قصة السائق الذي أعاد الحافلة لينقذ حياة الركاب

الراوي
0

لحظة بين الحياة والموت، عندما ضغط حمدي على دواسة المكابح، لم تستجب الحافلة الصغيرة فورا، بل أطلقت صريرا حادا شق ضجيج الشارع، ثم توقفت أخيرا على مسافة ذراع واحدة من طفل كان يعبر الطريق ممسكا بيد أمه.

اندفع الركاب إلى الأمام وارتطم بعضهم ببعض، وسقط كيس الخضراوات من حجر امرأة مسنة، بينما ظل حمدي ممسكا بالمقود بكلتا يديه، وقد تجمدت أصابعه فوق جلده الأسود المتشقق.

رفع عينيه نحو المرآة، فرأى عشرين وجها تحدق فيه بمزيج من الذعر والغضب، رغم أن الحافلة لم تكن مصممة إلا لثلاثة عشر راكبا، ثم انطلق صوت رجل من الخلف يسأله بغضب إن كان يريد قتلهم.

لم يجب حمدي، فقد بقيت عيناه معلقتين بالطفل خلف الزجاج الأمامي، وكان يرى في وجهه سؤالا لا يستطيع الهرب منه، فكم مرة يمكن للحظ أن ينقذ رجلا قرر سداد قسطه حتى لو كان الثمن أرواح الناس.

قصة السائق الذي أعاد الحافلة لينقذ حياة الركاب


الحافلة التي بدت بابا للنجاة

قبل ثلاثة أشهر، لم تكن الحافلة في نظر حمدي كتلة معدنية متعبة تفوح منها رائحة الديزل والزيت المحترق، بل بدت بابا واسعا فتحته الحياة أمامه بعد أعوام طويلة من العمل سائقا بالأجر لدى الآخرين.

أمضى حمدي أكثر من خمسة عشر عاما ينتقل بين سيارات لا يملك منها سوى المقود لساعات محدودة، يتلقى أوامر أصحابها، ثم يعود مساء إلى منزله بجيب ضامر وظهر أنهكه الجلوس الطويل.

عندما أخبره شوقي، مالك مكتب النقل، بوجود فرصة لشراء حافلة صغيرة بالتقسيط، شعر وكأن أحدهم وضع مفتاح مستقبله في كفه، ولم يعد عليه سوى أن يقبض عليه.

ربت شوقي على مقدمة الحافلة المطلية حديثا، وأخبره أنها ليست مجرد سيارة، بل ماكينة للرزق، وأن عاما أو عامين من العمل الجاد سيجعلانها ملكا له بالكامل.

كانت طبقة الطلاء الأبيض تخفي بقعا من الصدأ، وكانت رائحة المعطر النفاذة تحجب رطوبة المقاعد القديمة، غير أن حمدي لم ير شيئا من ذلك يومها، بل رأى اسمه الذي تخيله مكتوبا فوق الزجاج.

توقيع تحت ضوء خافت

وضع شوقي العقد أمام حمدي داخل مكتب ضيق تتكدس على جدرانه صور السيارات والحافلات، فيما كانت مروحة السقف تدور ببطء وتحرك أطراف الأوراق كأنها تحاول تحذيره مما سيأتي.

قرأ حمدي قيمة القسط الشهري ورفع حاجبيه، فقد كان الرقم أكبر مما توقع، إلا أن شوقي سارع إلى إخراج دفتر صغير وبدأ يحسب أمامه الإيرادات المفترضة.

أخبره أن عشرين رحلة يوميا، بمتوسط خمسة عشر راكبا في كل رحلة، ستكفي لتغطية الوقود والقسط، وسيبقى له بعدها مبلغ لم يعتد الحصول عليه من قبل.

تردد حمدي وسأله كيف يمكن أن يحمل خمسة عشر راكبا والحافلة لا تحتوي إلا على ثلاثة عشر مقعدا، فابتسم شوقي ومال نحوه قائلا إن المقاعد ثلاثة عشر، لكن الرزق لا يجلس دائما على مقعد.

كان ينبغي لتلك العبارة أن تثير خوف حمدي، لكنها بدت له آنذاك كأنها حكمة رجل يعرف الطرق وأسرارها، فوضع توقيعه أسفل العقد من دون أن يقرأ البنود الصغيرة.

عاد إلى منزله في تلك الليلة يحمل المفتاح، فاستقبلته زوجته سحر بصينية شاي وابتسامة لم يرها على وجهها منذ أشهر، وجلست بجواره تتأمل المفتاح الموضوع فوق الطاولة.

مررت إصبعها على الحلقة المعدنية، وقالت إن عليهما ألا يسمحا للفرحة بأن تعميهما عن الحساب، فضحك حمدي وأكد لها أن هذه المرة ستكون مختلفة، وأنه لن يعمل لحساب أحد بعد اليوم، فكل لفة للعجلة ستكون لهما.

لم يكن يدرك أن تلك العجلة بدأت بالفعل في الدوران، ولكن حول عنقه.

الحساب الذي لا يعرف الرحمة

في الأسبوع الأول، كان حمدي يستيقظ قبل الفجر، ويغسل الحافلة بيديه، ويمسح زجاجها حتى يلمع تحت أضواء الشارع الصفراء، ثم يتجه إلى الموقف بقلب رجل يعتقد أنه يبدأ حياته من جديد.

كان يستقبل الركاب بابتسامة، ويتأنى مع كبار السن، ويرفض التحرك قبل أن يجلس الأطفال بأمان، حتى حفظ بعض الركاب اسمه وأصبحوا يفضلون انتظار حافلته.

لكن دفتر الإيرادات الذي كانت سحر تمسك به كل مساء لم يكن يعرف شيئا عن الابتسامات ودعوات العجائز وكلمات الشكر.

كانت تسجل تكلفة الوقود، وأجرة الموقف، والإصلاحات الصغيرة، وثمن الطعام الذي يشتريه حمدي خلال يومه، ثم ترسم خطا تحت المبلغ المتبقي وتنظر إليه بصمت.

في نهاية الأسبوع الأول، أخبرته أن دخله بهذا المعدل لن يكفي للوصول إلى قيمة القسط، فأخذ الدفتر منها وقلب صفحاته بعصبية، كأنه ينتظر ظهور رقم جديد بينها، ثم طمأنها بأنهما لا يزالان في البداية وأن الناس لم يتعرفوا إلى خطه بعد.

مر الأسبوع الثاني ثم الثالث، لكن الفجوة بين الإيرادات وقيمة القسط ظلت تتسع كشق يتسلل ببطء داخل جدار قديم.

الرحلات المستحيلة

ذهب حمدي إلى شوقي وأخبره بأن عدد الرحلات الذي بنى عليه حساباته لا يمكن تحقيقه عمليا، إلا أن الرجل لم يظهر أي اندهاش، بل أشعل سيجارة واستمع إليه بهدوء.

شرح حمدي أن تنفيذ عشرين رحلة يوميا يعني العمل بلا وقت للطعام أو الصلاة أو حتى فحص الزيت، فضلا عن ازدحام الطريق وحاجة الحافلة إلى الصيانة والراحة.

نفث شوقي دخان سيجارته نحو النافذة، وقال إن الطريق لا يطعم من يرحمه، ونصحه بزيادة عدد الركاب وتقليل وقت التوقف حتى تستقيم الحسابات.

وعندما سأله حمدي عما سيحدث إذا تعطلت الحافلة، ابتسم شوقي ابتسامة باردة وأخبره بأن عليه إصلاحها بعد دفع القسط، فالأولوية لمن يملك الحافلة لا لمن يقودها.

اختنقت الكلمات في حلق حمدي، فقد كان يظن أنه صار مالك الحافلة ولو جزئيا، لكنه اكتشف أن الملكية المؤجلة ليست ملكية حقيقية، وأن المفتاح الذي حمله سعيدا إلى منزله لم يكن سوى إذن مؤقت باستخدام دين كبير.

عاد حمدي إلى الموقف، وفي ذلك اليوم سمح للمرة الأولى لراكب زائد بالوقوف قرب الباب، ثم أصبحا راكبين، وبعد فترة صار المحصل ينادي المزيد حتى بعد امتلاء الممر.

كان كل جسد يدخل الحافلة يضيف بعض العملات إلى جيبه، لكنه كان يضيف في الوقت نفسه ثقلا فوق المكابح وحرارة داخل المحرك وعبئا مظلما في صدره.

سحر تفتح الدفتر المغلق

لم تكن سحر تعرف الكثير عن ميكانيكا السيارات، باستثناء قدرتها على تمييز الأصوات التي لا ينبغي للسيارة أن تصدرها، لكنها كانت تعرف الأرقام جيدا، وتدرك أن المال الذي يدخل من باب ثم يهرب من ثلاثة أبواب لا يسمى رزقا، بل نزيفا.

كانت تعمل في خياطة الملابس من منزلها، واعتادت حساب ثمن كل قطعة قماش وكل بكرة خيط، ولذلك لم تطمئن إلى وعود شوقي المتكررة عن الأرباح التي ستأتي في المستقبل.

في إحدى الليالي، وضعت أمام حمدي دفتر الإيرادات ودفتر المصروفات وصورة من العقد، ثم أشارت إلى بند لم يلاحظه عندما وقع.

أخبرته أن العقد ينص على إضافة غرامة أسبوعية عند التأخر في دفع القسط، كما يلزمهما بتحمل جميع إصلاحات الحافلة، بما فيها العيوب التي كانت موجودة قبل استلامها.

قرأ حمدي السطر مرتين، وشعر بالحرارة تصعد إلى وجهه، ثم قال إن شوقي أكد له أن الحافلة مفحوصة، فأجابته سحر بأن كلام الرجل يمكن أن يختفي، أما ما وضع حمدي توقيعه عليه فسيبقى.

كذبة الإيراد الكبير

طلبت سحر من زوجها أن يبدأ تسجيل العدد الحقيقي للركاب في كل رحلة، وكمية الوقود المستهلكة، وأوقات التوقف، وكل صوت غريب يسمعه من المحرك.

انزعج حمدي في البداية من كثرة التفاصيل، وشعر أن الأرقام تحاصره في المنزل كما يحاصره الزحام على الطريق، لكنه وافق في النهاية ليبرهن لها أن الأزمة مجرد مرحلة مؤقتة.

بعد عشرة أيام، ظهرت نتيجة أكثر قسوة مما توقعاه، إذ تبين أن امتلاء جميع المقاعد في معظم الرحلات لا يوفر دخلا صافيا يكفي للقسط والصيانة ونفقات المنزل.

أما الوصول إلى الإيراد الذي تحدث عنه شوقي، فلم يكن ممكنا إلا بزيادة حمولة الحافلة، والقيادة بسرعة خطرة، وتأجيل أعمال الصيانة الأساسية.

أغلقت سحر الدفتر، وقالت إن شوقي لم يبع حمدي حافلة بقدر ما باعه معادلة حسابية لا يمكن حلها إلا إذا غش الركاب أو خاطر بحياتهم.

ضرب حمدي الطاولة بكفه فاهتزت أكواب الشاي، وسألها ماذا يمكنه أن يفعل، وهل يعيد الحافلة بعد كل ما دفعه، ويترك الناس يقولون إنه فشل قبل أن يبدأ.

نظرت إليه سحر طويلا، ثم ذكرته بأن هؤلاء الناس لن يسددوا ديونهما، كما أنهم لن يحملوا عنه عواقب الكارثة إذا تعطلت المكابح.

حين تحول الركاب إلى أرقام

بدأ الضغط يغير حمدي من دون أن يشعر، فاختفت ابتسامته تدريجيا، وأصبح ينظر إلى المنتظرين في الموقف كما ينظر التاجر إلى بضاعة يخشى أن تذهب إلى متجر منافس.

صار يضغط على المحصل حتى يملأ الحافلة سريعا، ويغضب حين تطلب امرأة مسنة الانتظار حتى تجلس، ويحسب ثواني الإشارة الحمراء كأنها نقود تنتزع من جيبه.

وكلما اعترض راكب على الازدحام، كان يسمع في رأسه عبارة شوقي القديمة التي تخبره بأن عدد المقاعد ثلاثة عشر، لكن الرزق ليس مضطرا إلى الجلوس على مقعد.

في صباح شديد الحرارة، رافقته سحر لتراقب العمل بنفسها، وجلست بالقرب من الباب حاملة دفترها، وسرعان ما لاحظت أن مؤشر حرارة المحرك يقترب من المنطقة الحمراء.

طلبت منه أن يتوقف عشر دقائق حتى يبرد المحرك، لكنه أخبرها بأن التوقف سيتيح للحافلات الأخرى سبقه وسيكلفه رحلتين كاملتين، فحذرته من أنه قد يخسر المحرك كله بدلا من رحلتين.

سمع الركاب حديثهما، فبدأ التذمر بينهم، وصاح رجل من الخلف بأنهم يدفعون الأجرة كاملة، وليسوا أكياسا حتى يحشروا بعضهم فوق بعض.

غضب يملأ الحافلة

أوقف حمدي الحافلة على جانب الطريق، لا لإراحة المحرك، وإنما لينزل رجلا رفض دفع الأجرة بعدما قضى الرحلة واقفا في ذلك الازدحام.

ارتفعت الأصوات، وانقسم الركاب بين من يلوم حمدي ومن لا يريد شيئا سوى الوصول إلى وجهته، فيما جعلت الحرارة الخانقة الأنفاس ثقيلة والوجوه مغطاة بالعرق.

همست سحر لزوجها بأنه لم يعد يشبه نفسه، فالتفت إليها بعينين حمراوين من قلة النوم، وأخبرها بأن نفسه القديمة لم تكن مطالبة بدفع قسط بعد خمسة أيام.

وفي تلك اللحظة، تصاعد بخار خفيف من مقدمة الحافلة، وأخذ المحرك يسعل كصدر شيخ أنهكه المرض، فلم يجد حمدي خيارا سوى إيقافه تماما.

نزل الركاب وهم غاضبون، وضرب أحدهم جسم الحافلة بيده ساخرا من سائق يحمل الناس فوق طاقتها ثم يتعجب عندما تتعطل.

وقف حمدي إلى جانب المركبة يصغي إلى الكلمات، وشعر أنها لم تكن تصف الحافلة وحدها، بل تصفه هو أيضا.

التحذير الذي تجاهله حمدي

وصل الميكانيكي في المساء، وفحص المحرك والخراطيم والزيت، ثم انحنى قرب العجلات الأمامية وطلب من حمدي الضغط على المكابح عدة مرات.

ازداد عبوس وجه الرجل مع كل اختبار، ثم خرج من أسفل الحافلة ومسح يديه بقطعة قماش سوداء، وأخبر حمدي أن بطانات الفرامل أوشكت على التلف التام، وأن أحد الخراطيم يسرب سائل الفرامل، ولذلك لا ينبغي قيادة المركبة قبل إصلاحها.

عندما سأله حمدي عن تكلفة الإصلاح، شعر بأن الأرض تميل من تحته، فقد كان المبلغ يعادل معظم المال الذي جمعه لدفع القسط.

اتصل بشوقي وطلب منه تأجيل القسط أسبوعا حتى يتمكن من إصلاح المكابح، لكن الرجل رفض، وأكد أن القسط يجب أن يدفع في موعده وأن الإصلاح مسؤولية حمدي، وإن عجز فعليه تسليم الحافلة ليحسب شوقي ما تبقى عليه.

سأله حمدي كيف يمكن أن يعمل بمركبة غير آمنة، فضحك شوقي ضحكة قصيرة وذكره بأنه يقود منذ خمسة عشر عاما، وطالبه بألا يتصرف فجأة كمن يخشى الطريق.

نصف إصلاح ونصف نجاة

اختار حمدي أرخص الحلول التي عرضها الميكانيكي، فاستبدل جزءا واحدا وأجل بقية الإصلاحات بضعة أيام، رغم تحذير الرجل الواضح من أن المكابح قد تستجيب مرة ثم تخونه في المرة التالية.

عندما علمت سحر، أغلقت الدفتر بعنف، وأخبرته بأنها لن تركب معه ولن تقبل أن يحمل الناس في حافلة بتلك الحالة.

سألها بمرارة عما تريد منه أن يفعله بالقسط، فأجابته بأن القسط دين وليس قدرا، وأن الحل هو إعادة الحافلة.

اتجه حمدي إلى النافذة وظل واقفا وظهره إليها، يتابع أضواء السيارات في الشارع، وكان كل ضوء يبدو له حياة تمضي إلى الأمام بينما بقي هو عالقا في مكانه.

قال أخيرا إن إعادة الحافلة ستعني خسارة المقدم وكل ما دفعاه وكل الأحلام التي بناها، فاقتربت سحر منه وأخبرته بأن الاستمرار قد يجعله يخسر أكثر، وربما يخسر شيئا لا يمكن تعويضه.

لم يرد عليها، وفي الصباح التالي خرج بالحافلة قبل أن تستيقظ، وكأنه يعتقد أن الخروج مبكرا قادر على تأجيل مواجهة الحقيقة.

الرحلة التي كادت تكون الأخيرة

كان ذلك اليوم الأكثر ازدحاما منذ بدء عمل حمدي، فقد تعطلت حافلتان تعملان على الخط نفسه، وتجمع الركاب تحت الشمس الحارقة وهم يتدافعون نحو كل مركبة تصل إلى الموقف.

امتلأت المقاعد خلال دقائق، ثم امتلأ الممر، وبقي رجال متشبثون قرب الباب، بينما واصل المحصل مطالبة الناس بالتحرك إلى الداخل مؤكدا أن هناك مكانا للمزيد.

نظر حمدي إلى المرآة وعد الوجوه سريعا، ثم تذكر قيمة القسط الذي يجب عليه دفعه، فأغلق الباب وانطلق.

كانت الحافلة ثقيلة إلى درجة أن المحرك يئن عند كل صعود، كما بدأت رائحة المطاط الساخن تتسلل من أسفل المركبة، لكن ضجيج الركاب غطى على علامات الخطر.

عند مدخل شارع ضيق، توقفت سيارة أجرة أمامه فجأة، فضغط حمدي المكابح، لكن الدواسة هبطت تحت قدمه أكثر مما ينبغي.

تباطأت الحافلة، لكنها لم تتوقف.

وجه الطفل خلف الزجاج

أدار حمدي المقود بعيدا عن سيارة الأجرة فانحرفت الحافلة إلى يمين الطريق، وفي اللحظة نفسها ظهر أمامه طفل يعبر الشارع ممسكا بيد أمه.

داس المكابح بكل ما لديه من قوة وجذب فرامل اليد، فصرخت الإطارات فوق الإسفلت واندفعت أجساد الركاب إلى الأمام، قبل أن تتوقف الحافلة على مسافة سنتيمترات قليلة من الطفل.

ساد صمت ثقيل لثوان لم يسمع حمدي خلالها سوى دقات قلبه واضطراب المحرك، ثم انفجرت الحافلة بالصراخ والشتائم.

فتح الباب، فنزل الركاب مسرعين، وهدده بعضهم بتقديم شكوى، بينما احتضنت الأم طفلها وأكملت طريقها من دون أن تنظر إليه.

ظل حمدي جالسا ويداه ترتجفان فوق المقود، ثم رفع عينيه ليرى سحر واقفة على الرصيف المقابل.

كانت قد خرجت تبحث عنه بعدما وجدت فاتورة الإصلاح الناقص مخبأة داخل درج الملابس، ووصلت في اللحظة التي كادت فيها الحافلة تسحق الطفل.

اقتربت وصعدت إلى الحافلة بصمت، ولم تكن بحاجة إلى قول شيء، فقد كان وجه زوجها كافيا ليخبرها بأن الرجل الذي غادر المنزل ذلك الصباح لن يعود كما كان.

قال حمدي بصوت مبحوح إنه كاد يقتل الطفل، فجلست سحر على المقعد الأول وأخبرته بأنه لا يزال قادرا على منع الرحلة التالية.

مواجهة صاحب الحافلة

قاد حمدي الحافلة فارغة إلى مكتب شوقي بسرعة بطيئة طوال الطريق، فيما تبعته سحر بسيارة أجرة وهي تحمل الدفاتر والعقد وفواتير الإصلاح.

عندما رآه شوقي يصل في منتصف النهار، خرج من مكتبه غاضبا وسأله عن سبب ترك الخط في يوم كان يمكن أن يغطي وحده نصف قيمة القسط.

أطفأ حمدي المحرك ونزل من الحافلة، وأخبره بأن المكابح كادت تقتل طفلا، لكن شوقي اكتفى بهز كتفيه وطالبه بإصلاحها والعودة إلى العمل بدل تحويل عطل عادي إلى مأساة.

فتحت سحر دفترها وأخبرته بأن العطل كان موجودا قبل استلام الحافلة، وأن الميكانيكي مستعد للشهادة بذلك، كما أن لديهما سجلا كاملا للمصروفات والرحلات والحمولة الزائدة التي كان شوقي يطالب حمدي بها.

تغير وجه الرجل للحظة، ثم استعاد صلابته وأشار إلى أن العقد واضح وأن توقيع حمدي موجود عليه، وتساءل عمن سيصدق روايتهما أمام الوثيقة المكتوبة.

المفتاح فوق الطاولة

أخرج حمدي المفتاح من جيبه، لكنه لم يسلمه مباشرة إلى شوقي، بل دخل المكتب ووضعه فوق العقد الممدود على الطاولة، ثم أخبره بأنه يستطيع أخذ الحافلة، لأن حمدي لن يقودها رحلة أخرى.

ضحك شوقي ساخرا، وقال إن إعادة المركبة لن تنهي الأمر، وإن حمدي سيخسر المقدم والأقساط التي دفعها، فضلا عن غرامة فسخ العقد.

عندها أخرج حمدي هاتفه وشغل تسجيلا صوتيا كان قد احتفظ به دون قصد من مكالمة سابقة، فخرج منه صوت شوقي بوضوح وهو يأمره بتحميل أكبر عدد ممكن من الركاب وتأجيل إصلاح الفرامل إلى ما بعد دفع القسط، ويطلب منه ألا يتصرف كأنه مسؤول عن أرواح المدينة.

اختفت السخرية من عيني شوقي ومد يده نحو الهاتف، لكن حمدي أوقف التسجيل وأعاده إلى جيبه.

أخبرته سحر بأن لديهما كذلك صور العقد وتقارير الميكانيكي وشهادات ركاب كانوا داخل الحافلة يوم الحادث، ثم عرضت عليه أن يحتفظ بالمقدم مقابل ألا يأخذ منهما جنيها آخر، وأن يوقع إقرارا باستلام المركبة وإنهاء العقد.

سألهم شوقي بغضب إن كانا يهددانه، فأجابه حمدي بأنه توقف فقط عن الخوف منه أكثر من خوفه على حياة الناس.

القسط الأخير الذي لم يدفع بالمال

استمرت المواجهة ساعات، وارتفعت الأصوات، واتصل شوقي بمحام، ثم بدأ يخفض نبرته حين أدرك أن تقديم شكوى قد يكشف عقودا مشابهة عقدها مع سائقين آخرين.

وفي النهاية، كتب إقرارا باستلام الحافلة وإنهاء التعاقد دون مطالبة حمدي بأي أقساط جديدة، مقابل تنازل حمدي عن المقدم وجميع المبالغ التي سبق أن دفعها.

قرأ حمدي الورقة هذه المرة بعناية، كلمة بعد أخرى، ثم أعطاها إلى سحر كي تقرأها قبل أن يضع توقيعه، ولم يعد يشعر بالخجل من طلب رأيها كما كان يحدث في السابق.

بعد التوقيع، دفع المفتاح نحو شوقي، فأصدر المعدن صوتا صغيرا عندما اصطدم بسطح المكتب، لكنه بدا في أذن حمدي أعلى من صرير المكابح في ذلك اليوم.

خرج مع سحر إلى الشارع بلا حافلة وبقليل من المال، وقد اختفى المستقبل اللامع الذي تخيله قبل ثلاثة أشهر.

كانت الشمس تميل إلى الغروب والسيارات تمر أمامهما محملة بالركاب، وشعر حمدي للحظة بأن الجميع يتقدمون نحو أرزاقهم بينما عاد هو إلى نقطة البداية.

قال بصوت منخفض إنه خسر كل شيء، فأمسكت سحر بذراعه وأشارت إلى حافلة مزدحمة انطلقت بسرعة حتى اختفت عند نهاية الطريق، ثم أخبرته بأنه كان سيخسر كل شيء فعلا لو ظل داخل تلك الحافلة.

طريق جديد بلا حافلة

خلال الأسابيع التالية، عاد حمدي إلى العمل سائقا بالأجرة لدى صاحب سيارة قديمة يعرفه منذ سنوات، لكنه وضع شرطا واضحا قبل أن يمسك بالمقود، وهو ألا يطلب منه قيادة سيارة غير صالحة.

سخر بعض زملائه منه عندما عرفوا أنه أعاد الحافلة، وقال بعضهم إنه لم يكن قادرا على تحمل مسؤولية العمل الحر، بينما بالغ آخرون في الحديث عن خسارته وجعلوها دليلا على سوء حظه.

كانت كلمة الفشل تؤلمه كلما سمعها، لكنه كان يتذكر وجه الطفل وراء الزجاج، فيدرك أن بعض الخسائر ليست سقوطا، وإنما ابتعاد في الوقت المناسب عن حافة لا يراها الآخرون.

واصلت سحر تسجيل الإيرادات والمصروفات، لكنهما فتحا هذه المرة صفحة جديدة في دفترهما وكتبا في أعلاها ثمن الحافلة الآمنة.

لم يحددا موعدا متعجلا، ولم يبنيا حساباتهما على افتراض أيام بلا مرض أو طرق بلا ازدحام أو مركبات لا تتعطل، بل كانا يدخران مبلغا صغيرا كل أسبوع وفق ما تسمح به ظروفهما.

صباح بلا خوف

بعد عامين، وقف حمدي أمام حافلة مستعملة أصغر حجما من السابقة، لكنها اجتازت فحصا شاملا، وكان ثمنها أقل لأنها لم تكن مطلية حديثا، ولم يحاول صاحبها إخفاء عيوبها.

دار حولها مرتين، وفتح غطاء المحرك بنفسه، وطلب الاطلاع على تقرير الصيانة، ثم جلس يقرأ العقد حتى نهايته، بينما كانت سحر إلى جواره تحمل قلما أحمر.

مازحه البائع قائلا إن مظهره يوحي بأنه لا يثق بأحد، فابتسم حمدي وأجابه بأنه يثق بالناس، لكنه تعلم ألا يطلب من الثقة أن تقوم بعمل الفرامل.

دفع حمدي وسحر نصف الثمن من مدخراتهما، واتفقا على أقساط مريحة للنصف الآخر، دون غرامات خفية أو شروط مرتبطة بعدد الرحلات.

في أول صباح خرج فيه حمدي بحافلته الجديدة، ثبت بالقرب من الباب لافتة صغيرة تنص على أن عدد الركاب يجب أن يساوي عدد المقاعد.

قرأ المحصل الشاب اللافتة وضحك، وأخبر حمدي بأنهما سيخسران عددا كبيرا من الركاب بهذه الطريقة.

ربط حمدي حزامه، ونظر إلى الطريق الممتد أمامه تحت ضوء الفجر، ثم أجابه بأنهما قد يخسران أجرة راكب، لكنهما لن يربحاها من عمره.

تحركت الحافلة في هدوء، وكان صوت محركها منتظما لا يحمل أنينا ولا تهديدا خفيا، فيما جلس الركاب في مقاعدهم دون أن يضطر أحد إلى التشبث بالباب.

عندما اقترب حمدي من الإشارة نفسها التي كاد عندها أن يصدم الطفل قبل عامين، خفف سرعته مبكرا، فتوقفت الحافلة بسلاسة قبل خط المشاة.

عبر طفل صغير الطريق ممسكا بيد أمه، والتفت للحظة نحو الحافلة، فابتسم له حمدي من خلف الزجاج، وظل منتظرا حتى وصل الطفل إلى الرصيف الآخر واختفى عن ناظريه.

عندها فقط رفع قدمه عن المكابح وأكمل رحلته.

المفتاح الذي أنقذ صاحبه

لم يكن اليوم الذي أعاد فيه حمدي الحافلة يوم هزيمته، وإن بدا كذلك لكل من شاهد المفتاح يخرج من يده، فقد كان ذلك اليوم أول مرة يختار فيها خسارة المال بدلا من خسارة نفسه.

بعض الأحلام لا تأتي في هيئة أبواب مفتوحة، بل قد تأتينا كأفخاخ لامعة تعدنا بالوصول السريع، بينما تخفي تحت عجلاتها ثمنا لا يظهر في العقود.

وحين يصبح الطريق إلى الرزق مشروطا بأن نصم آذاننا عن صرير الخطر، لا تكون الشجاعة في مواصلة السير، بل في التوقف والنزول وإعادة المفتاح قبل أن نكتشف أن القسط الأخير قد دفع من عمر إنسان.

التصنيفات:

إرسال تعليق

0 تعليقات
يُرجى عدم نشر تعليقات لا تحترم الشروط هنا, جميع التعليقات تخضع للمراجعة.
إرسال تعليق (0)

المحتوى

+

إقرأ أيضاً

يستخدم موقع Dseel.com ملفات تعريف الارتباط (Cookies) لضمان حصولك على أفضل تجربة إستخدام وتخصيص المحتوى المفضل للزوار, باستمرارك في تصفح الموقع، فإنك توافق على استخدامنا لها لمعرفة المزيد.