دفيئة الصبار حكاية قبل النوم عن انتظار زهرة الليل

الراوي
0

في عتمة الدفيئة تبدأ الحكاية، لم يكن ضوء الغروب قد خبا تماما حين أغلقت هالة خلفها باب دفيئة الصبار، فارتج الزجاج في إطاره المعدني رجة خفيفة، وخيم على المكان صمت غريب لم يقطعه سوى صوت ألواح السقف وهي تتخلص رويدا رويدا من حرارة النهار، امتدت أمامها صفوف الصبار كأنها كائنات خضراء متأهبة، ترفع أشواكها في بقايا الضوء البرتقالي الأخير.

جاءت هالة من أجل زهرة واحدة، زهرة لا تفتح في موعد يمكن الوثوق به، بل تنتظر أن يبرد الزجاج ويهبط الليل على التراب، وكانت قد قرأت عنها كثيرا حتى ظنت أن رؤيتها أمر يسير، يكفي أن تصل قبل موعدها وتنتظر، غير أن جابر، الذي أمضى بين نباتات الدفيئة سنوات أطول مما كانت تتخيل، لم يلتفت إلى الساعة المعلقة قرب الباب ولو للحظة، وحين سألته للمرة الثالثة عن موعد تفتحها، ابتسم وأشار إلى أصيص داكن في آخر الممر، وقال إنها ستتفتح حين يخبرها التراب بذلك.

دفيئة الصبار حكاية قبل النوم عن انتظار زهرة الليل


دفيئة لا تعرف حساب الساعات

كانت الحرارة ما تزال عالقة تحت السقف الزجاجي، كأن النهار ترك أنفاسه حبيسة هناك، مسحت هالة قطرة عرق عند صدغها، وسارت خلف جابر بين الأحواض، فيما اختلطت في أنفها رائحة الغبار الساخن برائحة الطين والأوراق الجافة.

تفاوتت أشكال الصبار من حولها، كرات مكتنزة تعلوها أشواك ذهبية، وأعمدة خضراء طويلة ذات أضلاع عميقة، ونباتات صغيرة تشبه حجارة شاحبة يخرج منها فجأة شوك أبيض، ومع تراجع الضوء، أخذت ظلالها تتمدد على الأرض حتى صار الممر أشبه بطريق ضيق وسط مخلوقات ساكنة.

قالت هالة وهي تنظر إلى هاتفها إن الزهرة تفتح بعد الغروب بنحو ساعة كما قرأت، توقف جابر، الذي كان يحمل إبريقا نحاسيا صغيرا، ومسح بطرف إصبعه طبقة رقيقة من الغبار عن أحد الأصص، ثم رد من دون أن يلتفت إليها متسائلا عن سبب افتراضها أن الغروب يدخل هذه الدفيئة في اللحظة ذاتها التي يدخل فيها دفتر المواعيد.

رفعت حاجبيها، ثم أعادت الهاتف إلى جيبها على مضض، خارج الزجاج كانت الشمس قد اختفت وراء المباني، لكن ألواح الدفيئة ظلت تشع بحرارة مخزونة، حتى إن الهواء بالقرب منها كان يرتعش كستارة شفافة.

زهرة شوكة الطويلة

في نهاية الممر استقر النبات الذي جاءت هالة من أجله، صبار طويل نحيل تكسوه أشواك رمادية دقيقة، خرج من جانبه برعم ضخم على ساق رفيعة مغطاة بزغب خفيف، كان البرعم مغلقا بإحكام، تتراكب بتلاته الخارجية الداكنة كأصابع تحرس سرا.

انحنت هالة نحوه، واقترب وجهها حتى حذرها جابر بهدوء من الشوك، لم تلمح أي حركة، ومع ذلك أيقنت أن شيئا ما يجري خلف تلك الطبقات، وكأن الزهرة تجمع نفسها في الداخل قبل قرار لا رجعة فيه.

سألته إن كانت هذه هي شوكة الطويلة، فهز رأسه موافقا، وقال إن أهل الحي يسمونها هكذا، وإنها قد تنتظر عاما كاملا لتمنح ليلة واحدة فقط، ولهذا يفسد كثيرون فرصة رؤيتها حين يحاولون استعجالها.

جلست هالة على المقعد الخشبي المقابل، وثبتت عينيها على البرعم، وبعد دقائق أخرجت هاتفها، ثم أضاءت شاشته من جديد بعد قليل، حتى صار انتظارها سلسلة صغيرة من الأرقام المتغيرة.

حين بدأ الزجاج يبرد

تراجع الضوء شيئا فشيئا حتى غدا لون السماء خلف السقف أزرق عميقا، وظهرت أول نجمة بين قضيبين معدنيين، عندها سمعت طقطقة طويلة فوقهما، كأن الدفيئة العجوز تحرك مفاصلها بعد نهار شاق.

مر نصف ساعة، ثم ساعة كاملة، ولم تنفتح الزهرة بعد، بدأت هالة تشعر أن صمت البرعم يسخر منها، وأن المسافة بين كل نظرة إلى الهاتف والتي تليها أطول مما توحي به الأرقام، قالت بنفاد صبر إن الزهرة ربما لن تتفتح هذه الليلة.

لم يجب جابر على الفور، بل جثا بجوار الأصيص وغرس إصبعه برفق في الطبقة العليا من التراب، ورفع قليلا منه بين إصبعيه ففتته، ثم قربه من أنفه كما يفعل من يتفحص رائحة ورقة عطرية، ثم دعاها إلى الاقتراب.

ترددت هالة، إذ كانت تظن أنه سيفحص البرعم لا التراب، ومع ذلك نهضت واقتربت منه، بينما بقيت الزهرة خلف كتفه مغلقة لا تكشف شيئا.

السر المدفون في رائحة التراب

طلب منها جابر أن تلمس التراب، فمدت هالة إصبعين إلى التربة فوجدت سطحها دافئا، لكن الدفء لم يكن متساويا، فحين أزاحت الحبيبات قليلا شعرت ببرودة رقيقة في العمق، كأن طبقة أخرى من الليل بدأت تتسلل من أسفل الأصيص بدل أن تهبط من السماء.

ثم طلب منها أن تشمه، بدت الفكرة غريبة للحظة، لكنها أطاعت، في البداية لم تشم سوى غبار جاف، ثم التقطت رائحة أخرى: نفحة معدنية خافتة ممزوجة برائحة حجر مبتل، تلك الرائحة التي تسبق أحيانا وصول المطر إلى النافذة، أخبرته أن الرائحة تغيرت.

ابتسم جابر من دون أن يفسر، واكتفى بإطفاء المصباح الكبير عند مدخل الدفيئة، فغرق المكان في عتمة زرقاء لم يبق فيها سوى مصباح صغير فوق منضدة الأدوات، وظهر انعكاس هالة على الزجاج كأنه شبح يشاركها الانتظار.

ما لا تستطيع الساعة قياسه

كل بضع دقائق كانت هالة تلمس التراب، فتجده في كل مرة أبرد، ورائحته أثقل وأوضح، كأن الحرارة التي كانت تحبسها انزاحت طبقة بعد أخرى، مطلقة من بين الحبيبات أنفاسا ظلت طوال النهار محبوسة.

بدأت تنتبه إلى أشياء أغفلتها وهي غارقة في مراقبة الوقت، صوت حشرة تضرب السقف ثم تستقر، قطرة ماء تنحدر في أنبوب الري، فرق الحرارة بين هواء الباب وهواء جذور النباتات، وحتى رائحة الصبار نفسها التي ازدادت خضرة مع الليل.

سألها جابر من مكانه عند المنضدة عما تنتظره الآن، فالتفتت إليه ثم إلى البرعم، لكنها لم تجد جوابها القديم جاهزا هذه المرة، لم تعد تنتظر رقما يظهر على الشاشة، بل تحولا بدأ يسري في المكان كله، لحظة يصبح فيها الهواء والتراب والزجاج أجزاء من إشارة واحدة.

أخرجت هاتفها بدافع العادة لتتفقد الوقت، ثم توقفت قبل أن تضيء الشاشة، ووضعته إلى جوارها مقلوبا، ومدت أصابعها من جديد إلى التراب، كان باردا هذه المرة بوضوح.

الحركة الأولى

وصلت الرائحة إليها قبل أن ترى شيئا، لم تكن رائحة التراب هذه المرة، بل نفحة حلوة خفيفة تسللت في الهواء، رائحة بيضاء إن كان للألوان روائح، تشبه مزيجا من الياسمين وقشر ثمرة لم تنضج بعد.

رفعت هالة رأسها، فرأت طرف إحدى البتلات ينفصل عن البرعم، لم تكن الحركة أسرع من أنفاس نائم، لكنها كانت واضحة بما يكفي لتسري قشعريرة على ساعديها، ابتعدت بتلة أخرى، ثم ثالثة، وانفرجت العتمة الصغيرة في قلب البرعم عن بياض خافت.

همست باسم جابر، فأجابها من خلفها بأنه يراها أيضا، لم يقترب، فتلك كانت طريقته في منح اللحظة مساحتها لتحدث وحدها، فجلست هالة بلا حراك، حتى خشيت أن يكون صوت أنفاسها نفسه نوعا من الاستعجال.

زهرة تفتح أبواب الليل

اتسعت الزهرة على مهل، وفي كل مرحلة بدا أنها بلغت شكلها النهائي قبل أن تكشف عن طبقة أخرى، خرجت البتلات الداخلية بيضاء طويلة ذات أطراف دقيقة، وانحنت الخارجية إلى الوراء، بينما ظهر القلب محاطا بخيوط فاتحة تحمل في نهاياتها غبارا أصفر ناعما.

وفي وقت أقصر مما أمضته هالة تسأل عن موعد التفتح، صارت أمامها زهرة كاملة، أكبر من كفها، شديدة البياض حتى بدت وكأنها تحمل ضوءها الخاص، امتلأت الدفيئة بعطرها، ولم يعد الصبار الطويل يبدو نباتا قاسيا، بل حاملا هشا لمعجزة عابرة.

اقتربت حشرة ليلية من فتحة في أعلى الزجاج، وحامت حول الرائحة قبل أن تهبط على الزهرة، لاحظت هالة جناحيها المرتجفين، والظلال المتحركة بين الأسدية، وحبة لقاح صغيرة علقت بإحدى قوائمها.

قالت هالة إنها كادت تفوت الحركة الأولى بسبب انشغالها بالساعة، اقترب جابر هذه المرة ووضع الإبريق على الأرض، وقال إن الساعة لم تفعل شيئا، وإنها كانت تنظر إليها بدل أن تنظر إلى ما يتغير من حولها.

لم تجد هالة في كلامه عتابا، بل حقيقة بسيطة كبرودة التراب تحت أصابعها، أدركت أن الانتظار الذي ضايقها لم يكن فراغا بين وصولها وتفتح الزهرة، بل سلسلة كاملة من التحولات لم تعرف في البداية كيف تراها.

آخر شيء تركته الزهرة في يدها

طال الليل، ولم تعد هالة تسأل عن الوقت، جلست قرب الأصيص تراقب الزهرة وقد استقرت بكامل اتساعها، بينما رسم الندى بقعا شفافة على ألواح الزجاج وشوه انعكاسات المصابيح البعيدة.

وحين نهض جابر أخيرا لفتح الباب، تسرب هواء الليل البارد إلى الممر، نظرت هالة إلى الزهرة مرة أخيرة، ثم وضعت كفها على حافة الأصيص ولمست التراب بطرف إصبعها، كأنها تريد أن تحفظ ملمسه لا صورته فقط.

أخبرها جابر أن الزهرة ستبدأ بالذبول مع الصباح، نظرت هالة إلى البياض المتوهج وسط الشوك، ولم يصبها الخبر بالحزن كما توقعت، فقصر عمر الزهرة كان جزءا من جمالها، إذ لم تفتح لتبقى، ولم يكن عليها أن تدوم حتى تستحق تلك الليلة عناء الانتظار.

موعد لم يكتب على ساعة

قبل خروجها أضاءت هالة شاشة هاتفها، لكنها لم تنظر إلى الساعة، فتحت الكاميرا، ثم ترددت، وخفضت الهاتف من دون أن تلتقط صورة، إذ شعرت أن الصورة ستحفظ شكل الزهرة وتفقد كل ما سبقها: حرارة الزجاج، ورائحة التراب المتغيرة، والطقطقة فوق السقف، ولحظة انفصال أول بتلة.

عند العتبة سألت جابر كيف عرف أنها ستتفتح هذه الليلة تحديدا، أغلق النافذة، ثم أجاب أنه لم يكن متيقنا، وإنما أدرك فقط أن المكان صار مستعدا لها.

خرجت هالة إلى الشارع، وكان الإسفلت لا يزال يحتفظ ببقايا دفء النهار، بينما حمل النسيم رائحة نباتات الدفيئة من الباب قبل أن يغلقه جابر خلفها، مشت خطوات قليلة، ثم توقفت حين شعرت أن الهواء صار أبرد قليلا مما كان عليه منذ لحظة، ولم تمد يدها هذه المرة إلى جيبها لتعرف كم مضى من الوقت، بل رفعت وجهها إلى الليل.

ثمة أشياء لا تتأخر، وإنما تصل وفق إشارات لا تجيد الساعات قراءتها، ومن يثبت عينيه على العقارب قد يرى الدقيقة تمر، لكنه قد يفوت برودة التراب، وتبدل الرائحة، والحركة الدقيقة التي تبدأ بها بتلة في فتح بابها للعتمة.

في تلك الليلة خرجت هالة من دفيئة الصبار ومعها معرفة لا يمكن تعليقها على جدار: أن الانتظار ليس غرفة فارغة بين رغبة وتحققها، بل مكان حي يمتلئ بالتغير لمن يتعلم أن يصغي إليه، وأن بعض الأزهار، مثل بعض اللحظات النادرة في الحياة، لا تطلب منا أن نستعجلها، بل أن نكون حاضرين حين يحين وقتها.

التصنيفات:

إرسال تعليق

0 تعليقات
يُرجى عدم نشر تعليقات لا تحترم الشروط هنا, جميع التعليقات تخضع للمراجعة.
إرسال تعليق (0)

المحتوى

+

إقرأ أيضاً

يستخدم موقع Dseel.com ملفات تعريف الارتباط (Cookies) لضمان حصولك على أفضل تجربة إستخدام وتخصيص المحتوى المفضل للزوار, باستمرارك في تصفح الموقع، فإنك توافق على استخدامنا لها لمعرفة المزيد.