في الساعة السادسة وسبع عشرة دقيقة صباحًا، تحرّك الطابور الشرقي ثلاثة أمتار من تلقاء نفسه، مع أن أبواب المصلحة الحكومية لم تكن قد فُتحت بعد، ومع أن الواقفين فيه كانوا جميعًا نائمين.
لم يتحرك الناس بأقدامهم، بل انسحب الرصيف من تحتهم في صمت؛ دارت البلاطات المعدنية كحزام ناقل بطيء، وارتجفت الحواجز النحاسية، ثم ابتلع الممر رجلًا عجوزًا كان يحمل الرقم 47 موروث منذ موت أبيه.
صرخ الرجل مرة واحدة، لا لأن الأرض انشقت، بل لأن الشاشة المعلقة فوق الطابور أضاءت باسمه للحظة، ثم محته كما تمحو الممحاة خطأً صغيرًا من دفتر حسابات.
كانت إسراء تقف في غرفة التحكم العليا، تشاهد النقطة الحمراء التي تمثل العجوز تنحرف عن المسار المرسوم، وتعبر إلى ممر لم يكن موجودًا في خرائط الجمهورية.
مدّت يدها نحو زر الإيقاف، إلا أن الشاشة سبقتها برسالة مقتضبة:
المسار يؤدي وظيفته كما صُمم.
عندها فقط أدركت أن الخطأ لم يكن في الطابور.
كان الخطأ في الغاية التي بُني من أجلها.
البلاد التي تقيس الناس بمقدار انتظارهم
لم تكن جمهورية الطوابير المتحركة تعرف الطبقات الاجتماعية بالأسماء القديمة؛ فلا أحد يُسمّى غنيًا أو فقيرًا، نافذًا أو مهمشًا، بل كان المواطن يُعرّف بطول الطابور الذي تسمح له الدولة بالوقوف فيه.
أصحاب الامتيازات العليا لا ينتظرون أكثر من سبع دقائق، ويقفون في ممرات مفروشة بخشب عطري، تمر فيها نسمات باردة تحمل رائحة القهوة، وتظهر في نهايتها نافذة الخدمة قبل أن يشعر المرء بوطأة الوقوف.
أما أصحاب الدرجات الوسطى، فيقضون ساعات تحت مصابيح بيضاء تطن كالحشرات، ويتقدمون كلما صدر رنين معدني، ثم يملؤون استمارة تثبت أنهم ما زالوا راغبين في الوصول.
وفي أسفل السلم، كانت هناك طوابير لا يظهر آخرها، ممرات تتلوى بين الأحياء والمصانع والحقول، ينام فيها الناس، ويتزوجون، وينجبون أطفالًا تُعلق أرقام الانتظار حول أعناقهم قبل تسجيل أسمائهم.
كان الرقم يُورث كما تورث البيوت القديمة والملامح والأمراض؛ فإذا مات الأب في الطابور، انتقل موضعه إلى أكبر أبنائه، بشرط ألا يطالب الابن بمعرفة الخدمة التي كان أبوه ينتظرها.
مهنة هندسة الانتظار
عملت إسراء مهندسةً لمسارات الانتظار في الهيئة المركزية لتنظيم الصبر، وكانت وظيفتها تصميم الطوابير بحيث يشعر المواطن بالحركة دون أن يقترب بالضرورة من النافذة.
درست زوايا الانعطاف التي تمنع الواقفين من رؤية نهاية الممر، وحددت المسافة المناسبة بين كل رنين وآخر، كما ابتكرت منعطفات تمنح الناس انطباعًا بأنهم تجاوزوا مرحلة مهمة.
كانت تعرف أن الإنسان يحتمل التأخير أكثر حين يرى الحاجز أمامه يتحرك، حتى لو كان الحاجز يدور به في دائرة واسعة تعيده إلى النقطة نفسها.
لهذا كانت خرائطها تشبه أمعاء مخلوق هائل؛ خطوط ملتفة، جيوب انتظار، غرف تهدئة، ممرات تتسع لتخفيف الغضب، ثم تضيق حتى ينسى الناس سبب صراخهم.
لم تكن إسراء فخورة بعملها، لكنها أقنعت نفسها سنوات طويلة بأنها تحمي البلاد من الفوضى، وأن الطابور، مهما طال، أكثر رحمة من التدافع عند نافذة واحدة.
كانت أمها تقول لها دائمًا:
الناس لا يثورون لأنهم ينتظرون، يا إسراء.
يثورون حين يعرفون أنهم ينتظرون بلا سبب.
ماتت الأم في طابور الدواء قبل خمسة أعوام، وبقي رقمها محفوظًا في درج المطبخ، إلى جوار علبة أقراص لم تصل إليها قط.
الممر الذي لا يظهر في الخرائط
بعد اختفاء الرجل العجوز، أعادت إسراء تسجيل المراقبة اثنتي عشرة مرة، وفي كل مرة كانت ترى البلاطة نفسها تنفتح تحت قدميه، ثم ينزلق جسده إلى جانب الطابور بدلًا من التقدم نحو مبنى الخدمة.
راجعت المخطط الأصلي، فوجدت المسار الشرقي ينتهي عند النافذة رقم تسعة، غير أن بيانات الحركة كشفت امتدادًا جانبيًا بطول غير قابل للقياس، يبدأ بعد الحاجز الرابع وينحدر أسفل المدينة.
لم يحمل الممر رمزًا هندسيًا أو رقم ترخيص، ولم يظهر في سجلات الصيانة، ومع ذلك كان يستهلك من شبكة الطاقة ما يكفي لتحريك نصف طوابير العاصمة.
اقتربت إسراء من الشاشة، وأدخلت صلاحيتها العليا، فظهرت عبارة حمراء على خلفية سوداء:
المسار صفر الوصول محظور بأمر التفتيش العام.
تحت العبارة ظهر اسم المفتش حمزة السالمي، الرجل الذي كانت صورته معلقة في كل مصلحة حكومية، مبتسمًا بوجه ضيق وعينين لا تعرفان الابتسام.
المفتش الذي لا ينتظر
كان حمزة رئيس جهاز سلامة الصفوف، وصاحب العبارة الشهيرة:
كل مواطن خارج طابوره مشروع فوضى.
لم يره أحد واقفًا في طابور قط؛ كانت الأبواب تفتح له قبل وصوله، والمصاعد تهبط إلى طابقه دون ضغط زر، حتى قيل إن الزمن نفسه يتنحى حين يعبر ممرًا.
استدعاها قبل الظهيرة، فدخلت مكتبه الواسع، حيث لم تكن هناك كراسٍ للزوار، بل علامات أقدام مرسومة على الأرض، كل علامة تبعد عن مكتبه مقدار رتبة صاحبها.
أشار إلى العلامة الأبعد، فوقفت عليها إسراء، بينما ظل هو يقلب ملفًا جلديًا دون أن يرفع عينيه.
قال بصوت هادئ:
حدث عطل بسيط في المسار الشرقي.
أريد تقريرًا يؤكد أن المواطن خرج من صفه بإرادته.
أجابته:
لم يخرج.
الأرض سحبته إلى ممر غير مسجل.
توقفت أصابعه فوق الورق، ثم قال:
الممرات غير المسجلة لا توجد.
لكنه استهلك طاقة، وسجّل حركة، وحذف اسم الرجل من النظام.
رفع حمزة رأسه أخيرًا، وكان في عينيه ذلك السكون الذي يسبق إغلاق باب حديدي.
قال:
بعض الأسماء تُحذف لأن أصحابها وصلوا.
سألته:
وصلوا إلى ماذا؟
ابتسم المفتش ابتسامة رقيقة، ثم أغلق الملف.
هذا السؤال، يا مهندسة إسراء، بداية طابور سيئ السمعة.
النزول إلى بطن المدينة
في تلك الليلة، عادت إسراء إلى الهيئة بعد انطفاء النوافذ، واستخدمت بطاقة صيانة قديمة كانت تخص زميلًا مات أثناء اختبار ممر سريع.
فتحت بابًا معدنيًا خلف غرفة المحولات، فنفث عليها هواء رطب تفوح منه رائحة الحديد والعرق والملابس المخزنة طويلًا.
هبطت سلمًا حلزونيًا لا يظهر في مخطط المبنى، وكلما نزلت درجة خفتت أصوات المدينة، حتى لم يبق سوى طقطقة آلية منتظمة تشبه عدّادًا يحصي أنفاس شخص يحتضر.
في الأسفل، وجدت الممر.
لم يكن ضيقًا كما توقعت، بل شارعًا كاملًا مدفونًا تحت العاصمة، يمتد في ظلام مصفر، تحيط به حواجز عالية وشاشات تعرض أرقامًا لم تتغير منذ عقود.
كان الناس يقفون فيه كتفًا إلى كتف، صفوفًا وراء صفوف، بعضهم شاب يحمل بطاقة رجل عجوز، وبعضهم طفل يجر صندوقًا خشبيًا فيه رقم جدته المتوفاة.
انتشرت بينهم روائح الحساء البارد والبطانيات الرطبة وشمع المصابيح، وكانت على الجدران خطوط بقلم الفحم تسجل مواليد ووفيات وأيامًا لم يعد أحد يعرف عددها.
أبناء الأرقام الموروثة
اقترب منها رجل نحيل، لحيته بيضاء إلا من خيط أسود عند الذقن، وعلى صدره بطاقة تحمل الرقم 1182 سلالة ثالثة.
سألها:
هل فُتحت النافذة؟
هزّت رأسها ببطء، فسقط الرجاء من وجهه كما يسقط الغبار عن ستارة قديمة.
قالت:
منذ متى أنتم هنا؟
أشار الرجل إلى صبي ينام عند قدمي امرأة، ثم قال:
جد ذلك الصبي دخل هذا الممر قبل أن تُولد أمه.
نحن لا نعرف السنوات، نعرف فقط عدد المنعطفات.
سألته عن الخدمة التي ينتظرونها، فضحك ضحكة جافة جعلت رؤوسًا كثيرة تلتفت نحوه.
قالوا لأبي إنها نافذة استرداد الحق.
أبي قال لي إنها نافذة إثبات الوجود.
وأنا قلت لابني إنها ربما نافذة الخروج.
مد يده نحو الظلام الممتد أمامهم.
لكننا لم نر موظفًا واحدًا، ولم نسمع إلا النداء الذي يطلب منا التقدم.
عندئذ دوّى رنين معدني بعيد، فتحرك الآلاف خطوة واحدة إلى الأمام، خطوة صغيرة متزامنة جعلت الأرض تهتز تحت قدمي إسراء.
بعد لحظات، انزلقت البلاطات في الاتجاه المعاكس، فعاد الجميع إلى أماكنهم دون أن يلاحظ أكثرهم ذلك.
شهقت إسراء، وحدقت في العلامة التي رسمتها بحذائها على الأرض؛ كانت أجساد المنتظرين تتحرك، لكن الممر يعيدهم إلى النقطة ذاتها.
لم يكن الطابور متوقفًا.
كان يتحرك كي يبقى ثابتًا.
المدينة الخفية داخل الانتظار
سارت إسراء بين الناس، فوجدت أن أجيالًا كاملة صنعت حياة داخل الممر؛ دكاكين صغيرة تبيع الحساء بالأرقام، مدارس تعلم الأطفال آداب الوقوف، وحلاقًا يقص الشعر بشرط ألا يغادر الزبون موضع قدميه.
كانت هناك لجنة للموالد، ولجنة للوفيات، ولجنة تفصل في النزاعات حول مسافة الشبر بين كل منتظر وآخر.
حتى الحب خضع لقوانين الصف؛ يتقدم الخاطب إلى عائلة الفتاة من الخلف، ويظل سنوات يقترب منهم منعطفًا بعد منعطف، فإن وصل إلى موضعهم عُدّ جديرًا بالزواج.
رأت إسراء امرأة عجوزًا تحتضن بطاقة معدنية صدئة، فجلست إلى جوارها وسألتها عن صاحب الرقم.
قالت العجوز:
كان زوجي.
مات قبل أربعين رنينًا كبيرًا، لكنهم أخبروني أن خروجه يلغي تقدم العائلة، فظللت أحمل رقمه.
ولماذا لم تتركي الطابور؟
حدقت المرأة إليها كما لو سألتها لماذا لا تترك جلدها.
إلى أين أذهب؟ في الخارج لا يعترفون بمن لا يحمل رقمًا نشطًا.
نحن هنا مواطنون منتظرون، أما خارجه فنصير أخطاءً إدارية.
السجل الذي يأكل الموتى
في منتصف الممر، وجدت إسراء غرفة زجاجية مهجورة، بداخلها جهاز تسجيل قديم يطبع أسماء المنتظرين على شرائط ورقية طويلة.
سحبت أحد الشرائط، فوجدت أسماء الآباء متصلة بأسماء الأبناء بخطوط سوداء، وكلما مات شخص انتقل رقمه تلقائيًا إلى وريثه، بينما تُضاف سنوات انتظاره إلى رصيد الدولة.
في أسفل كل صفحة ظهر بند يحمل عنوانًا غامضًا:
الطاقة المدنية المستخلصة.
كانت الأرقام ترتفع كلما طال انتظار المواطن؛ الغضب المؤجل، الأحلام المؤجلة، الشكاوى التي لم تُقدّم، والسنوات التي أُنفقت في الصف، كلها تتحول داخل النظام إلى وحدات قابلة للقياس.
أدركت إسراء أن الجمهورية لم تكن تدير الطوابير لتقديم الخدمات، بل لتجميع الصبر الإنساني كما تُجمع الضرائب.
كل دقيقة يقضيها المواطن في انتظار حقه تمنح السلطة دقيقة إضافية لا يُسأل فيها أحد عن ذلك الحق.
فتحت درجًا سفليًا، فعثرت على مخطط حديث يحمل ختم المفتش حمزة، وعنوانًا مكتوبًا بحروف سوداء سميكة:
مشروع الطابور الأبدي المرحلة النهائية.
مشروع امتصاص الغضب
بسطت إسراء المخطط فوق الطاولة، فظهرت العاصمة مقسمة إلى دوائر ضخمة، تتصل فيها طوابير الخبز والدواء والعمل والسكن والمحاكم بممر واحد ملتف حول البلاد.
وفق الخطة، لن تصل أي طوابير جديدة إلى نافذة، بل ستندمج جميعها في مسار دائري يتحرك باستمرار، بحيث ينتقل المحتجون تلقائيًا من الشوارع إلى صفوف منظمة.
احتوى المخطط على بوابات توزع الأرقام عند أول هتاف، وحواجز ترتفع من الأرصفة، ومكبرات صوت تعد الناس بأن دورهم قريب إذا حافظوا على الهدوء.
قرأَت إسراء ملاحظة بخط حمزة:
لا ينبغي قمع الاحتجاج؛ ينبغي منحه رقمًا.
تحت العبارة كانت هناك جداول تتنبأ بعدد السنوات اللازمة لتحويل أي ثورة إلى معاملة قيد المراجعة.
سمعت خلفها تصفيقًا بطيئًا، فالتفتت لتجد المفتش حمزة واقفًا عند باب الغرفة، تحيط به فرقة من الحراس ذوي الوجوه الخالية من التعبير.
قال:
كنت أعلم أنك ستصلين إلى هنا.
المهندس الجيد لا يقاوم الممرات السرية.
رفعت المخطط أمامه.
هؤلاء الناس ليسوا منتظرين.
إنهم محتجزون.
دخل حمزة الغرفة، ومسح بأصبعه غبارًا خفيفًا عن الجهاز.
الاحتجاز يحتاج إلى أبواب مغلقة، وهم يستطيعون المغادرة متى أرادوا.
أشارت إلى آلاف الوجوه خلف الزجاج.
ومن يغادر يُمحى اسمه.
قال بهدوء:
الاسم امتياز تنظيمي، وليس حقًا طبيعيًا.
حوار عند حافة الطابور الأبدي
خرجت إسراء من الغرفة، وتبعها حمزة إلى الممر، بينما بقي الحراس خلفه على مسافة محسوبة.
لم يتوقف الواقفون عن التقدم الوهمي؛ رنين، خطوة، ارتداد خفي، ثم انتظار جديد.
قال حمزة وهو ينظر إليهم:
أتظنين أن البلاد تستطيع احتمال رغباتهم دفعة واحدة؟ كل واحد هنا يريد بيتًا، وعلاجًا، وعدالة، ووظيفة، واعترافًا.
أي نافذة يمكنها منح كل ذلك؟
أجابته:
إذًا أخبرهم أن النافذة غير موجودة.
ابتسم.
الحقيقة تخرج الناس من طوابيرهم.
والخارجون من الطوابير لا يمكن التنبؤ بحركتهم.
أشار إلى أم تضم طفلين تحت معطفها.
هنا أعرف أين تقف، ومتى تغضب، وكم تحتاج من الوقت كي تيأس.
النظام لا يحتاج إلى إرضائها؛ يحتاج فقط إلى إبقائها في مكان قابل للقياس.
قبضت إسراء على المخطط حتى تجعدت حوافه.
وماذا سيحدث عند تشغيل مشروعك؟
ستختفي المظاهرات.
كل من يرفع لافتة سيحصل على رقم، وكل من يصرخ سيُحال إلى مسار اعتراض، وكل من يطالب بالتغيير سيشاهد شاشة تقول إن طلبه يتقدم.
اقترب منها، وخفض صوته.
وسيعود الناس إلى بيوتهم وهم يظنون أنهم لم يعودوا صامتين.
قالت:
بل لن يعودوا إلى بيوتهم أصلًا.
لمعت عيناه برضا بارد.
وهذا أكثر أمانًا.
الرقم الذي يخص إسراء
أخرج حمزة من جيبه بطاقة معدنية ووضعها في يدها.
كان عليها اسم إسراء كاملًا، وتحت الاسم الرقم صفر/الفرع الأول.
قال:
أمك لم تمت في طابور الدواء كما قيل لك.
لقد وصلت إلى هذا الممر قبل خمسة أعوام.
تجمدت أصابع إسراء حول البطاقة، وشعرت ببرودتها تنفذ إلى عظمها.
أين هي؟
أشار إلى عمق الصفوف.
ربما ما زالت هنا، وربما ورثتِ رقمها عند موتها.
السجلات لا تفرق كثيرًا بين الإنسان وامتداده.
اندفعت إسراء بين الواقفين، تنادي اسم أمها، وتشق طريقها وسط وجوه التفتت نحوها بدهشة وخوف.
تكرر الاسم في الممر كطائر فقد اتجاهه، ثم جاءها صوت خافت من خلف حاجز صدئ:
إسراء؟
رأت يدًا نحيلة تخرج بين كتفين، وفي معصمها السوار الأزرق الذي كانت أمها ترتديه يوم ذهبت لشراء الدواء.
دفعت الناس جانبًا حتى وصلت إليها، فوجدتها أصغر مما في ذاكرتها وأكبر من كل السنوات؛ شعرها أبيض، ووجهها محفور بخطوط الانتظار، لكن عينيها ظلتا دافئتين كما كانتا قرب نافذة المطبخ.
لم تتعانقا فورًا، فقد كان الحاجز بينهما مثبتًا إلى الأرض.
وضعت الأم كفها على وجه ابنتها من خلال القضبان، وهمست:
عرفت أنك ستجدين الخطأ.
بكت إسراء دون صوت، بينما دوى الرنين، فتحركت الأم خطوة إلى الأمام، وسحبها الممر بعيدًا عن يد ابنتها.
الخطة التي لم يتوقعها المفتش
عاد حمزة إليها ببطء، وقال:
يمكنني نقل والدتك إلى طابور علاجي قصير، ويمكنني منحك رتبة لا تنتظرين معها شيئًا.
كل ما أريده هو أن تكملي التصميم.
مسحت إسراء دموعها، ثم نظرت إلى آلاف الوجوه التي عادت إلى سكونها بعد الرنين.
فهمت أن حمزة لا يخشى كشف الممر؛ فالمحتجزون أنفسهم صاروا حراسه، لأن كل واحد منهم يخاف أن يفقد السنوات التي انتظرها إن غادر الآن.
لم يكن كافيًا أن تفتح بابًا.
كان عليها أن تحطم المعنى الذي يجعل الناس يقدسون مواضعهم.
قالت لحمزة:
سأكمل المشروع.
توقفت ابتسامته لحظة، كأنه لم يتوقع استسلامًا بهذه السرعة.
ناولها جهاز تحكم أسود، وقال:
عند منتصف الليل، اربطي المسار صفر بجميع طوابير العاصمة.
بعد ذلك لن يكون هناك مواطن خارج النظام.
أخذت الجهاز، وخفضت رأسها في طاعة متقنة.
لكنها حين عادت إلى غرفة التحكم، لم تربط الممر بالطوابير الأخرى كما أمرها.
ربطت شاشات الجمهورية كلها بسجل الانتظار السري.
حين ظهرت النهايات على الشاشات
عند منتصف الليل، أضاءت الشاشات فوق طوابير الخبز والدواء والمحاكم والتوظيف في وقت واحد.
توقع الناس رؤية أرقامهم، لكن الشاشة الأولى عرضت اسم رجل ينتظر منذ اثنين وستين عامًا من أجل تصريح لم يعد موجودًا.
وعرضت الثانية اسم امرأة ماتت ثلاث مرات في السجل، لأن رقمها انتقل إلى ابنتها ثم حفيدتها.
أما الشاشة الكبرى في ساحة الجمهورية، فكتبت جملة واحدة:
لا توجد نافذة في نهاية طابوركم.
ساد صمت كثيف، كأن المدينة كلها شهقت ثم نسيت كيف تزفر.
بعدها بدأت الشاشات تعرض خرائط المسارات الحقيقية؛ الدوائر، والالتفافات، والأحزمة المتحركة التي تعيد المواطنين إلى مواضعهم.
رأى كل إنسان خطه الأحمر يدور حول نفسه، ورأى للمرة الأولى أن تقدمه لم يكن سوى حركة مدروسة داخل قفص واسع.
صدر الرنين المعتاد، لكن أحدًا لم يتحرك.
ارتجفت المحركات تحت الأرصفة، وحاولت البلاطات سحب الواقفين، غير أن الناس ثبتوا أقدامهم، وتشابكت أذرعهم، فتحولت الصفوف المنفصلة إلى جسد واحد يقاوم حركة الأرض.
في الممر صفر، صاحت إسراء عبر مكبرات الصوت:
أرقامكم لا تحفظ حقوقكم.
إنها تحفظ أماكنكم بعيدًا عنها.
تعالت همهمة، ثم صاح الرجل صاحب الرقم الموروث:
إن خرجنا، ضاعت سنوات آبائنا!
أجابته إسراء:
لقد ضاعت حين أقنعوكم أن الانتظار ميراث.
نزعت أمها البطاقة القديمة من عنقها، ونظرت إليها طويلًا، ثم كسرتها على الحاجز.
كان الصوت صغيرًا، طقة معدنية لا تكاد تُسمع، لكنه انتقل بين الناس كشرارة في حقل جاف.
كسر رجل رقمه، ثم امرأة، ثم طفل بطاقة جده، حتى امتلأ الممر برنين مختلف؛ ليس رنين التقدم الزائف، بل رنين الأرقام وهي تسقط على الأرض.
سقوط هندسة الصبر
أصدر حمزة أوامره بإغلاق المخارج، فارتفعت الحواجز حول العاصمة، وانطلقت مكبرات الصوت تحذر المواطنين من فقدان ترتيبهم.
لكن التحذير وصل متأخرًا؛ فما إن عرف الناس أن الترتيب لا يقود إلى شيء، حتى صار فقدانه أول شكل من أشكال الحرية.
خرجت الصفوف من خطوطها، لا في اندفاع أعمى، بل في حركة بطيئة مهيبة، كالماء حين يكتشف شقًا في سد قديم.
توجه بعضهم إلى النوافذ وأزالوا الزجاج، وفتح آخرون غرف السجلات، بينما حمل موظفون صغار الملفات إلى الساحات وأخذوا يقرؤون أسماء المنتظرين بصوت عالٍ.
لم يحرق الناس المباني، لأنهم أدركوا أن الورق المحفوظ فيها هو الدليل على وجود المسروقين من الزمن.
أما الممر صفر، فقد بدأ يهتز حين توقفت الأقدام عن مجاراة حركته، فصرخت المحركات، وتكسرت البلاطات المتحركة، وانفتح عند نهايته جدار لم يكن خلفه مكتب أو نافذة.
كان خلفه مستودع واسع مملوء بعجلات ضخمة، تدور بقوة المشي البشري المتكرر، وتغذي أبراج الهيئة بالطاقة.
كل خطوة انتظار كانت تدير عجلة.
وكل تراجع خفي كان يشحن نظامًا جديدًا من الحواجز والشاشات.
نظر الناس إلى الآلات، ثم إلى أقدامهم، وفهموا للمرة الأولى أن الدولة لم تكن تُطعمهم الوعد فقط؛ كانت تقتات على حركتهم نحوه.
المواجهة الأخيرة
وجدت إسراء حمزة في غرفة المحركات، يحاول تشغيل النظام الاحتياطي يدويًا.
كان عرقه يلمع فوق صدغيه، وصورته المنضبطة قد تشققت؛ ربطة عنقه مائلة، وأصابعه ترتعش فوق لوحة الأوامر.
قال دون أن يلتفت:
أتعرفين ماذا سيحدث غدًا؟ سيطالب الجميع بكل شيء.
لن تكفي البيوت، ولا الأدوية، ولا الوظائف، وستغرق البلاد في صراع لا نهاية له.
أجابته إسراء:
ربما.
لكنهم سيتصارعون على الحقيقة، لا على موضع داخل كذبة.
ضغط زر التشغيل، فلم تستجب المحركات.
قال بغضب:
الناس بحاجة إلى نظام.
النظام طريق يصل إلى غاية.
أما دائرتك فليست نظامًا، بل خوف مرسوم بالمسطرة.
استدار نحوها، وأخرج بطاقة سوداء من جيبه.
ما زال بإمكاني إعادتهم جميعًا إلى الصف.
يكفي أن أقطع أسماءهم عن السجل، وسيزحفون طلبًا للاعتراف.
قبل أن يمرر البطاقة، أمسكت أم إسراء بذراعه من الخلف.
لم تكن قوية، لكن خلفها وقف آلاف الذين لم يعودوا يخشون فقدان مواضعهم.
انتزع الرجل صاحب الرقم الموروث البطاقة السوداء من يد المفتش، ورفعها أمام الجميع.
قال حمزة بصوت خافت:
من دون هذه البطاقة لن يكون لأي منكم رقم.
أجابه الرجل:
إذًا سنبدأ بالأسماء.
كسر البطاقة نصفين.
وفي اللحظة نفسها، انطفأت آخر شاشة في الجمهورية.
أول نافذة بلا طابور
مرّت ثلاثة أشهر قبل أن تفتح أول نافذة خدمة جديدة في مبنى الهيئة القديم.
لم توضع أمامها حواجز، ولم تُعلق فوقها شاشة أرقام، بل وُضعت طاولة طويلة يجلس عند جانبيها المواطنون والموظفون معًا.
كانت الخدمة الأولى بسيطة، تسجيل أسماء الذين مُحوا من السجلات، وإعادة سنوات الانتظار إلى قصصهم الحقيقية بدل احتسابها أرصدةً للدولة.
جلست إسراء خلف الطاولة، وإلى جوارها أمها، التي لم تعد تحمل سوار الانتظار، بل دفترًا تكتب فيه أسماء الموتى كما يتذكرهم أهلهم، لا كما صنفتهم الآلات.
دخل الرجل العجوز الذي ابتلعه المسار الشرقي في بداية الحكاية؛ كان قد نجا في جيب مهجور بين ممرين، وعاد يحمل رقمه القديم داخل كيس قماشي.
وضع البطاقة على الطاولة وسأل:
أين أقف؟
نظرت إسراء إلى القاعة الواسعة، حيث يتحرك الناس بلا خطوط مرسومة، يتجادلون أحيانًا، ويتبادلون المقاعد، ويرفعون أصواتهم حين يختلفون، ثم يجدون طريقة للبدء من جديد.
ابتسمت وقالت:
لا تقف.
اجلس وتحدث.
جلس العجوز، ووضع كفيه المرتجفتين فوق الطاولة، ثم ذكر اسمه للمرة الأولى دون أن يتبعه برقم.
خارج المبنى، بقيت آثار الطوابير القديمة محفورة في الأرصفة؛ خطوط مستقيمة ومنعطفات دائرية ومسافات متساوية بين مواضع أقدام غابت.
لم يمحها الناس، فقد أرادوا أن يتذكر الأطفال أن الطريق قد يبدو منظمًا، نظيفًا، وممتدًا إلى الأمام، ومع ذلك يمكن أن يكون مصممًا بعناية كي لا يصل إلى أي مكان.
أما حمزة، فلم يُلقَ في زنزانة، لأن الجمهورية الجديدة لم تشأ أن تصنع طابورًا آخر للعقاب.
أجلسوه أمام لجنة علنية، ومنحوه وقتًا للكلام، لكنه ظل صامتًا، يحدق في الباب المفتوح خلفه كأنه ينتظر أن يأمره أحد بالمغادرة.
وحين قيل له إنه حر في الخروج، لم يتحرك.
كان قد أمضى عمره يصمم مواضع الآخرين، حتى نسي كيف يخطو بلا علامة مرسومة تحت قدميه.
ليست أشد القيود صلابةً تلك التي تُغلق حول المعصم، بل تلك التي تُقنع اليد بأنها تمسك دورها، وليست أطول الطرق ما امتد في الصحراء، بل ما دار بالإنسان حول حقه حتى ظن أن الحركة وصول.
فالانتظار قد يكون صبرًا حين تكون في آخره نافذة، لكنه يصبح شكلًا مهذبًا من أشكال الأسر حين لا يُسمح للمنتظر أن يسأل إلى أين يقوده الصف.
وعندما كسر أهل الجمهورية أرقامهم، لم يحصلوا فورًا على البيوت والدواء والعدل، ولم تصبح حياتهم سهلة أو خالية من الفوضى.
لكنهم استعادوا شيئًا أسبق من كل خدمة، حقهم في ألا يقضوا أعمارهم يتقدمون داخل الطريق الذي يعيدهم إلى البداية، قصة بائع السلال عند إغلاق السوق وجد قطة غيرت اخر جولة في السوق العتيق من هنا.
