عودة إلى جزيرة السرو، لم يكن في السماء قمر في الليلة التي عادت فيها الأخوات الثلاث إلى جزيرة السرو، ولم تكن المنارة القائمة فوق الجرف ترسل شعاعا واحدا نحو البحر، فقد ظلت مطفأة منذ أربعين عاما، ومع ذلك كانت قبتها الزجاجية تدور ببطء، مطلقة أنينا معدنيا طويلا، وكأن عينا عمياء تحاول أن ترى شيئا لا تدركه الأبصار.
تقدمت ليلى في الطريق الحجري وهي تضم معطفها حول جسدها، بينما كانت الريح المالحة تدفع شعرها إلى وجهها وتملأ فمها بطعم الصدأ، خلفها سارت سلمى بخطى ثابتة، تحمل حقيبة الأوراق التي تسلمتها من المحامي، في حين تأخرت نور قرب حافة الجرف، شاردة في البحر الأسود المتحرك أسفلها.
قالت نور، وهي ترفع صوتها فوق هدير الأمواج: لا أصدق أن أبي ترك لنا هذا المكان، فأجابت سلمى دون أن تلتفت: لم يترك لنا مكانا فقط، بل ترك لنا ديونا تكفي لإغراق الجزيرة كلها، أما ليلى، أكبر الأخوات، فبقيت صامتة، تحدق في المنارة التي أمضت طفولتها وهي تخشاها، وفي بابها الحديدي الذي بدا من بعيد كفم مغلق على سر قديم.
وصية حارس البحر
جاءت وفاة حسان المرسي، والد الأخوات، مفاجئة كصخرة تظهر فجأة في طريق سفينة وسط الضباب، وجد جالسا أمام مكتبه في غرفة القياسات، ويده فوق سجل مفتوح، بينما توقفت ساعة الجدار عند الثالثة وسبع عشرة دقيقة فجرا، لم يترك رسالة وداع ولا تفسيرا، بل وصية مقتضبة تنص على أن تنتقل المنارة بكل ما فيها إلى بناته الثلاث بالتساوي، بشرط ألا تباع قبل مرور ثلاثين يوما على وفاته.
في الصباح التالي جلس المحامي نجيب في المطبخ القديم، ووضع أمامهن ملفا رماديا منتفخا بالأوراق، وقال وهو يدفع نظارته فوق أنفه: هناك قرض مصرفي بضمان المنارة، وضرائب متأخرة، وفواتير صيانة لم تسدد منذ سنوات، والمبلغ الإجمالي يقارب قيمة العقار نفسه، رفعت سلمى حاجبيها وسألت: أي أننا لم نرث شيئا؟ فأجابها: ورثتن فرصة بيع المنارة قبل أن يحجز عليها البنك.
كانت سلمى قد عملت سنوات في إدارة الحسابات بشركة عقارية، فبدأت فورا تقلب الأرقام بأصابع خشنة النقر على الطاولة، أما نور، الصغرى، فراحت تتفحص المطبخ بعينين شاردتين، بين الأكواب النحاسية والصور القديمة والستائر التي أكل الملح لونها، سألت نور: أريد أن أعرف لماذا اشترط ألا نبيع قبل ثلاثين يوما، فأغلقت سلمى الملف قائلة: لأنه كان عنيدا حتى بعد موته.
نظرت ليلى إلى النافذة المطلة على المنارة، فرأت القبة تدور في وضح النهار، بطيئة صامتة، رغم أن مصباحها لم يعمل منذ عقود.
عرض لا يمكن رفضه
قبل أن يغادر المحامي، أخرج مظروفا أبيض ووضعه بجوار ملف الديون، وقال: هذا وصل صباح اليوم، عرض شراء من شركة المدى المتحدة للملاحة، فتحته سلمى بسرعة، فإذا السعر أعلى من قيمة الديون بقليل، يكفي كل أخت لبداية جديدة، لكنه أقل بكثير مما تساويه الأرض لو تحولت الجزيرة إلى منتجع سياحي، قالت سلمى بحسم: نبيع، نسدد البنك، وينتهي الأمر.
مدت ليلى يدها نحو الورقة، فوجدت توقيعا مطبوعا باسم رائد الكيلاني، رئيس مجلس إدارة الشركة، كانت تعرف الاسم، فسفن المدى المتحدة، الضخمة زرقاء البدن التي تحمل شعار جناح نورس فضي، تمر قرب الجزيرة منذ سنوات، وقد بدأت الشركة أخيرا تشغيل قوارب صيد تجارية في الممر البحري شرق الجزيرة.
سألت ليلى: لماذا تريد شركة ملاحة شراء منارة لا تعمل؟ فأجابت سلمى: الأرض، والمرسى، والمخازن، أي شيء يمكن تحويله إلى نقود، هزت نور رأسها معترضة: أبي لم يكن ليسمح لهم حتى بطلاء سورها، فارتفع صوت سلمى: أبي مات وترك لنا فاتورة عناده، ولا أحد يستطيع العيش بالشعارات يا نور، وبقي عرض الشراء فوق الطاولة بينهن، أبيض نظيفا، كقطعة قماش تنتظر أن تغطي جثة.
قلب المنارة المغلق
في المساء حاولت ليلى فتح باب غرفة القياسات في الطابق العلوي، فوجدته مقفلا بمفتاح لم يكن ضمن الحلقة التي تركها المحامي، كانت الغرفة تقع تحت القبة مباشرة، وقد اعتاد والدهن أن يمنعهن من دخولها في طفولتهن، بحجة أن الأجهزة حساسة وأن خطأ صغيرا قد يجعل السفن تسير في اتجاه خاطئ، لم تفهم ليلى وقتها كيف تقود منارة بلا ضوء سفينة، لكنها لم تكن تجرؤ على سؤاله مرتين.
وضعت أذنها على الباب فسمعت من الداخل نقرا منتظما، يتبعه احتكاك خافت كأن قلما يرسم خطا فوق ورقة، قالت نور خلفها فجأة: إنها تعمل، فانتفضت ليلى والتفتت، لتجد نور تحمل صندوقا خشبيا صغيرا عثرت عليه تحت سرير أبيهما.
المفتاح داخل الساعة
فتحت نور الصندوق فظهرت ساعة جيب فضية متوقفة عند الثالثة وسبع عشرة دقيقة، التوقيت نفسه الذي توقفت عنده ساعة غرفة القياسات، قالت وهي تتفحصها: ظهر الساعة أثقل من اللازم، ضغطت بأظفرها على حافتها، فانفتح غطاؤها الخلفي وسقط منه مفتاح نحاسي صغير.
أدخلت ليلى المفتاح في الباب فدار بسهولة، وانبعث من الغرفة هواء بارد مشبع برائحة الزيت والورق الرطب، كانت الجدران مغطاة بخرائط بحرية، لكن الخطوط المرسومة عليها لم تكن ثابتة، فخيوط رفيعة من الحبر الأحمر والأزرق والأسود تتقاطع فوق المساحات المائية، بعضها يمتد خارج الحدود المعروفة ثم يعود في دوائر غير منتظمة.
في وسط الغرفة وقف جهاز ضخم من النحاس والخشب، متصل ببوصلة ومقياس زوايا وعدسات زجاجية وأسطوانة ورقية تدور ببطء تحت إبرة دقيقة، وفوقه لوحة معدنية كتب عليها: مقياس الانحراف الملاحي، النموذج الثالث.
اقتربت سلمى وسألت وهي تعقد ذراعيها: وما الذي يقيسه بالضبط؟ فأجابت ليلى، متذكرة كلمات والدها القديمة: لا يقيس اتجاه السفن، بل الفرق بين طريقها الحقيقي والطريق المسجل في خرائطها الرسمية، حدقت نور في الأسطوانة الورقية، فرأت الإبرة ترسم خطوطا متعرجة، وكل بضع دقائق تطبع آلة صغيرة اسم سفينة وإحداثياتها ودرجة انحرافها، قالت نور بصوت خافت: المنارة لم تكن عمياء، فمررت ليلى أصابعها فوق أحد الخطوط قائلة: كانت ترى الكذب.
خرائط تتحرك في الظلام
قضت الأخوات الساعات التالية في فحص السجلات المتراكمة داخل خزائن الحديد، كان والدهن يسجل مرور كل سفينة، وخط سيرها المعلن، ومسارها الحقيقي، والفارق بينهما، في السنوات الأولى بدت الانحرافات طبيعية، درجات قليلة لتجنب عاصفة أو صخور أو قارب صيد، لكن قبل ثمانية عشر شهرا بدأت سفن المدى المتحدة تسلك مسارات متكررة لا تظهر في الخرائط الرسمية، تدخل ممرا ضيقا شرق الجزيرة وتخرج منه بعد ساعات محملة بأطنان من السمك، رغم أن المنطقة محمية بحرية مغلقة أمام الصيد التجاري.
قالت سلمى وهي تقلب الصفحات: ربما تغيرت الخرائط ولم يحصل أبي على النسخ الجديدة، فأشارت ليلى إلى تاريخ حديث في أحد السجلات: كان يتلقى تحديثات الموانئ أسبوعيا، انظري إلى الأختام، انحنت نور فوق خريطة كبيرة مثبتة على الطاولة، فوجدت خطا أسود رسمه والدهن على هامشها وكتب بجواره الحد الحقيقي وفق عوامات الدولة القديمة، بينما ظهر خط أحمر آخر ينقل حدود المحمية أميالا غربا، فيصبح ممر الأسماك خارج المنطقة المحمية قانونيا.
قالت نور: أحدهم غير الحدود على الورق، فأجابت ليلى: ثم جعل السفن تتصرف كأن الحدود الجديدة حقيقية، رفعت سلمى أحد السجلات أمام الضوء معترضة: هذا لا يثبت أن الشركة هي من غيرت الخرائط، وفي تلك اللحظة رن جرس صغير متصل بجهاز القياس، فتحركت الإبرة بعنف، ثم طبعت الآلة اسم سفينة تمر في البحر القريب، المدى السابع، انحراف أحد عشر ميلا وثمانية أعشار الميل شرقا، اتجهت الأخوات إلى النافذة، فرأين بعيدا في الظلام أضواء سفينة كبيرة لا تسير نحو الميناء كما ينبغي، بل تتجه مباشرة إلى الممر المحظور.
الرجل ذو المعطف الأبيض
في صباح اليوم التالي وصل قارب سريع إلى رصيف الجزيرة، ونزل منه رجل طويل يرتدي معطفا أبيض لا يناسب طقس البحر، يتبعه رجلان يحملان حقيبتين سوداوين، كان شعره مصففا بعناية، وحذاؤه خاليا من أثر الماء رغم الرذاذ المتطاير، قدم نفسه باسم فؤاد الراوي، المستشار القانوني لشركة المدى المتحدة، ودخل غرفة الجلوس دون انتظار دعوة، ووضع على الطاولة نسخة جديدة من عرض الشراء.
قال بابتسامة محسوبة: السيد الكيلاني يقدر مكانة والدكن، ويرغب في إنهاء الإجراءات بسرعة حتى لا تتعرضن لمشكلات البنك، سألته ليلى: لماذا تريد الشركة المنارة؟ فأجاب: لإنشاء مركز مراقبة حديث يخدم سلامة الملاحة، ضحكت نور ضحكة قصيرة جافة: شركتكم تقلق على سلامة الملاحة إلى هذا الحد؟ فنظر إليها للحظة ثم أعاد ابتسامته: البحر لا يرحم السخرية يا آنسة نور، أما سلمى فكانت تحدق في الرقم الجديد، إذ زاد العرض بمقدار الثلث.
ثمن الصمت
قال فؤاد وهو يخرج قلما فاخرا: يمكننا توقيع اتفاق مبدئي الآن، وتتولى الشركة تسوية الديون خلال ثمان وأربعين ساعة، سألته ليلى: وماذا يوجد في الحقائب؟ فتوقفت يده، والتفت أحد الرجلين إلى الحقيبتين، ثم قال فؤاد: معدات هندسية لمعاينة المبنى، وقفت ليلى أمام باب السلم المؤدي إلى غرفة القياسات وقالت: لن يعاين أحد شيئا اليوم، اختفت الابتسامة من وجهه للمرة الأولى، وقال: آنسة ليلى، بعض الآلات القديمة قد تكون خطرة، خصوصا إن كانت متصلة بأنظمة ملاحة عفا عليها الزمن، فردت نور: لم نخبرك بوجود آلات.
ساد الصمت الغرفة، وفي الخارج ضربت موجة قوية جدار الرصيف فاهتز زجاج النوافذ، أغلق فؤاد قلمه ببطء ووقف قائلا: أمامكن ثلاثة أيام لقبول العرض، بعدها قد تبدأ إجراءات الحجز وعندها لن تحصلن على شيء، وقبل أن يغادر اقترب من ليلى حتى صارت رائحة عطره الحاد أقوى من رائحة البحر، وقال بصوت لا يسمعه سواها: والدك أضاع سنواته وهو يطارد خطوطا فوق الماء، لا تكرري خطأه.
الأخوات الثلاث أمام البحر
انفجر الخلاف بعد رحيل القارب، ألقت سلمى الأوراق فوق الطاولة فتناثرت كشظايا بيضاء، وقالت: العرض يكفي لسداد كل شيء، ويمنح كل واحدة منا فرصة للبدء من جديد، فما الذي تريدانه أكثر؟ أجابت نور: الحقيقة، فردت سلمى بحدة: الحقيقة لا تدفع إيجار بيت، ولا تسدد قرضا، ولا تعيد أبي، قالت ليلى بهدوء: لكنها ربما تفسر موته.
تجمدت سلمى وقالت: الطبيب قال إنه مات بأزمة قلبية، رفعت ليلى سجلا وجدته أسفل درج سري في مكتب أبيهما، كانت صفحته الأخيرة مكتوبة بخط مضطرب، وفي أسفلها جملة واحدة تقول إذا توقفت الساعة فاعلموا أن الانحراف وصل إلى اليابسة، قالت نور: الساعة توقفت وقت موته، مسحت سلمى وجهها بكفيها وقالت: أنتما تريدان تحويل حادث طبيعي إلى مؤامرة، لأن ذلك أسهل من الاعتراف بأنه رحل وتركنا وحدنا، ثم أشارت إلى الجدران الرطبة وقالت: أنا لا أستطيع العودة إلى هذا المكان، قضيت نصف عمري أهرب منه، وخرجت من الغرفة وصفقت الباب خلفها.
ما لم تقله سلمى
وجدتها ليلى عند الغروب قرب المرسى، تحدق في مياه الخليج الضحلة، وفي يدها هاتفها الذي تظهر شاشته رسالة من البنك تطالبها بسداد قرض شخصي متأخر، قالت ليلى: لم تخبرينا، فأغلقت سلمى الشاشة بسرعة وقالت: لا شأن لك، فردت ليلى: لهذا تريدين البيع، استدارت سلمى إليها، وعيناها حمراوان من الريح أو من شيء آخر، وقالت: خسرت عملي قبل شهرين، والشقة مهددة بالحجز، ولدي ابنة ستبدأ الجامعة بعد أسابيع ولا أملك رسوم الفصل الأول.
لم تعرف ليلى ماذا تقول، فتابعت سلمى: أنت تعملين في المكتبة وتعيشين وحدك، ونور ترسم وتنتقل من مدينة إلى أخرى بلا التزامات، أما أنا فلا أملك ترف البطولة، أجابت ليلى: لم أطلب منك أن تكوني بطلة، فقالت سلمى: لكنك ستجعلينني خائنة إن بعت، هبطت الكلمات بينهما أثقل من المرساة، مدت ليلى يدها فابتعدت سلمى وقالت: أريد أن أخرج من هنا فقط، قبل أن يصبح البحر هو الشيء الوحيد الذي نملكه، وتوجهت نحو البيت.
الشريط المخفي داخل العدسة
في تلك الليلة بدأت عاصفة مبكرة تضرب الجزيرة، صعدت ليلى ونور إلى القبة لتثبيت النوافذ، فوجدتا العدسة المركزية تهتز داخل إطارها رغم أن الريح لم تصل إلى الغرفة، لاحظت نور أن أحد المسامير أحدث من بقية المسامير، ففكته بحافة سكين، فانفتح تجويف ضيق داخل قاعدة العدسة، وظهر شريط تسجيل صغير ملفوف بقطعة قماش زرقاء.
أدخلت ليلى الشريط في جهاز التشغيل الموجود بمكتب أبيهما وضغطت الزر، فخرج أولا صوت احتكاك، ثم تنفس حسان المرسي متقطعا قبل أن يتكلم: إلى بناتي، إن وصلتن إلى هذا التسجيل فمعنى ذلك أنني لم أستطع تقديم الأدلة بنفسي، أمسكت نور بذراع ليلى وهما تصغيان.
تابع صوته: شركة المدى لم تغير خرائطها فقط، بل اشترت توقيعات في هيئة الموانئ، ونقلت العوامات البحرية ليلا، ثم عاملت الخط المزور كأنه حد رسمي، توقف التسجيل لحظات، وسمع صوت كأس يرتطم بطاولة، ثم قال: الممر الشرقي ليس مجرد منطقة صيد، إنه طريق تكاثر أسراب السردين الأزرق، وإذا احتكرته الشركة ثلاث سنوات أخرى ستختفي الأسماك من سواحل سبع قرى.
سمعتا صوت باب يفتح في خلفية التسجيل، فانخفض صوت أبيهما وهو يقول: أرسلت نسخا إلى الوزارة لكنها اختفت، حاولوا شراء المنارة، ثم هددوا بإغلاقها، وأنا، انقطع صوته بسعال حاد، ثم أضاف: الجهاز وحده لا يكفي، الدليل الحقيقي موجود في عوامة الشاهد، عند الإحداثيات المكتوبة خلف الخريطة الأولى، وهناك وحدة تخزين تسجل أوامر تحريك العوامات وأسماء القوارب التي نفذتها، صدر صوت طرق شديد على الباب داخل التسجيل، فقال حسان بسرعة: لا تثقن بمن يأتي حاملا الحل، ولا تدعن الخوف يفرقكن، لأن المنارة لا تعمل إلا بثلاثة مفاتيح، توقف الشريط، وفي اللحظة نفسها انطفأت الكهرباء.
اقتحام المنارة
دوى صوت زجاج يتحطم في الطابق السفلي، حبست نور أنفاسها بينما التقطت ليلى المصباح اليدوي من فوق المكتب، وسمعتا وقع خطوات رجال يصعدون السلم الحجري، همست نور: فؤاد، دفعت ليلى خزانة السجلات أمام باب الغرفة، لكن الخطوات لم تتوقف، وطرق أحدهم الباب بقوة قائلا: افتحن الباب، هناك حريق في المولد، لم يكن في الهواء أي دخان.
أسرعت نور إلى جهاز القياس وبدأت تجمع السجلات المهمة في حقيبة قماشية، بينما بحثت ليلى بين الخرائط حتى وجدت الخريطة الأولى وقلبتها فرأت الإحداثيات مكتوبة بحبر باهت، اهتز الباب تحت ضربة عنيفة، فصاحت ليلى: أين سلمى؟ لم تجب نور، إذ كان سرير سلمى فارغا حين مرتا بغرفتها قبل دقائق.
المفتاح الثالث
انفتح الباب فجأة، لكن الرجل الذي ظهر خلفه لم يكن فؤاد، كانت سلمى واقفة في الممر، تحمل بندقية الإشارات القديمة، وخلفها رجلان من الشركة رافعان أيديهما، قالت وهي تدفعهما إلى الداخل: وجدتهما قرب المولد، شهقت نور: ظننت أنك غادرت، فأجابت سلمى دون أن تنظر إليها: حاولت، ثم أخرجت من جيبها مفتاحا حديديا صغيرا وقالت: وجدت هذا داخل ملف الديون، كان مثبتا تحت الغلاف.
اقتربت ليلى من الجهاز، فرأت في واجهته ثلاثة أقفال متجاورة لم تلحظها من قبل بسبب طبقة الغبار، كان المفتاح النحاسي من الساعة يناسب القفل الأول، والمفتاح الحديدي يناسب الثاني، أما نور فأخرجت من عنقها قلادة قديمة أهداها إياها والدها يوم بلغت السادسة عشرة، وكان طرفها مصقولا على هيئة مفتاح، قالت: كان يعرف أننا سنحتاج إلى العودة معا.
أدخلن المفاتيح الثلاثة في اللحظة نفسها، فدار الجهاز بصوت عميق، وانفتح درج مخفي أسفله يحتوي على مصباح إشارة قوي، وجهاز إرسال لاسلكي، وخريطة تحدد موقع عوامة الشاهد، سألت سلمى: ماذا نفعل بالرجلين؟ نظرت ليلى إلى النافذة، فرأت العاصفة تزداد، لكن الإحداثيات لم تكن تبعد سوى ميلين، قالت: نذهب إلى العوامة قبل أن تصل الشركة إليها.
سباق داخل الموج الأسود
كان قارب أبيهما الخشبي صغيرا أمام البحر الهائج، لكنه القارب الوحيد في المرسى الذي يمكن تشغيله دون نظام إلكتروني، تولت سلمى القيادة، فقد تعلمت الملاحة من أبيها قبل أن تهجر الجزيرة، جلست نور في المقدمة تمسك بالمصباح، بينما ثبتت ليلى الخريطة والبوصلة تحت معطفها، وبعد دقائق ظهر خلفهن قارب الشركة السريع يشق الماء بمحركين قويين، وصاح فؤاد عبر مكبر صوت: عدن إلى الجزيرة، البحر غير آمن فصرخت نور: يخاف على سلامتنا مجددا
ضربت موجة جانب القارب فمال حتى لامست حافته الماء، وأمسكت ليلى بالحبل فشعرت بجلد كفها يتمزق تحت الألياف الخشنة، سألت سلمى من خلف المقود: الإحداثيات؟ فنظرت ليلى إلى البوصلة وقالت: خمس درجات شرقا، ثم مستقيما حتى نرى ضوءا أخضر متقطعا، لكن لم يكن هناك ضوء، فقد كانت العوامة التي حركتها الشركة مطفأة وغارقة جزئيا بين الأمواج، لمحتها نور أولا، مجرد كتلة سوداء ترتفع وتهبط، فصاحت: هناك اقترب القارب منها، وقفزت ليلى بالحبل نحو السلم المعدني، فارتطمت قدمها بالعوامة وكادت تسقط بين القارب وجدارها الحديدي، لكن نور أمسكت بمعطفها وساعدتها على الصعود، وفتح فؤاد محرك قاربه إلى أقصى سرعة، إذ كان يقترب.
قلب العوامة
وجدت ليلى لوحة معدنية صغيرة أسفل المصباح المحطم، لكن المفتاح النحاسي لم يناسبها، ولا الحديدي، ولا قلادة نور، قالت سلمى من القارب: ربما تحتاج إلى رمز، تذكرت ليلى الساعة المتوقفة، فأدارت الأقراص إلى الثالثة وسبع عشرة دقيقة، فانفتح الغطاء، في الداخل ظهرت وحدة تخزين محكمة الإغلاق موصولة بجهاز تسجيل بحري، نزعتها ليلى ووضعتها داخل جيب معطفها.
وصل قارب الشركة إليهن، وقفز أحد الرجال نحو العوامة، بينما أمسك فؤاد بحافة قارب الأخوات وقال بصوت غاضب: أعطيني الوحدة، لا تعرفن ما الذي تفعلن، رفعت سلمى بندقية الإشارات وقالت: ابتعد، ضحك فؤاد: لن تطلقي النار، فوجهت سلمى البندقية نحو السماء وضغطت الزناد، فانطلقت شعلة حمراء شقت المطر وأضاءت البحر كله لثوان، وظهرت تحت وهجها ثلاثة قوارب صيد صغيرة تقترب من الشرق، إذ كان صيادو قرية السرو قد رأوا الإشارة، قالت سلمى: لم أكن أصوب إليك.
الشهادة التي سمعها الساحل
عاد الجميع إلى المنارة قبيل الفجر، ووصل الصيادون أولا ثم خفر السواحل بعد أن التقطوا نداء الاستغاثة الذي أرسله جهاز المنارة، حاول فؤاد الادعاء أن الأخوات سرقن معدات ملاحية تابعة للشركة، لكنه لم يكن يعرف أن سلمى تركت جهاز التسجيل يعمل منذ دخوله البيت.
داخل غرفة القياسات وصل المهندس التابع لخفر السواحل وحدة التخزين بحاسوب محمول، فظهرت ملفات مؤرخة تمتد إلى عامين، تحتوي على أوامر مكتوبة من إدارة المدى المتحدة إلى أطقم قوارب صغيرة، تحدد مواعيد تحريك العوامات والإحداثيات الجديدة والمبالغ المدفوعة، كما ظهرت أسماء موظفين في هيئة الموانئ إلى جانب خرائط مزورة تحمل أختاما رسمية.
لكن الملف الأخير كان الأخطر، إذ تضمن تسجيلا صوتيا لمحادثة بين فؤاد ورائد الكيلاني، رئيس الشركة، يتحدثان فيها عن حسان المرسي، قال صوت فؤاد: الرجل رفض العرض للمرة الرابعة، فأجابه الكيلاني: أوقفوا جهازه قبل أن يرسل القياسات، لا أريد حادثا يلفت الانتباه، فقط اجعلوه يبدو كعجوز مات في مكانه، حدقت الأخوات في الشاشة، فلم يثبت التسجيل أن والدهن قتل بصورة مباشرة، لكنه أثبت أن رجال الشركة دخلوا المنارة ليلة موته وعبثوا بالمولد وجهاز القياس.
قال ضابط خفر السواحل: ستحتاج النيابة إلى فحص كل شيء، لكن لا أحد سيبيع هذه المنارة الآن، جلس فؤاد على الكرسي وقد اختفى اللون من وجهه، أما سلمى فكانت تنظر إلى الساعة المعلقة فوق المكتب، وحين أعاد المهندس الكهرباء إلى النظام تحرك عقرب الثواني فجأة، فخرج من الثالثة وسبع عشرة دقيقة وواصل دورانه.
البيع الذي لم يحدث
خلال الأسابيع التالية تحولت جزيرة السرو إلى مركز تحقيق كامل، فجمدت أنشطة شركة المدى في الممر الشرقي، وأعيدت العوامات إلى مواقعها القديمة، وبدأت لجان مستقلة مراجعة الحدود البحرية المعدلة في الوثائق الرسمية، وتبين للمحققين أن قرض المنارة لم يكن طبيعيا هو الآخر، فقد اشترت الشركة الدين من البنك عبر وسيط، ثم ضاعفت الفوائد والرسوم لتجبر حسان على البيع، وبعد ظهور الأدلة ألغي جزء كبير من الدين، وتكفلت هيئة حماية السواحل بترميم الجهاز بوصفه أداة رقابة ذات قيمة عامة.
لكن الخلاف بين الأخوات لم ينته بمجرد زوال الخطر، في صباح صاف بعد انتهاء العاصفة جلسن أمام البيت يشربن القهوة وينظرن إلى البحر الهادئ وكأنه لم يبتلع ليلته السابقة، قالت سلمى: ما زلت لا أستطيع البقاء هنا، نظرت إليها نور دون اعتراض، فتابعت سلمى: سأعود إلى ابنتي، وسأبحث عن عمل، وربما أبيع نصيبي لكما يوما، لكن ليس للشركة وليس تحت التهديد، قالت ليلى: لم نكن نريد سجنك في الجزيرة، فابتسمت سلمى ابتسامة متعبة وقالت: أعرف الآن.
أما نور فقررت تحويل المخزن القديم إلى مرسم صغير تقيم فيه بضعة أشهر كل عام، وقالت إنها تريد رسم خرائط لا تخبر الناس أين تنتهي الأرض، بل أين يبدأ الخداع، وبقيت ليلى وحدها الأكثر تعلقا بالمكان، فلم تعد ترى المنارة قبرا لأبيها، بل جملة لم يكتمل معناها إلا حين قرأتها الأخوات معا.
الضوء الأول للمنارة العمياء
بعد ثلاثة أشهر اجتمع سكان القرى الساحلية عند الجرف للاحتفال بإعادة تشغيل المنارة، لم يثبتوا فيها مصباحا ملاحيا تقليديا، لأن وظيفتها لم تكن أن تخبر السفن أين تسير، بل أن تسألها لماذا انحرفت، ومع ذلك اقترحت نور إضافة ضوء صغير إلى القبة، لا يوجه السفن ولا يظهر في الخرائط، بل يلمع كلما سجل الجهاز انحرافا غير مبرر.
عند الغروب مرت أول سفينة قرب الجزيرة، فتحركت العدسة وبدأت الأسطوانة الورقية تدور، وارتجفت الإبرة قليلا ثم استقرت على مسار مطابق للخريطة، فبقي الضوء مطفأ، بعد ساعة ظهرت سفينة صيد مجهولة تحاول دخول الممر المحمي، فارتفع جرس المنارة وتحركت الإبرة بقوة، فاشتعل الضوء للمرة الأولى، أبيض نقيا قصيرا حادا، لكنه انعكس فوق الماء لمسافة بعيدة.
صفق أهل القرية، بينما وقفت الأخوات الثلاث قرب النافذة، قالت نور: أخيرا أضاءت، فهزت ليلى رأسها وقالت: لا، هي لم تضيء البحر، ثم نظرت إلى السفينة وهي تغير اتجاهها بعد تلقي إنذار خفر السواحل، وأضافت: أضاءت الكذبة، وضعت سلمى يدها فوق كتف أختها، وبقين واقفات حتى ابتلع الأفق آخر لون للشمس.
لم تعد المنارة إرثا ثقيلا، ولا دينا متراكما، ولا منزلا يحاول الماضي أن يحتجزهن داخله، بل أصبحت شاهدا لا ينام، وعينا لا تحتاج إلى الضوء كي ترى.
حين تنحرف الخرائط
ليست كل الحدود المرسومة فوق الورق حقيقية، وليست كل الطرق الرسمية تقود إلى وجهة عادلة، أحيانا يكفي أن يملك الأقوى قلما وختما حتى ينقل البحر من مكانه، ويقنع الآخرين بأن الموج هو الذي أخطأ، لكن الحقيقة، مثل المنارة العمياء، لا تحتاج دائما إلى ضوء مبهر، بل تحتاج فقط إلى من يحفظ القياسات، ويقارن المسارات، ويرفض أن يبيع ذاكرته حين يصبح الصمت أكثر ربحا من الكلام، وقد أدركت الأخوات أن الميراث لم يكن المبنى القائم فوق الجرف، بل القدرة على رؤية الانحراف قبل أن يتحول إلى خريطة جديدة يصدقها الجميع.
