ليلة استيقظت فيها ذاكرة البحر، في تلك الليلة التي تذكر فيها البحر أسماء موتاه، لم تهب عاصفة على الساحل، ولم ينشق أديم السماء ببرق ينذر بكارثة قادمة، بل انسحب الماء في صمت غريب، كأن يدا خفية جذبته من أطرافه، تاركا خلفه رمالا سوداء تتنفس تحت ضوء القمر الشاحب.
وقف الصيادون عند الميناء في ذهول تام، يراقبون قواربهم وهي تميل فوق الطين الرطب، بينما بدأت تطفو من قاع الخليج قمم مآذن مهشمة، وشرفات حجرية يغطيها المحار، وأبواب بيوت لم يرها أحد منذ مئات السنين.
عند طرف الرصيف، كان داغر يضم إلى صدره كيسا صغيرا من الجلد، تتسرب من شقوقه ذرات زرقاء تلمع كجمر بارد، ومن بين الصخور، جاءه صوت البحر عميقا مبحوحا يقول: أعد إلي ما جعلني أنسى.
الساحل الذي لا ينام
كانت قرية مرسى السكون تمتد فوق لسان صخري ضيق، تحاصرها المياه من ثلاث جهات، وتسد الجبال طريقها من الجهة الرابعة، حتى ظن أهلها أنهم يعيشون في قبضة يد عملاقة لا تسمح لهم بالفرار.
لم يكن البحر عندهم مشهدا جميلا يتأمل من النوافذ، بل جارا متقلب المزاج، يطعمهم حين يرضى، ويبتلع أبناءهم حين يغضب، ثم يرمي إليهم أحذيتهم وشباكهم الممزقة عند الفجر وكأنه يعتذر بصمت.
على الحافة الشمالية للقرية، حيث تتكسر الأمواج فوق صخور حادة كالأنياب، ارتفع بيت حجري بلا نوافذ، تطوقه سبع دوائر من الملح الأبيض، ويعلو بابه نقش لامرأة تحمل موجة بين كفيها.
كان أهل القرية يسمونه دار الساحرات، ولا يجرؤون على الاقتراب منه بعد الغروب، فقد كانوا يرون أحيانا ثلاث نساء يخرجن منه بثياب زرقاء طويلة، يحملن جرارا فخارية إلى كهف لا يظهر إلا حين ينحسر المد.
لم تكن الساحرات عجائز محدودبات كما تصورهن حكايات الجدات، بل نساء من أعمار مختلفة، بوجوه هادئة وعيون داكنة تعكس سطح البحر حتى في أصفى الأيام.
كانت أكبرهن تدعى سلافة، امرأة تجاوزت الستين، يشق شعرها الأبيض سواد الليل كخيط من فضة، وتتدلى من عنقها سلسلة من أسنان أسماك لا تعيش قرب السواحل، أما الثانية، نائلة، فكانت صامتة لا تتكلم إلا عند الضرورة، ويقال إنها تسمع ارتطام السفن الغارقة في الأعماق قبل وقوعه بثلاثة أيام، وكانت أصغرهن رواء، فتاة في العشرين، لا تختلف ملامحها كثيرا عن فتيات القرية، سوى أن قدميها لا تتركان أثرا على الرمل المبلل مهما طال سيرها فوقه.
الحارس الذي كره الأسرار
كان داغر يعمل حارسا لمخازن الملح التابعة للوالي، لكنه لم يكن يؤمن بالساحرات ولا باللعنات التي يرددها الصيادون بعد أكواب الشاي المر، في السابعة والعشرين من عمره، طويل القامة، عريض الكتفين، يحمل في حاجبه الأيسر ندبة قديمة خلفها خطاف صيد، وفي عينيه بريق الرجال الذين يرون العالم بابا مغلقا ويقضون حياتهم بحثا عن مفتاحه.
مات أبوه في البحر حين كان داغر طفلا صغيرا، ولم يعثر على جثمانه، ولم تعد السفينة التي كان يعمل عليها، ولم يبق منها سوى لوح خشبي نخره الملح، كتب عليه جزء من اسم لم يعرفه أحد، منذ ذلك اليوم، لم يعد داغر يصدق أن البحر يأخذ الرجال بلا سبب، بل كان مقتنعا بأن الأعماق تخفي حقيقة، وأن كل غريق يترك وراءه طريقا يمكن تتبعه لو امتلك المرء الشجاعة الكافية.
لهذا كان يجمع خرائط السفن القديمة، ويشتري من البحارة الغرباء دفاتر الرحلات الممزقة، ويقضي الليالي في مطابقة الجزر المرسومة مع خطوط الصخور والتيارات، وفي إحدى تلك الخرائط، وجد ما غير حياته إلى الأبد: رسما لقصر ضخم تحت الماء، تعلو أبراجه قباب زجاجية، وتحرس بابه تماثيل على هيئة ملوك مقيدين بالسلاسل، وإلى جوار الرسم، كتبت جملة بحبر باهت: قصر أزراق لا يظهر لمن يبحث عنه، بل لمن يجعل البحر يتذكره.
سر الملح الأزرق
بدأ داغر يراقب الساحرات من بعيد، يختبئ بين الصخور بعد منتصف الليل، مراهنا على أن الأسرار، مهما طال عمرها، لا بد أن ترتكب خطأ واحدا يكشفها، وفي الليلة التاسعة من مراقبته، خرجت النساء الثلاث من الدار، تحمل كل واحدة منهن جرة سوداء مختومة بالشمع، واتجهن نحو الكهف الذي لا يظهر إلا عند أدنى نقطة من الجزر.
تبعهن داغر حافي القدمين كي لا يسمع أحد وقع خطواته، وكانت الصخور الحادة تجرح جلده، لكن رائحة غريبة قادته إلى الداخل، رائحة ملح ممزوجة بالنعناع والحديد البارد، انفتح الكهف على قاعة واسعة تتدلى من سقفها بلورات زرقاء، وفي منتصفها أحواض حجرية ممتلئة بحبيبات ملح لم ير داغر مثلها من قبل، تشع كل حبة منها ضوءا خافتا كأنها تحتفظ بقطعة من سماء ليلية.
وقفت سلافة أمام الحوض الأكبر، وفتحت جرتها، وسكبت منها ماء داكنا فوق الملح، فانطلقت من الحبيبات أصوات متداخلة، بكاء أطفال، ووقع حوافر، وأجراس معابد، وصراخ رجال يغرقون.
قالت رواء بصوت مرتجف: لقد ازداد صوته هذا الشهر.
أجابتها نائلة وهي تضع يدها على الصخر: لأن الناس يحفرون في الساحل، وكل حجر يخرجونه يوقظ اسما مدفونا.
رفعت سلافة كفيها فوق الحوض، وتمتمت بكلمات لم يفهمها داغر، فهدأت الأصوات تدريجيا حتى صار الكهف ساكنا كقبر مغلق.
ما الذي نسيه البحر؟
في صباح اليوم التالي، اعترض داغر طريق رواء عند بئر القرية، ظنا منه أنها الأضعف بين الساحرات الثلاث.
قال وهو يسند ظهره إلى جدار حجري: رأيت ما تفعلنه في الكهف.
لم يتغير وجه رواء، لكنها أوقفت الدلو قبل أن يلامس الماء، وظلت تنظر إليه حتى شعر أن البئر خلفها أعمق مما ينبغي، قالت: بعض الأشياء لا تصبح ملكك لمجرد أنك رأيتها.
ابتسم داغر ابتسامة باردة: والملح الأزرق؟ هل هو أيضا ليس ملكا لمن يجده؟
اقتربت منه خطوة، وخفتت أصوات السوق حولهما حتى صار يسمع قطرات الماء تنزلق من الحبل إلى قاع البئر، قالت: الملح الأزرق ليس كنزا، بل قفل، ونحن لسنا ساحرات كما تسمينا القرية، بل حارسات لذاكرة يجب ألا تستيقظ.
لم يرد داغر، فتابعت: البحر يتذكر كل شيء يبتلعه، البيوت والأسماء والصلوات والصرخات الأخيرة، وحين تتراكم الذكريات في جوفه، يبدأ بإعادتها إلى الشاطئ.
نظر إلى الأفق حيث كانت الأمواج تلمع تحت شمس الظهيرة، وقال ساخرا: أمواج تعيد الذكريات؟
أجابت رواء: ليست الذكريات وحدها، يعيد المدن نفسها حجرا بعد حجر، ثم يبحث عن سكان جدد ليملأ بها البيوت.
شعر داغر بوخزة باردة في رقبته، لكنه أخفاها خلف ضحكة قصيرة: وماذا يفعل الملح؟
قالت: يمحو أسماء المدن من ذاكرة الماء، مدينة بعد أخرى، ما دام الملح محفوظا، يظل البحر جاهلا بما فقده، ثم أمسكت معصمه بقوة لم يتوقعها، وأضافت: لا تقترب من الكهف مرة أخرى يا داغر، فضولك لا يخصك وحدك، قد يدفع ثمنه كل من يعيش هنا.
الخريطة التي تنزف حبرا
مرت ثلاثة أيام حاول فيها داغر إقناع نفسه بأن حديث رواء مجرد خرافة صيغت لحماية مخزون نادر من الملح، إلا أن الخريطة القديمة لم تتركه ينام، كان كلما فتحها وجد رسم القصر أوضح، حتى ظهرت فيه نوافذ صغيرة لم تكن موجودة من قبل، وممر حجري يمتد من الساحل إلى بوابته الغارقة.
وفي الليلة الرابعة، حدث ما بدد آخر ذرة من تردده، تساقطت من الخريطة قطرة ماء مالح رغم أنها كانت محفوظة في صندوق جاف، ثم تشكلت على سطحها كلمات جديدة: خذ من زرقة النسيان، أعطك باب أزراق.
جلس داغر طويلا أمام اللهب يراقب الحروف وهي تتلوى كدود أسود، ثم أخرج من تحت فراشه خنجرا قصيرا وكيسا جلديا، لم يكن القصر وحده ما يدفعه إلى السرقة، فقد وجد في زاوية الخريطة رسما لسفينة غارقة قرب البرج الغربي، وعلى شراعها الاسم الناقص نفسه الذي رآه على اللوح العائد من سفينة أبيه.
أقنع نفسه أن حفنة صغيرة لن تغير شيئا، وأن الساحرات يملكن أحواضا كاملة، وأنه سيعيد الملح فور أن يجد القصر ويعرف مصير والده، وهكذا تتحول الكوارث في قلب الإنسان من خطايا واضحة إلى خطوات منطقية، يكفي أن يمنح كل خطوة اسما بريئا حتى يجد نفسه واقفا أمام الهاوية وهو يظن أنه يسير نحو الحقيقة.
ليلة السرقة
انتظر داغر حتى أطفئت مصابيح دار الساحرات، ثم تسلل إلى الكهف عند أدنى الجزر، حاملا مصباحا مغطى بقطعة قماش كي لا يرى ضوؤه من الساحل، كانت القاعة أشد برودة من المرة السابقة، والبلورات الزرقاء في السقف تنبض ببطء، كأن الكهف قلب لكائن هائل نائم تحت الجبل.
اقترب من الحوض الأكبر، ومد يده نحو الملح، فترددت في المكان همسات خافتة تنطق اسمه بأصوات يعرف بعضها ولا يعرف أكثرها، سمع صوت أمه الراحلة تقول: عد إلى البيت يا بني، ثم جاءه صوت أبيه من عمق الحوض، واضحا رغم مرور عشرين عاما: داغر، لقد وجدتك أخيرا.
تجمدت يده لحظة، وسالت الدموع من عينيه دون أن يشعر، ثم غمس أصابعه في الملح وأخذ حفنة كاملة وضعها في الكيس الجلدي، في اللحظة التي أغلق فيها الكيس، انطفأت البلورات جميعا، واهتز الكهف هزة قصيرة تساقط معها الغبار من السقف، وجاء من جوف الأرض صوت يشبه زفير مارد استيقظ بعد نوم طويل.
ركض داغر إلى الخارج، لكنه توقف عند مدخل الكهف حين رأى البحر منسحبا مئات الأمتار عن الشاطئ، كاشفا أرضا لم تطأها الشمس منذ قرون، فوق الطين الأسود ظهرت أول درجات سلم حجري يصعد من الأعماق، وعلى جانبيه اشتعلت مصابيح نحاسية وحدها، واحدة تلو الأخرى.
حين عادت الشوارع من الغرق
مع طلوع الفجر، تجمع أهل مرسى السكون عند الساحل، لا يدرون أيفرحون بالأرض الجديدة التي كشفها البحر، أم يهربون من الأبنية التي أخذت ترتفع تحت سطح الماء، ظهرت أسطح منازل مائلة، وأقواس أسواق قديمة، وتماثيل نصفها مغطى بالشعاب، بينما راحت الأسماك تسبح بين النوافذ المفتوحة كطيور ضلت طريقها.
كانت المدينة الغارقة تعيد تشكيل نفسها ببطء، لا كأطلال يرفعها المد، بل كجسد يستعيد أعضاءه، الجدران تلتحم، والأبواب تستقيم، والحجارة تتخلص من الطحالب كما يتخلص النائم من غطائه.
وقف داغر وسط الناس يخفي الكيس تحت ثيابه، وشاهد الماء يتجمع في ممر ضيق يمتد مباشرة من الشاطئ إلى برج بعيد يلمع في الأفق، عرف البرج في الحال، كان برج قصر أزراق المرسوم على خريطته.
وصلت الساحرات الثلاث إلى الشاطئ، وقد بدت سلافة أكبر بعشرين عاما مما كانت عليه في اليوم السابق، بينما كان الدم يسيل من أذن نائلة، وتحدق رواء في داغر بعينين لا غضب فيهما بل خوف خالص.
صرخت سلافة: ابتعدوا عن الماء، لا تنادوا أسماء بعضكم، ولا تجيبوا إن سمعتم صوتا يأتي من البحر، لكن التحذير جاء متأخرا.
فقد سمع رجل مسن صوت زوجته الميتة تناديه من أحد البيوت الغارقة، فانطلق نحوها باكيا، ولم يستطع أبناؤه الإمساك به، خطا الرجل فوق الممر المائي، فصار سطح البحر صلبا تحت قدميه، ومشى حتى بلغ باب بيت حجري انفتح له وحده، ما إن دخل حتى أغلق الباب، وعاد الماء فوق السقف، ولم يظهر الرجل بعد ذلك.
الذاكرة الجائعة
انتشرت الأصوات في أنحاء الساحل، تنادي كل شخص باسم من فقده، أم ميتة، طفل غريق، أخ رحل إلى الحرب، أو حبيب ابتلعته سنوات الانتظار، لم يكن البحر يهددهم بصراخ الوحوش، بل يغريهم بأكثر الأشياء حنانا، مقدما لكل قلب الجرح الذي لم يندمل في هيئة باب مفتوح.
اقتربت رواء من داغر، وقالت بصوت منخفض: أعطني الكيس، حاول أن ينكر، لكن الملح تحت ثيابه أضاء فجأة، فاخترق وهجه القماش، والتفتت إليه الوجوه المذعورة.
قال داغر: أستطيع إصلاح الأمر، لكنني رأيت قصر أزراق، سفينة أبي هناك، وأنا بحاجة إلى معرفة ما حدث له.
صفعته سلافة بقوة حتى شق طرف شفته، ثم قالت: لم يرسل إليك أبوك الخريطة، البحر هو من أرسلها.
أخرج داغر الكيس، وتراجع خطوة: كاذبة.
قالت نائلة، وكان صوتها كاحتكاك حجرين: البحر لا يستطيع تذكر مدينة كاملة ما دام الملح يحجب أسماءها، لذلك يستعين بمن يحملون الحزن، يريك وجها تحبه، ويقودك إلى سرقة المفتاح.
اشتدت قبضة داغر حول الكيس، ونظر إلى البرج البعيد حيث رفرف شراع ممزق يحمل اسم سفينة أبيه، ثم جاءه الصوت من ناحية القصر: داغر، لا تصدقهن، أنا أنتظرك.
كان صوت أبيه كما حفظه في طفولته، دافئا ومبحوحا، ينطق اسمه بالطريقة نفسها التي لم يستطع أي إنسان تقليدها، اندفع داغر نحو الممر قبل أن تمسك به رواء، وركض فوق الماء الصلب، بينما بدأت الشوارع الغارقة تتوهج من تحته كعروق زرقاء في جسد ميت.
طريق قصر أزراق
كلما تقدم داغر فوق الممر، ابتعد الساحل خلفه على نحو غير طبيعي، حتى صارت القرية نقطة رمادية بين الضباب، بينما اقترب القصر بسرعة لا تناسب المسافة، كانت الأبراج ترتفع من البحر كأصابع حجرية، تتدلى من شرفاتها ستائر لم تفسدها المياه، وتحترق خلف نوافذها شموع لا تنطفئ.
عند البوابة، انتظرته تماثيل الملوك المقيدين، وكانت رؤوسها تتحرك ببطء لتتبعه، وتنساب من عيونها خيوط رفيعة من الرمل، انفتح الباب دون أن يلمسه، فدخل إلى قاعة جافة تماما، أرضها من الرخام الأزرق، وسقفها يضيع في ظلام تتحرك داخله ظلال الأسماك.
على جانبي القاعة وقف رجال ونساء بثياب عتيقة، شاحبو الوجوه، يقطر الماء من شعرهم، ويحدقون فيه بابتسامات ساكنة، لم يتحرك أحد منهم، لكن شفاههم انفرجت في وقت واحد وقالوا: أهلا بالسارق الذي أعاد أسماءنا.
رفع داغر خنجره رغم معرفته أن الحديد لن يحميه من موتى انتظروا قرونا كي يتذكرهم العالم، ظهر رجل عند نهاية القاعة، يرتدي معطف بحار ممزقا، وعلى حاجبه الأيسر ندبة تشبه ندبة داغر، كان أباه.
الأب الذي لم يتقدم به العمر
توقف الزمن في صدر داغر، وعاد للحظة طفلا يقف على باب البيت ينتظر وقع خطوات لن تأتي، قال الرجل: كبرت يا بني.
سقط الخنجر من يد داغر، ومشى نحوه مترنحا، لكنه توقف حين لاحظ أن قدمي أبيه لا تلامسان الأرض، وأن الماء يتحرك داخل عينيه بدل الحدقتين، همس: هل أنت أبي؟
ابتسم الرجل، وفي ابتسامته شيء صحيح إلى درجة مؤلمة: أنا كل ما بقي منه هنا، صوته، ووجهه، وآخر خوف شعر به حين انكسرت السفينة، اقترب أكثر، ومد يده: أعطني الملح، وسأعيده إليك كاملا، سأجعلك تسمع كل كلمة قالها قبل موته، بل سأمنحه جسدا ويعود معك إلى الساحل.
نظر داغر إلى اليد الممدودة، فرأى تحت جلدها الصافي أسماكا صغيرة تسبح بين العظام، قال: ماذا تريد في المقابل؟
اهتزت القاعة بضحكة جاءت من الجدران والسقف والأرض، ثم تكلم البحر من فم أبيه: لا أريد سوى أن أتذكر.
بدأت جدران القصر تعرض صورا حية لمدن ابتلعتها المياه، أسواق مزدحمة، أطفال يركضون في الأزقة، ملوك يتقاتلون، ونساء يصرخن فوق الأسطح مع ارتفاع المد، قال البحر: دفنوني بالنسيان لأنهم خافوا حزني، لكن المدن لي، وأهلها لي، وأصواتهم لي، أعطني الملح، أعد بناءها، وسأمنحك موتاك.
فهم داغر عندها أن البحر لم يكن جائعا إلى الحجر، بل إلى السكان، فالمدينة التي تعود بلا بشر ليست ذكرى كاملة، ولهذا كانت الأصوات تستدرج أهل الساحل واحدا بعد آخر، قبض على الكيس وقال: وإن رفضت؟
اختفت ملامح أبيه، وحل مكانها وجه متشقق من الماء والملح، قال البحر: ستغرق قريتكم، وسأجعل أهلها يسكنون البيوت التي أعددتها لهم.
ثمن إعادة النسيان
وصلت رواء إلى القصر قبل أن يغلق الباب، وكانت تلهث، وثوبها الأزرق ممزقا عند الكتف، وفي يدها قارورة زجاجية تحتوي على شعلة بيضاء، قالت لداغر: لا تسلمه الملح، يجب أن نعيده إلى حوض النسيان قبل اكتمال المدينة.
انقضت الكائنات الواقفة على جانبي القاعة، فتحطمت أجسادها إلى سيول من الماء اندفعت نحو رواء، لكنها رفعت القارورة وأطلقت منها لهبا أبيض حول الماء إلى سحب من البخار، صرخ البحر من كل الجهات، فاهتز القصر، وتساقطت قطع من السقف، وانفتحت النوافذ على شوارع غارقة امتلأت بأهل القرية الذين تبعوا أصوات موتاهم.
قال داغر: الطريق إلى الكهف بعيد، ولن نصل قبل أن يعود المد.
أجابته رواء: لا نحتاج إلى الكهف، كل حبة من الملح تحمل بابا إلى الحوض، لكن الباب لا يفتح إلا بذكرى حية تعطى للبحر بدل الذكريات المسروقة.
لم يفهم داغر، فقالت وهي تنظر إلى هيئة أبيه: يجب أن تضحي بالذكرى التي جعلتك تسرق الملح، عليك أن تنسى أباك بإرادتك، فلا يبقى للبحر طريق يدخل منه إليك.
تراجع داغر كأنها طلبت منه قتل أبيه بيديه، قال: لم يبق لي منه سوى صوته.
أجابته رواء: ولهذا استخدمه البحر، بعض الذكريات تتحول من وفاء إلى سلسلة، ونحن لا نعرف ذلك إلا حين يبدأ الغريق بسحبنا نحوه.
عاد وجه الأب إلى الظهور، وقال برجاء: لا تفعل يا داغر، ستنسى ضحكتي، ويدي فوق رأسك، والأغنية التي كنت أغنيها لك.
ارتجف داغر، وانفتحت في ذاكرته ليلة بعيدة، أبوه جالس قرب المصباح يصلح شبكة ممزقة، يغني بصوت خافت بينما المطر يطرق السقف، كانت تلك الذكرى وطنه الأخير.
الحفنة الأخيرة
أخرج داغر الملح الأزرق وسكبه في كفه، فتلألأت الحبات، وانعكست داخل كل واحدة منها صورة مختلفة لأبيه، قالت رواء: اذكره للمرة الأخيرة، ثم قل للبحر إنك تتركه يرحل.
رفع داغر عينيه إلى الرجل الواقف أمامه، وسأله: هل تألم أبي حين مات؟
للحظة قصيرة، تراجع البحر عن وجه الرجل، وظهرت ملامح إنسان حقيقي أنهكه الخوف، قال الأب: خفت عليك أكثر مما خفت من الموت، كنت أعرف أنك ستقضي عمرك تبحث عني.
سال الدمع على وجه داغر، وسأل: هل أنت حقا هو؟
أجاب الرجل: كنت جزءا منه، ثم صرت جزءا من البحر، لا تدعني أصير قبرك أيضا.
أغمض داغر عينيه، واستعاد كل ما استطاع من أبيه، رائحة معطفه، خشونة كفه، طريقته في الضحك، واللحن القديم الذي كان يملأ البيت في ليالي الشتاء، ثم فتح كفه وقال: يا بحر، خذ الطريق الذي دخلت منه إلي، أترك أبي للموت، وأختار الأحياء.
تحولت الحبات الزرقاء إلى ماء مضيء، وانسابت بين أصابعه، وفي اللحظة نفسها شعر داغر بشيء ينتزع من صدره دون جرح، صرخ، لا من الألم، بل من الفراغ، كان يعرف أنه فقد إنسانا عزيزا، لكنه لم يعد يتذكر وجهه، ولا اسمه، ولا السبب الذي جعله يأتي إلى القصر.
انهار شكل الأب إلى موجة صغيرة، وقبل أن تسقط على الأرض، ظهرت على وجهه ابتسامة هادئة، قال: الآن عد إلى بيتك يا بني.
سقوط المدينة الثانية
انفجر الضوء الأزرق في القاعة، وانتشرت دوائره عبر الجدران والأرض، ثم امتدت إلى الشوارع الغارقة، تمحو الأبواب والنوافذ والأسماء المنقوشة فوق البيوت، بدأ قصر أزراق يتصدع، وسقطت الأبراج في الماء، بينما فر أهل القرية عبر الممر الذي أخذ ينهار خلفهم حجرا بعد حجر.
أمسكت رواء بيد داغر وركضت معه، لكن البحر ارتفع على الجانبين في جدارين هائلين، وظهرت داخله وجوه آلاف الغرقى يضربون سطح الماء بأكفهم، جاء صوت البحر غاضبا: قد تنسونني، لكنني لا أنسى من جرحني.
رفعت رواء قارورة اللهب الأبيض، غير أن شعاعها خفت حتى صار نقطة صغيرة، وقالت: لن يكفينا للوصول.
نظر داغر إلى الساحل البعيد، ثم إلى الجدارين اللذين يوشكان على الانطباق، ولم يكن يعرف لماذا شعر بحزن عميق حين سمع من بين الوجوه صوت رجل يناديه باسمه، لم يتذكر صاحب الصوت، ومع ذلك كان قلبه يعرفه.
أخذ القارورة من رواء، وكسرها فوق الممر، فاندفعت الشعلة البيضاء في خط طويل، وجمدت سطح البحر للحظات، قال: اركضي.
ركضا حتى تمزق الهواء في رئتيهما، وقفزا فوق آخر جزء من الممر لحظة انقضت الأمواج على القصر، فابتلعته الأبراج والشوارع والتماثيل والأصوات، وصل داغر إلى الرمل، وسقط على ركبتيه، بينما عاد البحر إلى حدوده القديمة كأن شيئا لم يحدث، لم يبق من المدينة سوى باب حجري وحيد انتصب للحظة فوق الماء، ثم انغلق وغاص ببطء.
الحارس الرابع
مرت أسابيع قبل أن تعود الحياة إلى مرسى السكون، لكن أهلها لم يعودوا ينظرون إلى البحر كما كانوا، صاروا يخفضون أصواتهم قربه، ولا ينادون أسماء موتاهم على الشاطئ.
أما داغر، فقد كان يستيقظ أحيانا وفي فمه لحن لا يعرف مصدره، فيجلس أمام نافذته محاولا تذكر الكلمات، فلا يجد إلا فراغا دافئا يوجعه دون اسم.
ذات مساء، استدعته سلافة إلى دار الساحرات، وكانت نائلة ورواء تنتظرانه أمام حوض جديد من الملح الأزرق، قالت سلافة: ما فقدناه من الملح عاد، لكن البحر عرف طريق قريتنا، ولن تكفي ثلاث حارسات بعد الآن.
وضعت أمامه عباءة زرقاء وسلسلة تتدلى منها قطعة صغيرة من خشب سفينة قديمة، حدق داغر في الخشبة طويلا، وشعر أن قلبه يعرفها رغم أن عقله لا يعرف عنها شيئا.
قالت رواء: البحر سيحاول أن يتذكر من جديد، وسيبحث عن حزن آخر يفتح له الباب، نحتاج إلى شخص يعرف كيف يبدو الإغراء حين يرتدي وجها نحبه.
ارتدى داغر العباءة، ووقف أمام الحوض، فرأى في أعماقه مدنا كثيرة نائمة تحت الظلام، وشعر بأصواتها تتحرك كالحصى تحت الأمواج، منذ تلك الليلة، صار أهل القرية يرون أربع ظلال تتجه إلى الكهف عند انحسار المد، تحمل الجرار السوداء، وتسكب فوق الملح ماء يحفظ العالم من ذاكرة البحر.
وكان داغر، كلما سمع صوتا مجهولا يناديه من الأعماق، يضع يده على قطعة الخشب المعلقة في عنقه، ثم يجيب بهدوء: بعض الأبواب خلقت لتظل مغلقة.
ليست كل حقيقة غارقة جديرة بأن تنتشل، وليست كل ذكرى نحافظ عليها وفاء لمن رحل، فقد تتحول الذكرى أحيانا إلى يد خفية تشدنا بعيدا عن الذين ما زالوا يقفون إلى جوارنا، وحين اختار داغر أن يفقد وجه أبيه كي ينقذ القرية، لم يتخل عنه، بل حرره من أن يكون طعما في فم البحر، فالحب الصادق لا يعيد الموتى إلى الحياة، لكنه يمنع حزنهم من ابتلاع الأحياء.
