حين توقف القلم عند الدرجات، وقفت ريم أمام الدرجات الرخامية المرسومة في منتصف اللوحة، ومررت طرف قلمها الأحمر فوقها كما يمر مشرط الجراح على موضع الخطأ، كانت الدرجات واسعة متناسقة، ومحاطة بأحواض زهور تجعل المدخل أشبه بصورة دعائية لحياة مثالية، غير أنها بالنسبة إليها لم تكن مدخلا بقدر ما كانت جدارا أفقيا يرتفع درجة بعد أخرى.
رفع باسل عينيه من الطرف المقابل للطاولة، منتظرا مديحا لم يصل، لم يكن معتادا أن يقابل أحد تصميماته بالصمت، ولا أن يرى امرأة تتأمل خطوطه بثبات من يعرف أن الجمال قد يتحول إلى قسوة حين يصمم لأجساد بعينها وينسى بقية البشر.
قالت ريم دون أن تنظر إليه، هذا المركز جميل جدا، لدرجة أن كثيرا ممن يحتاجون إليه لن يستطيعوا دخوله، في تلك اللحظة لم يبدأ الخلاف حول مخطط معماري فحسب، بل بدأ شيء آخر لم يعرف أي منهما اسمه بعد، شيء سيجبر باسل على أن يعيد رسم أبوابه وممراته، ثم يعيد النظر في المسافة التي يضعها دون قصد بين النية الطيبة والفهم الحقيقي.
مخطط جميل لا يتسع للحياة
كان الاجتماع منعقدا في الطابق الرابع من مبنى مؤسسة خطوة، وهي جمعية تسعى إلى إنشاء مركز جديد للتأهيل الحركي والنفسي، امتلأت القاعة بنماذج مصغرة وألواح خشبية وعينات من الحجر والزجاج، بينما احتل مخطط باسل الجدار الأكبر كأنه إعلان مبكر عن فوز محسوم.
كان باسل مهندسا صاعدا في منتصف الثلاثينيات، معروفا بتصميماته الجريئة التي تمزج بين الخطوط الحديثة والفراغات المفتوحة، لم يكن مغرورا بالصورة الصريحة التي يسهل كرهها، بل كان يحمل ذلك النوع المهذب من الثقة الذي يجعل صاحبه يظن أن حسن نيته وحدها تكفي لتحميه من الخطأ.
جلست ريم قرب طرف الطاولة على كرسيها المتحرك، وإلى جوارها ملف سميك يحمل ملاحظات مكتوبة بخط منظم، كانت مسؤولة تجربة المستفيدين في المؤسسة، وقد خاضت من قبل معارك طويلة مع أبواب ضيقة ومصاعد معطلة ومنحدرات تنتهي فجأة أمام أرصفة مرتفعة.
أشار باسل إلى الواجهة الرئيسية وقال بحماسة إن المدخل يمثل رحلة الصعود، وإن الزائر يبدأ من الساحة ثم ترتفع به الدرجات تدريجيا نحو بهو مضاء من الأعلى، وأنه أراد أن يشعر الزائر بأنه ينتقل من العجز إلى استعادة السيطرة.
انكمشت أصابع ريم حول قلمها، لم ترفع صوتها، لكن كلماتها خرجت حادة كحواف زجاج جديد، إذ سألته عمن لا يستطيع صعود الدرجات، وهل يبدأ رحلته من باب الخدمات الخلفي، تحرك بعض الحاضرين في مقاعدهم وانخفضت نظراتهم إلى الأوراق، أما باسل فبقي واقفا محتفظا بابتسامته لحظة أطول مما ينبغي، كأنها خوذة يحاول حماية صورته بها، وقال إن هناك منحدرا جانبيا بالطبع.
عيوب لا يراها من يقف على قدميه
دفعت ريم كرسيها قليلا إلى الأمام، ثم أشارت إلى زاوية صغيرة في المخطط، موضحة أن طول المنحدر غير كاف وميله حاد، وأنه ينتهي قرب منطقة تحميل السيارات، بحيث يضطر من يستخدمه إلى الدوران خلف المبنى والمرور بجوار حاويات النفايات قبل الوصول إلى الباب.
سكت باسل، لم تكن المشكلة في أن ملاحظتها صحيحة فحسب، بل في أنها كشفت خطأ لم يره رغم أنه أمضى أسابيع يحدق في المخطط ذاته، تابعت ريم بقلمها بين تفاصيل التصميم، فأشارت إلى طاولة استقبال مرتفعة، وأبواب دورات مياه تفتح إلى الداخل، ومقابض يصعب استخدامها لمن يعاني ضعفا في قبضة اليد، ثم توقفت عند الحديقة العلاجية التي وضعها فوق سطح مرتفع لا يصل إليه إلا سلم حلزوني.
قالت له إنه صمم مركزا عن ذوي الإعاقة لا مركزا لهم، تبدلت ملامحه للمرة الأولى، إذ لم يكن الاتهام ظالما، لكنه أصابه في أكثر مواضعه حساسية، فقد دخل المشروع معتقدا أنه يقدم شيئا نبيلا، واكتشف الآن أن النبل الذي لا يسأل أصحابه قد يتحول إلى نوع آخر من التعالي.
اقترب من اللوحة وقال بنبرة دفاعية إن التصميم ما زال أوليا وقابلا للتعديل، فأجابته أن المشكلة ليست في تعديل منحدر أو توسيع باب، بل في أن المستخدم جاء بعد اكتمال الفكرة، بينما كان يجب أن يبدأ التصميم منه، حاول أحد أعضاء مجلس الإدارة تهدئة الجو، لكن باسل لم يعد يسمع بقية الأصوات، إذ كان ينظر إلى الخطوط التي تفاخر بها قبل دقائق فرآها فجأة مليئة بحواجز صامتة.
طلب منها أسبوعا كي يعيد تصميم المخطط، فأغلقت ملفها وقالت له ألا يعيد تصميمه وحده، لم تكن عبارتها دعوة صريحة، لكنها كانت أول باب حقيقي يفتح بينهما.
جولة في مدينة لا ترحم الكراسي
في صباح اليوم التالي، انتظر باسل أمام مبنى المؤسسة حاملا حاسوبه اللوحي وكوبين من القهوة، والسماء رمادية، وقد ترك المطر على الرصيف لمعانا يخفي الحفر الصغيرة حتى تقترب منها العجلات، خرجت ريم من المصعد ورأت الكوبين قبل أن ترى وجهه، فأخبرها أنها قهوة سوداء دون سكر كما طلبت في الاجتماع.
رفعت حاجبها مستغربة، فأوضح أنه سمعها تقول للموظفة إنها لا تشربها محلاة، فأخذت الكوب منه وقالت إذن أنه يستمع أحيانا، كانت جولتهما الأولى مخصصة لمراجعة المبنى القديم والتعرف إلى العقبات اليومية التي يواجهها المستفيدون، غير أن ريم رفضت أن تبدأ من الداخل، وطلبت منه أن يرافقها إلى محطة الحافلات القريبة ثم يعودا معا.
بدا الأمر لباسل بسيطا، إذ لم يكن الطريق يتجاوز سبعمئة متر، لكنه اكتشف سريعا أن المسافة لا تقاس دائما بالأمتار.
سبعمئة متر تكشف الحقيقة
عند أول تقاطع، وجدا الرصيف مرتفعا بلا منحدر، فاضطرت ريم إلى السير بمحاذاة السيارات حتى عثرت على جزء منخفض، بينما وقف باسل جوارها رافعا ذراعه بحركة غريزية كأنه يريد حمايتها من المركبات، التفتت إليه وطلبت منه ألا يمسك الكرسي من الخلف دون أن يسأل، فسحب يده فورا وشعر بحرارة الصدمة تصعد إلى وجهه.
قال إنه كان يحاول المساعدة، فأجابته أنها تعرف ذلك، لكن الكرسي جزء من مساحتها الشخصية، وطلبت منه أن يتخيل شعوره لو رفعه أحدهم من كتفيه فجأة لأنه رأى أمامه حفرة، هز رأسه في صمت، ثم سألها قبل العقبة التالية إن كانت تحتاج إلى مساعدة، فنظرت إلى الميل الحاد وطلبت منه أن يدفع من الجانب الأيسر فقط.
كانت كلمة نعم الصغيرة درسا كاملا بالنسبة إليه، إذ لم تعد المساعدة فعلا يقرره الأقوى، بل اتفاقا يبدأ بسؤال، في محطة الحافلات، لم يجد باسل مساحة تسمح لريم بالاقتراب من المقعد، كما كانت لوحة المواعيد معلقة على ارتفاع يصعب قراءته، فوقف يلتقط الصور ويكتب الملاحظات بينما راقبته بشيء من السخرية الهادئة، وسألته إن كان سيعيد تصميم المدينة كلها، فأجابها وهو يلتقط صورة لحافة مكسورة إنه يفكر في تقديم شكوى للبلدية.
ضحكت للمرة الأولى، ولم تكن ضحكتها عالية، لكنها بدلت صباحه كله، وجعلته يشعر أن الملاحظات الحمراء التي ملأت مخططه لم تكن هجوما، بل فرصة نادرة لرؤية عالم كان يعبره من قبل دون أن ينتبه إليه.
حين يتحول الخلاف إلى إصغاء
خلال الأسابيع التالية، تحولت قاعة الاجتماعات إلى ورشة شبه يومية، أزال باسل الدرجات المركزية من الواجهة، وجعل المدخل ممرا متدرج الميل يستخدمه الجميع دون فصل بين مدخل رئيسي وآخر مخصص، وخفض طاولة الاستقبال، ووسع الممرات، وأضاف أماكن للراحة على مسافات مدروسة، أما الحديقة العلاجية، فنقلها إلى قلب المبنى وربطها بكل الأقسام، بحيث لا يحتاج أحد إلى إذن للوصول إليها.
كانت ريم تراجع كل تفصيلة، ثم تطرح السؤال الذي صار باسل يسمعه حتى في نومه، وهو من يستطيع استخدام هذا، ومن استبعد دون قصد، في البداية ضاق بكثرة اعتراضاتها، ثم بدأ ينتظرها، وصار يعرف أنها حين تضغط شفتيها قبل الكلام تكون قد اكتشفت مشكلة، وحين تدير القلم بين أصابعها تكون مترددة في مدح شيء أعجبها.
رسائل بعد منتصف الليل
ذات ليلة، أرسل إليها نسخة جديدة من تصميم قاعة للعلاج الجماعي، ولم يكن يتوقع ردا قبل الصباح، لكنها أجابته بعد دقائق بصورة للشاشة رسمت حولها دائرة حمراء عند مكان المقاعد، وكتبت أن من يجلس هناك على كرسي متحرك سيبدو ملحقا بالدائرة لا جزءا منها، أعاد ترتيب المقاعد وسألها إن كانت أفضل، فأجابته أنها كذلك.
كتب لها إنها هذه أول مرة تقول فيها كلمة إيجابية عن تصميم له، فردت أن عليه ألا يفسد اللحظة، منذ تلك الليلة، اتسعت الرسائل خارج حدود العمل، فسألها عن الكتب التي تقرؤها، فأخبرته أنها تفضل الروايات التي لا تجعل الشخصيات المعاقة رموزا للإلهام أو أدوات للحزن.
قال لها في رسالة صوتية إنه ربما فعل شيئا مشابها حين تحدث في عرض المشروع عن الصعود من العجز إلى السيطرة، فردت بعد صمت قصير أنه فعل ذلك بالفعل، وانتظر نقدا طويلا، لكنها أضافت أن الفرق أنه انتبه، ظل يستمع إلى الرسالة أكثر من مرة، لا بسبب ما قالته فقط، بل بسبب الطريقة التي نطقت بها الجملة، ببطء يمنح الاعتراف وزنا، ويترك له مساحة كي يكون أفضل من خطئه.
إعجاب يتجاوز حدود العمل
بدأ الموظفون يلاحظون التغير في حضورهما، فصار باسل يصل قبل الاجتماعات بدقائق إضافية ليتأكد من خلو الممر من الصناديق، وصارت ريم تحتفظ له بنسخة من التقارير قبل توزيعها، مدعية أن السبب خوفها من أن يسيء فهم الجداول.
في إحدى الأمسيات، تعطلت الكهرباء للحظات بينما كانا وحدهما في المكتب، فغرق المكان في ظلمة زرقاء تسللت إليها أضواء الشارع، وتوقف المصعد بصوت معدني بعيد، طمأنها باسل أن المولد سيعمل، فأجابته أنها ليست قلقة من الظلام، بل تفكر في أن المصعد البديل غير متصل بالمولد.
التفت نحوها ثم نظر إلى باب السلم، وأدرك أن دقائق الانقطاع العابرة بالنسبة إليه قد تعني بالنسبة إليها احتجازا في طابق لا يمكن مغادرته، قال إنه لم يضع ذلك في التصميم الجديد، فأخبرته أنها تعرف، وأنه سيضيف نظام إخلاء آمنا، فابتسمت في العتمة وقالت إنها تعرف ذلك أيضا، حين عاد الضوء، وجد نفسه قريبا منها أكثر مما تسمح به مسافة العمل، فانعكس نور المصباح على عينيها بلون داكن هادئ لا يحتاج إلى شفقة ولا يبحث عن إعجاب، تراجع خطوة، لكن شيئا فيه بقي في مكانه.
سؤال خارج المخطط
بعد انتهاء الاجتماع النهائي الأول، خرجا إلى الشرفة المطلة على المدينة، والسيارات في الأسفل تنساب كخيوط ضوء، والهواء يحمل رائحة مطر مؤجل، سألها باسل إن كانت تقبل مرافقته إلى افتتاح معرض تصوير يوم الجمعة، فحدقت في وجهه وسألته إن كانت ستذهب بصفتها مستشارة وصول، فابتسم بتوتر لم تعهده فيه وأجابها أنها ستذهب بصفتها ريم.
لم تجبه فورا، بل وضعت كفيها على عجلات كرسيها ونظرت إلى المدينة كأنها تمنحه وقتا ليتراجع إن كان سؤاله نزوة عابرة، ثم قالت أخيرا موعد، فأجابها موعد، فقالت حسنا، كانت موافقتها هادئة، لكن باسل عاد إلى منزله كمن حصل على عقد بناء مدينة كاملة.
مفاجأة تنهار عند الدرجات
أمضى باسل ثلاثة أيام يخطط للموعد، ولم يرد أن يكون عاديا، ولا أن يختار مطعما مباشرا بعد معرض التصوير، بل أراد شيئا يثبت أنه قادر على رؤية ريم خارج الاجتماعات والملفات والملاحظات التقنية، تذكر أنها أخبرته ذات مرة بأنها تحب الأماكن القديمة المطلة على النهر، فحجز طاولة في مطعم أقيم داخل منزل أثري يعود إلى أكثر من مئة عام، وشرفته الخشبية معلقة فوق الماء وسط المصابيح الصفراء والنباتات المتسلقة، بحث في صور المكان على الإنترنت، ورأى جمالا كافيا كي يتوقف عن طرح الأسئلة.
وصل إلى المعرض مبكرا، وحين ظهرت ريم عند المدخل بثوب أخضر طويل وسترة سوداء، نسي العبارة التي ظل يرددها في طريقه، سألته إن كان وجد ملاحظة تصميمية جديدة، فأجابها إنه يحاول أن يجد جملة لا تبدو غبية، فقالت إن هذه بداية سيئة، فضحكا معا، ومر الجزء الأول من الموعد برقة فاجأتهما، إذ وقفا أمام صور لمدن مهجورة، واختلفا حول صورة لنافذة محطمة، ثم اشتريا قهوة من مقهى المعرض وجلسا يتحدثان دون أن يذكرا المشروع للمرة الأولى.
كان كل شيء يسير كما أراد باسل، حتى توقفت سيارة الأجرة أمام المطعم.
سبع درجات إلى الخيبة
رفع السائق الكرسي من صندوق السيارة ثم ابتعد، وأمامهما ارتفعت سبع درجات حجرية تؤدي إلى باب خشبي ثقيل، دون منحدر أو مصعد بجوارها، تجمد باسل في مكانه وقال إنه لا بد أن هناك مدخلا آخر، فنظرت ريم إلى الدرجات ثم إليه دون أن تقول شيئا.
صعد إلى الداخل مسرعا وسأل العامل، فعاد بعد دقائق وقد تلاشى اللون من وجهه، وأخبرها أن هناك بابا خلفيا لكن الطريق إليه ضيق قليلا، يمر من المطبخ وفيه درجتان فقط، وأن العمال يمكنهم أن يحملوا، توقف قبل أن يكمل، إذ كانت عيناها ثابتتين عليه دون غضب بعد، بل بذلك السكون الذي يسبق سقوط شيء ثقيل، وسألته حمل ماذا يا باسل، فأجابها الكرسي، وأنه يقصد أنهم يستطيعون مساعدتهما، فسألته وماذا عني.
اقترب منها خطوة واعتذر، وقال إنه رأى الصور ولم ينتبه، لكنهما يستطيعان إيجاد حل، حدقت في الدرجات السبع، ثم قالت بصوت خافت إن هذه ليست مشكلة تحتاج إلى حل بطولي، وإنه كان يكفي أن يتصل ويسأل، شعر باسل بأن كل ما تعلمه خلال الأسابيع الماضية انكشف فجأة كقشرة رقيقة، فقد أعاد تصميم مركز كامل، ثم اختار لموعدهما مكانا لا تستطيع دخوله.
قال متلعثما إنه أراد أن يفاجئها، فرفعت رأسها إليه وقد ظهر الألم في وجهها أخيرا، وقالت إن هذه هي المشكلة بالضبط، فقد أراد أن يكون الشخص الذي يصنع مفاجأة جميلة أكثر مما أراد أن يعرف إن كانت جميلة بالنسبة إليها.
أنت معجب بقوتي فقط
انحرفا عن مدخل المطعم واستقرا قرب سور حجري يطل على النهر، والهواء بارد، وأضواء القوارب تتكسر فوق الماء، بينما بقيت الطاولة المحجوزة في الأعلى قريبة بما يكفي لأن يراها باسل وبعيدة بما يكفي كي لا تصل إليها ريم.
اعترف بخطئه، فأجابته أنه يعرف أنه اختار مكانا غير مناسب، لكنه لا يعرف لماذا يؤلمها هذا، جلس على الحافة المقابلة لها محاولا ألا يملأ صمته بالتبرير، فقالت له إنه منذ أن التقيا وهو معجب بأنها تواجه مجلس الإدارة، وترفض تصميماته، وتعبر الشوارع المكسورة وحدها، وإنه يحب فكرة أنها قوية لأن ذلك يجعله مرتاحا.
فتح فمه ليتكلم، لكنها واصلت أن القوة مريحة لمن حولنا، وأنها تجعلهم يظنون أننا لا نتعب، ولا نحتاج إلى أن يفكر أحد قبل أن يدعونا إلى مكان، أو يسألنا عما يناسبنا، أو يعترف بأن الوصول ليس امتحانا يوميا يجب أن ننجح فيه، قال إنه لم يرد أن يجعلها تخوض امتحانا، فأجابته أن هذا ما حدث، وأنه كان يتوقع أن يجدا بابا خلفيا أو أن يحملها العمال، ثم يتحول الموقف إلى حكاية لطيفة عن تجاوز العقبات، بينما هي لا تريد أن تتجاوز عقبة في كل موعد، بل تريد أحيانا أن تصل من الباب نفسه مثل أي إنسان.
الفرق بين أن ترى إنسانا وأن تتخيله
قال باسل بعد صمت إنه ظن أنه فهم، فأجابته أنه فهم أشياء، لكنه حولها في رأسه إلى شخصية لا تفاجئها العوائق، امرأة قوية تعرف دائما ماذا تفعل، ولم ير أنها قد ترتدي ثوبا جميلا لموعد، ثم تشعر بالإهانة لأن الخطة كلها افترضت أن جسدها تفصيلة يمكن حلها عند الوصول.
نظر إلى فستانها الأخضر، وإلى الحقيبة الصغيرة المعلقة بجانب الكرسي، وتخيل الوقت الذي أمضته في الاستعداد، فلم يعد يرى مجرد مشكلة في الوصول إلى مطعم، بل مساء كاملا سرق منها عند سبع درجات، اعتذر مجددا وقال إنه يعرف أن الاعتذار لا يصلح الموعد، فأجابته أنه لا يصلحه فعلا، فسألها إن كانت تريد العودة إلى المنزل، فنظرت نحو النهر وقالت نعم.
لم يطلب فرصة ثانية، ولم يحاول تحويل المغادرة إلى مشهد مصالحة، بل اتصل بسيارة مناسبة وانتظر معها حتى وصلت، ثم سأل السائق بنفسه عن التجهيزات قبل أن يساعد ريم في تثبيت الكرسي بعد أن طلب إذنها، حين أغلقت الباب، قالت له إن المركز الذي صممه صار أفضل لأنه تعلم أن يسأل، وطلبت منه ألا يجعل إعجابه بنفسه ينسيه السؤال خارج العمل، انطلقت السيارة، وبقي باسل أمام المطعم يراقب الدرجات التي بدت له الآن أقبح من أي خطأ رسمه في حياته.
صمت يعيد كل شيء إلى البداية
في الأيام التالية، اقتصرت رسائلهما على العمل، فكانت ريم تجيب بدقة دون قسوة أو دفء، بينما توقف باسل عن إرسال الملاحظات الليلية والصور الساخرة، حاول في البداية كتابة اعتذار طويل ثم مسحه، إذ بدا له كل نص دفاعا مستترا، وكل وعد محاولة لاستعادة مكانه في قلبها قبل أن يستحقه.
بدلا من ذلك، بدأ يراجع عاداته الصغيرة، وتذكر كيف كان يمد يده إلى كرسيها دون سؤال، وكيف افترض أن المكان الخلفي قد يكون حلا، وكيف احتفى بقوتها لأنه لم يعرف ماذا يفعل أمام حاجتها، لم يكن يريد أن يصبح الرجل الذي يحفظ قائمة قواعد للتعامل معها، بل الرجل الذي يفهم أنها لا تحتاج إلى بطولة منه، بل إلى حضور لا يختصرها في كرسيها ولا يتجاهلها حين يفسد الصورة الرومانسية التي رسمها لها.
رسالة بلا وعود
بعد أسبوع، وصل إلى ريم بريد إلكتروني من باسل لا يتجاوز ثلاثة أسطر، أخبرها فيه أنه لم يبحث عن مطعم جديد ولم يحجز مفاجأة أخرى، وأنه يريد أن يعتذر وجها لوجه في المكان والوقت اللذين تختارهما هي، وإن لم ترغب فسيحترم ذلك.
قرأت الرسالة في مكتبها مرتين، ولم يكن فيها استعطاف ولا جملة عن أنه لم يقصد، ولا محاولة لإثبات أنه رجل جيد، بل كانت مجرد مساحة تركها لها دون أن يملأها بتوقعاته، أجابته بعد ساعة أن يأتي غدا في الخامسة إلى الحديقة العامة الجديدة قرب المكتبة، وطلبت منه ألا يحضر قهوة لأن هناك مقهى مناسبا بالداخل.
وصل قبل الموعد لكنه لم يدخل، بل انتظر عند البوابة حيث يستطيع رؤيتها حين تقترب، كانت الحديقة مجهزة بممرات مستوية وطاولات متفاوتة الارتفاع ومناطق جلوس لا تفصل مستخدمي الكراسي عن غيرهم، فلاحظ باسل التفاصيل فورا، وأدرك أنه بدأ يراها دون أن يبحث عنها عمدا.
موعد بلا مفاجآت
جلست ريم إلى طاولة قرب نافذة المقهى، وجلس باسل أمامها، ولم تكن بينهما مخططات هذه المرة ولا ملفات يمكن الاختباء خلفها، اعتذر لها لأنه جعلها تشعر أنها مشكلة يجب حلها عند باب المطعم، فبقيت صامتة فتابع أنه آسف أيضا لأنه أعجب بقوتها بطريقة سمحت له أن يتجاهل تعبها، وأنه كان يظن أن رؤيتها كشخص قوي تعني أنه يراها جيدا، لكنها كانت صورة ناقصة ومريحة له وحده.
وضعت ريم كفيها حول فنجانها وسألته ماذا تغير، فأجابها إنه لا يستطيع أن يقول إنه صار يفهم كل شيء، لكنه فهم أن النية ليست تصريحا يسمح له بالتوقف عن السؤال، وأن الوصول ليس خدمة إضافية يقدمها لها، بل شرط أساسي لأي مكان يدعوها إليه.
تأملته طويلا كما تأملت مخططه في اليوم الأول، وكان يعرف أنها تبحث عن الفرق بين الكلمات التي تعلمها والرجل الذي يحاول أن يصبحه، قالت إنها كانت غاضبة لأنها أحبت الموعد قبل أن يصلا إلى المطعم، ثم أضافت أنها كانت غاضبة أكثر لأنها أحبته قليلا، لم يبتسم فورا، بل ترك الجملة تستقر بينهما دون أن يندفع لامتلاكها، وسألها إن كان ما زال هناك شيء من ذلك القليل، فأجابته وهي تنظر إلى الممر الممتد خارج النافذة ربما، لكنه يحتاج إلى تصميم جديد، فضحك بخفة وقال إنه هذه المرة لن يبدأ الرسم قبل أن يسأل صاحبة المشروع.
التصميم الذي يبدأ من الناس
بعد شهرين، عرض المخطط النهائي لمركز التأهيل أمام مجلس الإدارة، ولم تعد الواجهة تضم درجات منفصلة أو منحدرا جانبيا، بل ممرا واسعا يرتفع بانسياب، يمر به الأطفال وكبار السن ومستخدمو الكراسي والآباء الذين يدفعون عربات صغيرة، قال أحد أعضاء المجلس إن المدخل يبدو أبسط من النسخة الأولى، فأجابه باسل أنه أبسط في الشكل لكنه أعمق في الفكرة، إذ لا يوجد طريق رئيسي وآخر بديل، بل يدخل الجميع من المكان نفسه.
كانت ريم تجلس بين الحاضرين، ولم تتدخل إلا حين سألها المدير عن تقييمها، فنظرت إلى باسل ثم إلى المخطط وقالت إن التصميم هذه المرة بدأ من الناس، بعد الاجتماع، خرجا معا إلى الشارع في مساء دافئ، وقد أرسل باسل إليها مسبقا ثلاثة اقتراحات لأماكن يمكنهما الذهاب إليها، مع معلومات الوصول وصور المداخل وقرب دورات المياه المناسبة.
توقفت ريم أمام القائمة على هاتفه وقالت إن هذا تحقيق هندسي لا موعد، فأجابها إنه تعلم من مستشارة قاسية أن التفاصيل مهمة، اختارت مطعما صغيرا يطل على ساحة مفتوحة، ثم أعادت إليه الهاتف، فسألها إن كانت تسمح له بمفاجأة واحدة، فضيقت عينيها بحذر وسألته ما هي.
أخرج من حقيبته ورقة مطوية ففتحتها، فوجدت رسما سريعا لطاولة مستديرة يجلسان حولها، وقد ترك أمام كرسيها فراغا مناسبا بدل أن يرسم مقعدا تقليديا، وكتب أسفل الرسم بخط صغير أن مكانها ليس إضافة إلى المشهد، رفعت رأسها نحوه وبقيت تنظر إليه حتى بدأ القلق يتسلل إلى وجهه، فسألها إن كان أفسدها مرة أخرى، فابتسمت وقالت لا، هذه المرة فهمت المفاجأة.
باب يفتحه الجميع معا
في يوم افتتاح المركز، احتشد الزوار أمام المدخل الجديد، وتدفقت الكراسي المتحركة وعربات الأطفال والعكازات والأقدام السريعة فوق الممر نفسه، دون أن يضطر أحد إلى الانفصال عن رفاقه أو الاختفاء خلف المبنى، وقف باسل قرب البهو يراقب المشهد، ثم لمح ريم تصعد الممر وسط مجموعة من الأطفال، فلم تكن أول من يدخل، ولم تتقدم بصفتها رمزا ملهما، بل كانت واحدة من الناس الذين صمم المكان لأجلهم ومن خلالهم.
اقتربت منه وسألته إن كان يفتقد الدرجات الجميلة، فنظر إلى المدخل الممتلئ بالحياة وأجابها أنها كانت جميلة لأنها بقيت فارغة في الصور، وأن هذا أجمل لأنه يستخدم، مدت يدها إليه فأمسكها دون استعجال، ودخلا معا من الباب الرئيسي، لا من مدخل خاص ولا من طريق خلفي، بينما انفتح أمامهما البهو الواسع كصفحة لم يكتبها مهندس وحده، بل صاغها الإصغاء والخطأ والاعتذار والمحاولة الثانية.
لم يكن باسل قد تعلم كيف يزيل كل العوائق من طريق ريم، ولم تكن هي تريد منه ذلك، فكل ما تغير أنه توقف عن اعتبارها بطلة لا تتعب، وتوقف عن اعتبار نفسه منقذا يعرف الحل قبل أن يسمع السؤال، وفي الحب كما في العمارة، لا يكفي أن تكون النوافذ واسعة والواجهات براقة، فقد يبدو المكان كاملا من الخارج بينما يعجز من تحبه عن عبور بابه، أما التصميم الصادق، فيبدأ حين لا نسأل كيف نجعل الآخر يناسب خطتنا، بل كيف نصنع بيننا مساحة لا يضطر فيها أحد إلى أن يثبت كل يوم أنه يستحق الدخول.
