عند الثانية عشرة وسبع عشرة دقيقة بعد منتصف الليل، انفرج الباب الزجاجي لقسم الطوارئ، واندفعت عبره نقالة يركض خلفها مسعفان، تحمل رجلا لا يعرف أحد اسمه، كان المطر يتساقط من معطفه الممزق، ويرسم الدم اليابس خطا داكنا عند صدغه، فيما ارتفع صوت الممرض المناوب فوق صفير الأجهزة معلنا أنه بلا أوراق أو هاتف، وأن أحدا لا يعرف هويته.
كان المستشفى في تلك الليلة مكتظا حتى بدا كصدر عاجز عن التقاط شهيق آخر، اصطفت الأسر في الممرات، واختلطت رائحة المطهر بالقهوة والعرق، بينما كانت شاشات الحاسوب تعرض أسماء المرضى وأرقام ملفاتهم تحت الضوء الأبيض القاسي، وكان على الرجل المجهول أن يحصل على رقم حتى يصبح في نظر النظام مريضا يمكن تسجيله وعلاجه.
جلست أمل أمام شاشة الاستقبال وأدخلت البيانات المؤقتة التي يتيحها النظام للمرضى مجهولي الهوية، ضغطت زر الإدخال، فظل المؤشر الأزرق يدور لحظات قبل أن يظهر رقم الملف 74192.
تجمدت أصابع أمل فوق لوحة المفاتيح، كانت قد رأت الرقم نفسه قبل ساعات قليلة فقط، مطبوعا على سوار رجل غطاه عمال المشرحة بملاءة بيضاء.
رقم عاد من الموت
رفعت أمل عينيها إلى النقالة التي ابتلعت أبواب غرفة الإنعاش صاحبها، ثم أعادت نظرها إلى الشاشة، إلى جوار الرقم 74192 ظهر اسم لم تدخله بنفسها، ابراهيم يوسف ناصر، وعمره سبعة وستون عاما، أما الرجل الذي وصل قبل دقائق، فلم يكن يبدو أكبر من خمسة وأربعين عاما.
فتحت أمل سجل الملف، وشعرت ببرودة خفيفة تهبط بين كتفيها، كان ابراهيم قد دخل المستشفى قبل خمسة أيام بسبب قصور كلوي حاد ومضاعفات قلبية، ثم سجل النظام وفاته في الساعة التاسعة وإحدى عشرة دقيقة من صباح ذلك اليوم.
غير أن أسفل حالة الوفاة ظهر سطر أخضر أضيف للتو، يفيد بإعادة تفعيل الملف عند الساعة الثانية عشرة وتسع عشرة دقيقة بعد منتصف الليل.
حدقت أمل في التوقيت، ثم فتحت سجل العمليات بحثا عن صاحب الحساب الذي أعاد الملف إلى الحياة، لم تجد اسم مستخدم أو توقيعا إلكترونيا، وإنما حقلا رماديا فارغا، كأن يدا خفية فتحت قبرا إلكترونيا ثم محت أثرها قبل أن يراها أحد.
الوصفة التي كانت ستقتله
انفتح باب غرفة الإنعاش وخرج الدكتور ياسر مسرعا، بينما كان قناع الجراحة يتدلى أسفل ذقنه، طلب من أمل، من دون أن يتوقف، أن ترسل إليه التاريخ المرضي للرجل المجهول فورا، لأن النظام يشير إلى امتلاكه ملفا طبيا كاملا.
لحقت به أمل وهي تحمل الجهاز اللوحي، لكن نظرها توقف عند قائمة الأدوية التي استدعاها النظام تلقائيا من ملف ابراهيم، كان بينها دواء مسيل للدم بجرعة مرتفعة، وقد انتقلت المعلومة بالفعل إلى شاشة الطبيب على أنها جزء من العلاج المزمن للرجل الراقد في غرفة الإنعاش.
قال ياسر وهو يتصفح البيانات إن إصابة الرأس تستلزم تصويرا عاجلا، وإن السجل يشير إلى تناول المريض الوارفارين، ولذلك ينبغي تجهيز بروتوكول النزيف.
أمسكت أمل بطرف الباب قبل أن ينغلق، وأخبرته بأن هذا السجل لا يخص الرجل الذي يعالجونه.
استدار إليها الطبيب بنفاد صبر، خلفه كان صدر المريض المجهول يرتفع تحت قناع الأكسجين، فيما انزلقت قطرة دم جديدة من أذنه نحو الوسادة، خفضت أمل صوتها وأخبرته بأن صاحب هذا الرقم توفي في صباح اليوم نفسه.
تغيرت ملامح ياسر بالقدر القليل الذي تستطيع ملاحظته عين اعتادت وجوه العاملين في المناوبات الطويلة، نظر إلى الشاشة ثم إلى أمل، وأمرها بفصل الملف فورا، مؤكدا ألا يعطى المريض أي دواء اعتمادا على تلك البيانات.
كان ذلك كافيا لحماية الرجل من علاج لا يخصه، لكنه لم يجب عن السؤال الذي أخذ يكبر في ذهن أمل، لماذا منح النظام رجلا حيا رقم رجل ميت.
الخطأ الذي رفض النظام تصحيحه
عادت أمل إلى مكتبها وفتحت صفحة التصحيح الإداري، سجلت أن الرقم مكرر وأن هوية المريض ما زالت مجهولة، ثم حاولت إلغاء الربط بينه وبين الملف، ظهرت في منتصف الشاشة نافذة حمراء تخبرها بأنها لا تملك تصريحا لتنفيذ العملية.
أعادت المحاولة، ثم اتصلت بالمشرفة المناوبة واستخدمت حسابها، ظهرت الرسالة ذاتها، لكن هذه المرة أضيف تحتها سطر يفيد بأن الملف محمي بقرار إداري.
في مستشفى يستقبل آلاف المرضى، لم تكن الأخطاء في الأسماء أو تواريخ الميلاد أمرا نادرا، اعتادت أمل التعامل مع حرف زائد أو لقب ناقص أو مريضين يحملان الاسم ذاته، وكانت تصلح كثيرا من تلك الأخطاء قبل أن تبرد قهوتها، أما أن يكون رقم رجل ميت محميا من التصحيح، فلم يكن ذلك خطأ مألوفا.
رن الهاتف الداخلي فوق مكتبها، رفعت أمل السماعة، فجاءها صوت رجل هادئ يسأل إن كان قد وصل إلى قسم السجلات.
أجابته أمل بالإيجاب، فقال لها إن الملف 74192 لا يحتاج إلى أي تعديل، وطالبها بتركه كما هو.
سألته أمل عن هويته، فانقطع الاتصال.
ظلت السماعة عند أذنها لحظتين لا تسمع خلالهما إلا صمتا معدنيا، ثم أعادتها ببطء إلى مكانها، نظرت من خلف الزجاج إلى الممر، فرأت ممرضا يدفع عربة الأدوية، وامرأة نائمة على كرسي وهي تحتضن حقيبتها، وعامل نظافة يجر ممسحته تاركا أرضية لامعة خلفه.
كان كل شيء يبدو طبيعيا، وهذا تحديدا ما جعل الخوف أشد وضوحا.
أربعة موتى ما زالوا يتلقون العلاج
أخرجت أمل دفترا صغيرا اعتادت تدوين أرقام الملفات المعلقة فيه، وكتبت الرقم 74192، ثم راودتها فكرة بسيطة، إن كان ما حدث مجرد تكرار عشوائي للرقم، فلا بد أن تكون الحالة منفردة.
بحثت في سجلات المرضى الذين توفوا خلال الشهر الأخير، ثم قارنت أرقام ملفاتهم بالملفات التي أعيد تفعيلها بعد تسجيل الوفاة، استغرق الحاسوب دقائق طويلة لتنفيذ البحث، فيما ظلت مروحته الداخلية تئن تحت المكتب كحشرة محاصرة.
ظهرت النتيجة الأولى، ثم تبعتها الثانية، وبعدها الثالثة، وفي النهاية وجدت أمل أربعة مرضى أعلنت وفاتهم رسميا، ثم عادت أرقام ملفاتهم إلى العمل من جديد.
كان أحد الملفات يعود إلى امرأة في الثمانين توفيت بسرطان البنكرياس، لكن رقمها استخدم بعد ستة أيام لإجراء عملية مرارة لمريض آخر، أما رقم رجل توفي في العناية المركزة، فقد ظهر بعد موته مرتبطا بجلسات علاج ومطالبات تأمين وموافقات جراحية.
لم يكن يجمع الحالات مرض واحد أو طبيب بعينه، وإنما عبارة إدارية صغيرة تكررت في الملفات جميعا، أولوية علاجية واستثناء.
شعرت أمل بجفاف في فمها، وفتحت أحدث ملفات الاستثناء، اكتشفت أن المريض الجديد انتقل في أقل من يوم واحد من المرتبة 318 على قائمة انتظار الجراحة إلى غرفة العمليات.
عندها فهمت الأمر، لم يكن هناك من يسرق أسماء الموتى، بل كان هناك من يسرق الوقت.
قائمة الانتظار ذات الباب الخلفي
في الثالثة إلا ربعا، نزلت أمل إلى قبو السجلات الورقية، كانت المصابيح تضيء تباعا مع تقدمها في الممر، بينما تفوح من الجدران رائحة الرطوبة والورق القديم، بعيدا عن رائحة المعقم التي كانت تغطي أسرار الطوابق العليا.
كانت تعرف أن قاعدة البيانات لا تعرض إلا ما يسمح النظام ببقائه ظاهرا، أما الطلبات الورقية فلا يمكن محوها بمجرد ضغطة زر، فتحت خزانة ملفات الاستثناءات وبدأت تقلب النماذج واحدا تلو الآخر.
وجدت توقيعات تتكرر، وأختاما تحمل أوقاتا متأخرة، وطلبات نقل عاجل تخص أشخاصا كان يفترض أن ينتظروا منذ أشهر، وعلى بعض الأوراق كان الاسم الحقيقي للمريض مكتوبا بقلم رصاص، ثم شطب واستبدل به رقم ملف يعود إلى شخص متوفى.
فجأة سمعت صوت الباب الحديدي خلفها، فأغلقت الملف بسرعة والتفتت.
كان نادر، نائب مدير الشؤون الإدارية، واقفا عند المدخل ببدلته الرمادية وربطة عنقه التي ظلت مستقيمة بصورة مثيرة للريبة رغم أن الساعة تجاوزت الثالثة صباحا.
أخبرها نادر بلهجة هادئة أن السجلات الورقية ليست من اختصاص موظفي الاستقبال.
ثمن يوم واحد
وضعت أمل كفها فوق الأوراق وسألته إن كانت إعادة الموتى إلى النظام من اختصاص الإدارة.
لم يجب نادر فورا، دخل الغرفة وأغلق الباب خلفه بهدوء، ثم سار بين الخزائن كما لو كان يتفقد شيئا يملكه، قال لها إنها لا ترى سوى شاشة، بينما يرى هو مستشفى يضم ثلاثمئة إنسان ينتظرون سريرا غير موجود.
سألته أمل إن كان ذلك يعني منح السرير لمن يستطيع الوصول إليهم.
تحرك طرف فمه بابتسامة لم تكتمل، أوضح أن مريضا قد يصل أحيانا وهو معرض للموت إن انتظر دوره، في حين تكون الإجراءات بطيئة وشركات التأمين أبطأ، والنظام عاجزا عن فهم بعض حالات الطوارئ الحقيقية.
أشارت أمل إلى الملفات وسألته إن كان ذلك هو السبب في استخدام أرقام الموتى.
أجابها بأن الملف الفعال يمتلك بالفعل موافقات وفحوصا وتصنيفات جاهزة، كانوا ينقلون الهوية بصورة مؤقتة حتى يحصل المريض على علاجه، ثم يصححون الأمر لاحقا.
بدت كلماته لأمل نظيفة إلى درجة بشعة، كمشرط خرج لتوه من جهاز التعقيم، سألته عمن يملك الحق في تقرير أن حياة ذلك المريض أهم من حياة صاحب المرتبة 318.
هذه المرة لم يبتسم نادر.
الأسماء التي دفعت ثمن الاختصار
حملت أمل الملفات إلى طاولة الفهرسة، وأخرجت من بينها ورقة تحتوي على قائمة من الأسماء الحقيقية، وبجوار كل اسم رقم وترتيب وتاريخ، كان بعض الأسماء محاطا بدائرة حمراء.
اقترب نادر، لكن أمل سحبت الورقة بعيدا عنه، اكتشفت أن الدوائر الحمراء تخص مرضى تجاوزهم آخرون في قوائم العمليات، وأمام ثلاثة من تلك الأسماء كتبت كلمة واحدة تعلن وفاتهم.
تعلقت أصابع أمل بحافة الطاولة، وشعرت كأن الأرض تميل تحت قدميها، لم تعد المسألة مجرد حيلة إدارية تمنح مريضا مستعجلا سريرا بصورة أسرع، فكل باب يفتح سرا لشخص، لا بد أن يغلق في وجه شخص آخر.
قال نادر إن هؤلاء كانوا مرضى في حالات خطيرة من الأساس، وإنها لن تستطيع إثبات أن التأخير هو الذي تسبب في موتهم.
أجابته أمل من دون أن تنظر إليه بأن هذا هو السبب في اختيارهم نظاما لا يترك أسماءهم خلفه.
مد نادر يده طالبا الأوراق، فضمت أمل الملف إلى صدرها، وفي اللحظة ذاتها اهتز هاتفها داخل جيبها.
الرجل المجهول يستيقظ
ظهر اسم الدكتور ياسر على الشاشة، أجابت أمل وهي لا تزال تحدق في نادر، فأخبرها الطبيب بأن الرجل المجهول استعاد وعيه جزئيا، وأنه يحتاج إليها لأنه يحاول الإفصاح عن هويته.
صعدت أمل إلى قسم الطوارئ والملف مخبأ داخل حقيبتها، لم يحاول نادر إيقافها، لكنه تبعها حتى المصعد، ثم حذرها قبل إغلاق الباب من تحويل ما سماه خللا إداريا إلى فضيحة قد تدمر المستشفى كله.
أغلقت أبواب المصعد فى وجهه، ووصلت أمل إلى غرفة الإنعاش، كان الرجل المجهول شاحبا تحت الضوء، وعنقه مثبتا بطوق طبي، أخبرها ياسر بأنه، لحسن الحظ، لا يعاني نزيفا خطيرا، لكنه ما زال مشوشا.
اقتربت أمل، ففتح الرجل عينيه بصعوبة، تحركت شفتاه مرتين قبل أن يخرج صوته خشنا ليخبرها بأن اسمه فؤاد.
انحنت نحوه وسألته عن اسم عائلته، نطق به بصعوبة، ثم أغمض عينيه متألما.
كتبت أمل الاسم في خانة البحث، وانتظرت ظهور النتيجة، وما إن قرأتها حتى شعرت ببرودة تسري في عروقها.
لم يكن فؤاد مجهول الهوية، بل كان المريض رقم 287 على قائمة انتظار جراحة القلب.
ما أخفاه الرقم 74192
استعاد فؤاد أجزاء من ذاكرته تدريجيا، أخبرهم أن رجلا اتصل به مساء اليوم السابق وقال إن من الممكن تقديم دوره في العملية، على أن يحضر إلى المستشفى لمقابلة موظف يساعد الحالات المتأخرة.
لكنه لم يصل إلى الموعد، فقد صدمته سيارة قرب المدخل الخلفي للمستشفى، ولم يتذكر شيئا مما جرى بعد ذلك.
راجعت أمل ملفه الحقيقي، كان فؤاد ينتظر العملية منذ سبعة أشهر، كما أن التأمين رفض قبل أسبوع طلب استعجال الجراحة، ومع ذلك، عندما وصل فاقدا للوعي إلى المستشفى، حاول النظام تلقائيا إسناد رقم ابراهيم المتوفى إليه، وهو رقم يمتلك موافقات طبية مفتوحة.
أدركت أمل أن اختيار الملف لم يكن عشوائيا، لقد جهز شخص ما الهوية البديلة لفؤاد قبل أن يصل إلى المستشفى.
لكن حادث السيارة وقع قبل تنفيذ الترتيب، وبدلا من أن يدخل فؤاد ماشيا من الباب الخلفي، وصل فاقد الوعي في سيارة إسعاف إلى الطوارئ، فانكشف الخيط الذي ربما ظل مخفيا لسنوات.
النسخة التي لا يمكن محوها
اتصلت أمل بالدكتور ياسر، ثم بمشرفة التمريض، وطلبت منهما أن يشهدا على ما ستفعله، لم تعد تريد أن يبقى السر محصورا بين موظفة استقبال ومدير يمتلك صلاحيات إدارية واسعة.
صدرت سجلات الدخول والتعديلات، وصورت النماذج الورقية، ثم قارنت أوقات إعادة تفعيل ملفات المتوفين بمواعيد التغييرات التي طرأت على قوائم الانتظار، بعد ذلك أرسلت النسخ عبر القناة الرسمية إلى إدارة الامتثال والتدقيق وإلى الجهة الرقابية المختصة بالمستشفى.
احتفظ ياسر بنسخة مستقلة من البيانات الطبية التي توضح الخطر الذي كان سيترتب على نقل التاريخ الطبي لابراهيم إلى فؤاد، أما مشرفة التمريض فوثقت في تقرير رسمي توقيت اكتشاف الرقم المكرر ومحاولة منع تعديل الملف.
عندما وصل نادر إلى القسم، لم يكن بحاجة إلى سؤال أمل عما فعلته، رآها جالسة أمام الشاشة والأشخاص يقفون خلفها، فأدرك أن السر خرج من الغرفة التي كان يستطيع إغلاق بابها.
قال ببرود إنهم سيتسببون في فوضى، فرد ياسر بأن الفوضى موجودة بالفعل.
وللمرة الأولى منذ بداية المناوبة، لم تعد أمل وحدها أمام الشاشة.
الاسم الذي عاد إلى صاحبه
مع بزوغ الفجر، تعطلت بعض إجراءات قبول المرضى بينما بدأ فريق التدقيق بعزل الحسابات الإدارية المرتبطة بالتعديلات المشبوهة، استدعي المسؤولون، وجمدت ملفات الاستثناءات، وبدأت مراجعة قائمة الانتظار يدويا حتى لا يدفع المرضى ثمن كشف التلاعب.
لم تصبح ممرات المستشفى مثالية في لحظة، ظل المرضى ينتظرون، وظل الأطباء يركضون من غرفة إلى أخرى، وبقي عدد الأسرة أقل من الحاجة، لكن أمرا واحدا تغير، إذ لم يعد من الممكن إخفاء هذا العجز خلف أسماء الموتى.
جلست أمل بجوار فؤاد عندما أحضر موظف التسجيل سوارا جديدا، نزعت الممرضة السوار الذي يحمل الرقم 74192، ووضعته في كيس الأدلة، ثم ثبتت حول معصم فؤاد سوارا أبيض يحمل اسمه الحقيقي ورقمه الحقيقي.
رفع فؤاد يده قليلا وتأمل اسمه، كما لو كانت حروفه شيئا ضاع منه طويلا ثم عاد إليه، سأل أمل بصوت واهن إن كان دوره قد جاء.
نظرت أمل عبر الزجاج إلى لوحة الانتظار التي بدأت تخضع للمراجعة اسما بعد اسم، وأخبرته بأن دوره سيأتي باسمه.
عند السابعة صباحا، خرج جثمان ابراهيم يوسف ناصر من المشرحة لتسليمه إلى عائلته، فيما أغلق ملفه الإلكتروني نهائيا، وللمرة الأولى منذ وفاته، توقف رقمه عن السير في أروقة المستشفى نيابة عنه.
حين انتهت مناوبة أمل، كانت الشمس تنعكس على نوافذ المستشفى، فتجعله يبدو أقل قسوة مما كان عليه طوال الليل، وأثناء عبورها البوابة، أدركت أن الأرقام اخترعت لتنظم حياة البشر، لكنها تصبح خطرة حين يطلب من البشر أن ينحنوا لها، فالعدل لا يبدأ فقط بمن يصل أولا إلى سرير فارغ، وإنما بمن يرفض أن يصنع بابا سريا، حتى وإن أقنع نفسه بأنه فتحه لينقذ حياة.
ظل دفتر الأرقام الصغير في جيب معطف أمل، لكنها لم تعد ترى ما فيه بوصفه مجرد أرقام، فقد أصبح خلف كل خانة وجه ينتظر، وأسرة تحدق في باب مغلق، واسم لا ينبغي أن يمحى لكي يتقدم اسم آخر.
