولت الأربطة إلى خطوط متقاطعة تشبه شبكة عنكبوت غرقت في دوامة بحرية.
عقدة تكبر مع كل محاولة
ارتفعت همسات زملائه عندما لاحظوا ارتباكه، ولوّحت السلحفاة الصغيرة بزعنفها قائلة:
هل تحتاج إلى مساعدة يا أوكتو؟
تجمد للحظة، وشعر بحرارة الخجل تتسلل إلى وجهه رغم برودة الماء.
هز رأسه سريعًا وقال بابتسامة مصطنعة:
لا، الأمر تحت السيطرة.
كانت الكلمات أكثر ثباتًا من يديه، أما أذرعه فكانت تتحرك بعجلة متزايدة، وكل محاولة لفك رباط كانت تُحكم ثلاثة أربطة أخرى، حتى بدا المشهد وكأن ثمانية أمواج تتصارع داخل عقدة واحدة لا نهاية لها.
الخجل يصنع متاهته الخاصة
كلما لمح نظرات زملائه، أسرع أكثر، فتتشابك الأربطة أكثر.
وكلما حاول إخفاء الفوضى خلف جسده، امتدت إحدى الأذرع تلقائيًا لتزيدها تعقيدًا.
تسللت الخيوط بين الأذرع، والتفت حول المعصمين، ثم عبرت من حذاء إلى آخر حتى صار من المستحيل معرفة أين يبدأ رباط وأين ينتهي آخر.
لم يعد يرتدي أربعة أزواج من الأحذية، بل يحمل كتلة بحرية معقودة تكاد تبتلع قدميه وأذرعه معًا.
بوابة الشعاب لا تنتظر أحدًا
كانت بوابة الشعاب المرجانية ترتفع كقوس طبيعي من المرجان الأحمر، تتراقص فوقه أشعة الشمس المتكسرة، بينما يفتح الحارس الممر لدخول التلاميذ واحدًا بعد آخر.
وحين جاء دور أوكتو، حاول التقدم خطوة واحدة فقط.
شدته العقدة إلى الخلف.
ثم حاول ثانية.
فسقطت الأحذية فوق بعضها، والتفت الأربطة حول ساقي السلطعون الواقف بقربه، وكادت تُسقط صندوق الأصداف الذي كان يحمله.
ساد الصمت، ثم توقفت حركة الصف بأكمله.
لم يعد أحد قادرًا على عبور البوابة، لأن الكتلة المتشابكة امتدت في الممر الضيق، فتحولت إلى حاجز حقيقي أغلق الطريق أمام الجميع.
حين قرر أن يطلب المساعدة
خفض أوكتو رأسه، ولم يعد يسمع إلا صوت الماء وهو يمر بين الشعاب، كأنه يهمس له بحقيقة كان يهرب منها منذ البداية.
تنفس ببطء، ثم قال بصوت خافت:
أظن، أنني أحتاج إلى مساعدتكم.
لم يسخر أحد.
اقتربت السلحفاة لتثبت أحد الأربطة، وأمسك السلطعون بطرف آخر بمخالبه الدقيقة، بينما رتبت نجمة البحر الخيوط المتشابكة بهدوء وصبر.
أما أوكتو، فاكتفى هذه المرة بأن يتبع التعليمات دون استعجال، حتى بدأت العقدة العملاقة تتفكك خيطًا بعد خيط، كأن البحر نفسه يزيل عنها سحرها.
وبداية درس لا يُنسى
ما إن انحل آخر رباط حتى عاد الممر مفتوحًا، وانعكس ضوء الشمس على الأحذية المرتبة في مشهد بدا أجمل من أي زينة اشتراها أوكتو.
عبر الفصل بوابة الشعاب وسط ضحكات دافئة، ولم يعد أحد يتذكر حجم العقدة بقدر ما تذكروا اللحظة التي مد فيها كل واحد يده ليساعد الآخر.
سار أوكتو بثبات، وكانت أذرعه تتحرك بانسجام هذه المرة، لا لتخفي الخطأ، بل لتشارك أصدقاءه فرحة الوصول.
وعندما وصلوا إلى قلب الشعاب المرجانية، اكتشف أن أجمل ما حمله في الرحلة لم يكن الأحذية الجديدة، بل الشجاعة التي وجدها في الاعتراف بحاجته إلى الآخرين.
ليست العقد التي تعيق الطريق دائمًا مصنوعة من الحبال، فبعضها يُنسج من الخجل والكبرياء والخوف من أن نبدو أقل كفاءة مما نظن.
وما إن نجرؤ على فتح الباب أمام يد تمتد بالمساعدة، حتى نكتشف أن أثقل العقد يمكن أن تنحل بخيط من الثقة، وأن الرحلات الأجمل لا نقطعها وحدنا، بل بصحبة قلوب تعرف أن التعاون ليس ضعفًا، بل صورة أخرى من صور القوة، قصة جامع الانصاف قصة مشوقة عن اسرار جمع انصاف الاشياء.
