صانع المراوح الورقية قصة مؤثرة عن قرية بلا ريح

الراوي
0

ليلة بلا نسمة، لم تكن تلك الليلة حارة فحسب، بل بدت وكأنها محبوسة داخل قارورة زجاجية ضخمة، فلا نسمة تعبر الأزقة، ولا ستارة ترتجف خلف نافذة، ولا ورقة شجر تجرؤ على الحركة تحت سماء خالية من الغيوم.

وسط ذلك السكون الثقيل، كان يونس يمشي وحده حاملا صندوقا خشبيا صغيرا، يقترب من كل بيت دون أن يطرق بابه، ثم يعلق قرب نافذته مروحة ورقية ملونة، وكأنه يترك رسالة لا يعرف أحد كيف يقرؤها.

وحين سألته مريم عن سبب ما يفعله، رفع رأسه نحو النوافذ السوداء وأجابها بصوت خافت أن جميع المراوح يجب أن تدور قبل طلوع الفجر، وإلا فلن يعود الهواء إلى القرية أبدا.

صانع المراوح الورقية قصة مؤثرة عن قرية بلا ريح


القرية التي نسيت معنى النسيم

كانت قرية السرو تمتد بين تلين جافين، تتراص بيوتها الطينية كحجارة دافئة تركتها الشمس فوق الأرض، وتتشابك أزقتها الضيقة حتى يضيع الغريب بين بدايتها ونهايتها.

في ذلك الصيف غابت الريح أياما طويلة، فثقلت رائحة التراب، وجفت أفواه الآبار، وباتت أنفاس الناس ترتد عن الجدران وكأن القرية تغلق عليهم صدرها الكبير.

نام الأطفال قرب الأبواب المفتوحة، ووضع الرجال أوعية الماء على عتبات المنازل، بينما راحت النساء يبللن أطراف الأقمشة ويضعنها فوق جباه الصغار المحمومة.

لم تكن المشكلة في الحر وحده، فقد بدأ أهل القرية يسمعون ليلا صوتا غريبا يتسلل بين البيوت، يشبه حفيف أوراق كثيرة رغم أن الأشجار كانت ساكنة تماما، وكان هذا الصوت يظهر بعد منتصف الليل، يمر قرب النوافذ ثم يختفي عند بيت مهجور في نهاية الزقاق، وهو البيت الذي لم يدخله أحد منذ وفاة صاحبه، العم عمران صانع الألعاب الورقية.

الصندوق الخشبي القديم

كان يونس حفيد العم عمران، وقد ورث عنه دكانا ضيقا تفوح منه رائحة الورق والصمغ والخشب المعتق، غير أن الصبي لم يفتحه منذ سنوات خشية أن توقظ الأشياء القديمة وجعا حاول نسيانه.

في صباح تلك الليلة دخل يونس الدكان للمرة الأولى بعد غياب طويل، فاستقبلته ذرات الغبار وهي تسبح في شعاع ضوء نحيل، وبدت الأرفف كأنها تنتظره منذ زمن بعيد.

وجد فوق الطاولة صندوقا خشبيا صغيرا تعلو غطاءه رسمة مروحة ذات سبع ريشات، وتحتها عبارة محفورة بخط جده تقول إنه حين يسكن الهواء يجب أن يحرك قلوب الناس أولا.

فتح يونس الصندوق فوجد أوراقا ملونة مقصوصة بعناية، ودبابيس نحاسية، وأعوادا رفيعة من الخيزران، ورسالة مطوية تحولت أطرافها إلى لون العسل القديم، وحين قرأ سطرها الأول تجمدت عيناه، إذ كتب له جده أنه إن سمعت القرية صوت الورق في ليلة بلا ريح، فعليه أن يصنع المراوح ويعلقها على جميع النوافذ قبل الفجر.

مراوح معلقة أمام البيوت النائمة

ظل يونس طوال النهار يعمل في الدكان، يقص الورق على هيئة مربعات، ويفتح من زواياها شقوقا دقيقة، ثم يطويها حول دبابيس نحاسية حتى تتحول إلى مراوح صغيرة تتلألأ تحت الضوء، واختار لكل بيت لونا مختلفا، فكان الأحمر لبيت الخباز، والأزرق لبيت المعلمة، والأصفر لبيت الحداد، أما بيت مريم فصنع له مروحة بيضاء تتوسطها نقطة خضراء.

حين حل الليل حمل الصندوق وخرج، وكانت الأزقة خالية إلا من رائحة الجدران الساخنة وصوت نباح بعيد ينقطع فجأة، وكأن الكلاب نفسها تخشى إزعاج السكون.

علق يونس المروحة الأولى قرب نافذة بيت الخباز، ثم الثانية والثالثة، يتسلل بخفة ويتجنب أن تلمحه العيون، غير أن مريم كانت جالسة فوق عتبة منزلها تراقبه منذ البداية، فنهضت وسألته إن كان قد أصبح يوزع الألعاب على البيوت في منتصف الليل.

أشار إليها أن تخفض صوتها، ثم ناولها الرسالة القديمة دون شرح، فقرأت ما فيها تحت ضوء مصباح زيتي يتراقص لهبه رغم غياب الهواء، ثم رفعت عينيها إليه وقالت إن الرسالة تطلب أن تدور المراوح، لكنها لن تتحرك من تلقاء نفسها، أجابها يونس وهو ينظر إلى السماء إن جده لم يكن يكتب شيئا بلا معنى، وأن دورانها لا بد أن يوقظ شيئا أو يمنع شيئا من الاستيقاظ.

النافذة التي أصدرت همسا

وصلا إلى بيت أم رافع، وهي امرأة مسنة لم تغادر فراشها منذ اشتد الحر، فعلق يونس مروحة بنفسجية قرب نافذتها، ثم تراجع خطوة ليتأكد من ثباتها، وفي اللحظة التي ترك فيها المروحة، صدر من داخل الغرفة صوت خافت يشبه التنهد، ثم تحرك ستار النافذة إلى الداخل مع أن الهواء في الخارج ظل ساكنا تماما.

اقتربت مريم من الزجاج فرأت أم رافع نائمة، ويدها ممدودة نحو صندوق صغير عند طرف السرير، بينما كان ظل طويل ينساب ببطء فوق الجدار خلفها، فهمست أن هناك شخصا في الغرفة، لكن يونس وضع كفه على الزجاج، ولمح أن الظل ليس إنسانا، بل هيئة مكونة من مئات القصاصات الورقية تتجمع ثم تتفرق كلما اقتربت من النافذة.

وفجأة دارت المروحة البنفسجية نصف دورة، فارتجف الظل وتراجع إلى زاوية الغرفة، ثم سكن كل شيء كما كان من قبل، ابتعد يونس وهو يلتقط أنفاسه، وقال إن المراوح لا تستدعي الريح، بل تمنع ذلك الشيء من الخروج.

سر البيت المهجور

كان لا بد من معرفة الحقيقة قبل تعليق بقية المراوح، فاتجه يونس ومريم نحو بيت العم عمران في نهاية الزقاق، حيث كان صوت حفيف الورق يزداد كلما اقتربا منه، ووقف الباب الخشبي مواربا رغم أن يونس كان يتذكر جيدا أنه أغلقه بالقفل قبل سنوات، وكانت الفتحة السوداء خلفه تشبه فما ينتظر أن يطعم.

دفعه يونس فانبعثت رائحة الورق الرطب، وبدت الأرض مغطاة بمئات المراوح القديمة، بعضها ممزق وبعضها ما زال يحتفظ بألوانه الباهتة، وعلى الجدار المقابل كانت هناك خريطة للقرية، ثبتت فوق كل بيت فيها مروحة ورقية صغيرة، إلا بيتا واحدا بقي موضعه فارغا، وهو بيت العم عمران نفسه.

اقتربت مريم من الخريطة وسألت إن كان جده يعلق المراوح كل صيف، فأومأ يونس ببطء وقد بدأت ذكريات طفولته تعود، إذ كان جده يخرج ليلا بصندوقه، ثم تعود الرياح في الصباح، وكان الناس يظنون الأمر مصادفة لطيفة لا أكثر.

وجد يونس رسالة ثانية خلف الخريطة، كتب فيها العم عمران أن القرية بنيت فوق ممر قديم للرياح، وأن الهواء ظل يعبره قرونا حتى حبس أحد التجار الجشعين الممر بجدران ضخمة لحماية مخازنه من الغبار، منذ ذلك الحين صار السكون يتراكم كل صيف، ويتحول إلى كيان خفي يقتات على أنفاس الناس وذكرياتهم، ولا يضعف إلا حين تتحرك المراوح قرب جميع النوافذ في وقت واحد.

المروحة الناقصة

فتشا الصندوق الكبير في وسط الغرفة، فوجد يونس ست ريشات ورقية محفوظة بعناية، لكن الريشة السابعة كانت مفقودة، وهي القطعة اللازمة لصنع المروحة التي تعلق على نافذة البيت المهجور، قالت مريم إن هذا ربما يفسر عودة الكيان هذه المرة، فالمروحة الأخيرة لم تصنع بعد.

هبط صوت حفيف كثيف من السقف، وتساقطت قصاصات سوداء فوق الأرض، ثم بدأت تتجمع على هيئة رجل طويل بلا ملامح، يفتح فمه فيخرج منه هواء بارد تفوح منه رائحة الحجر المغلق، تراجع يونس، لكنه لمح في يد الكيان الريشة السابعة مطوية مثل ورقة محترقة، فعرف أن السكون نفسه هو من سرقها حتى يمنع اكتمال الطقس الذي كان جده يحمي به القرية.

مد الكيان ذراعه الورقية فانطفأ المصباح، وامتلأت الغرفة بظلام تلمع داخله شظايا الورق كعيون صغيرة، صرخت مريم أنهما لن يستطيعا أخذ الريشة منه بالقوة، فأجابها يونس وهو يتحسس المراوح الملقاة على الأرض أنهما سيجعلانه يعيدها بنفسه.

حين بدأ الورق يتنفس

أخرج يونس من جيبه مروحة بيضاء صغيرة كان قد صنعها لمريم، وثبتها في شق خشبي قرب الباب، ثم طلب منها أن تجد أي شيء واسع يمكنها تحريك الهواء به، التقطت مريم قطعة كرتون سميكة كانت ملقاة قرب صندوق قديم، وبدأت تلوح بها ببطء، فاهتز الهواء للمرة الأولى داخل الغرفة.

دارت المروحة البيضاء دورة واحدة، وانبعث منها صوت رقيق كرنة زجاجية، ثم بدأت المراوح الملقاة فوق الأرض تتحرك واحدة تلو الأخرى، رغم أن الهواء الضعيف لم يكن يصل إليها جميعا، ارتفع حفيفها معا وتحول إلى همس متعدد الأصوات، وكأن البيوت والأزقة والنوافذ تستعيد أنفاسها المحبوسة منذ سنوات.

اضطرب الكيان الأسود، وتطايرت أطرافه في الغرفة، ثم قبض على الريشة السابعة بقوة، لكن الدوران المتزايد أخذ يسحب قصاصاته نحو المراوح، واصلت مريم التلويح بالكرتون حتى بدأ العرق ينحدر من جبينها، بينما أسرع يونس يجمع الريشات الست ويثبتها بدبوس نحاسي حول دائرة صغيرة من الخشب.

قالت مريم بصوت متقطع إنها لن تستطيع الاستمرار طويلا، فرفع يونس المروحة الناقصة نحو الكيان وأخبرها أنهما لا يحتاجان وقتا طويلا، بل الريشة فقط، قفزت المروحة البيضاء فجأة من موضعها، واندفعت نحو الكيان فاصطدمت بيده، فانفتحت قبضته وتحررت الريشة السابعة وهي تدور في الهواء مثل طائر صغير.

التقطها يونس قبل أن تسقط، وثبتها في مكانها، ثم علق المروحة ذات الريشات السبع على نافذة البيت المهجور، وفي اللحظة التي لامست فيها المروحة إطار النافذة، توقف الكيان عن الحركة، وامتدت شقوق مضيئة في جسده الورقي، قبل أن يتفتت إلى آلاف القصاصات التي اندفعت خارج البيت.

سباق المراوح قبل الفجر

لم يكن اختفاء الكيان نهاية الأمر، فقد بقي أقل من ساعة على طلوع الفجر، بينما كانت نوافذ كثيرة ما تزال بلا مراوح، ركض يونس ومريم بين الأزقة، يعلق هو المراوح وتلوح هي بالكرتون قرب كل نافذة، فتبدأ كل مروحة بالدوران ثم تواصل الحركة وحدها، وكأنها التقطت خيطا خفيا من الهواء.

استيقظ بعض الأهالي على صوت الخطوات، وخرج الخباز يحمل لوحا خشبيا، وتبعه الحداد بقطعة من الصفيح، ثم خرج الأطفال وهم يمسكون دفاتر قديمة وقطع قماش، لم يفهم أحد الحكاية كاملة، لكنهم رأوا المراوح تتحرك كلما لوحوا بما في أيديهم، فانتشروا أمام البيوت يدفعون الهواء نحو النوافذ بجهد جماعي.

كانت القرية كلها تلوح في الظلام، رجالا ونساء وأطفالا يحركون الألواح والأقمشة والسلال، حتى بدا الزقاق كأنه بحر من الأذرع المتعبة، ومع كل مروحة تبدأ بالدوران كانت نافذة تفتح، وصدر يعلو ويهبط بسهولة، وطفل محموم يتوقف عن الأنين.

بقيت مروحة واحدة فوق نافذة أعلى بيت في القرية، ولم يكن الوصول إليها ممكنا إلا عبر سطح ضيق متشقق، فتسلق يونس الجدار بينما بدأ الخيط الفضي للفجر يظهر فوق التل.

آخر نافذة في القرية

وصل يونس إلى السطح، لكن قدمه انزلقت فوق حجر مفكك، فتعلق بحافة الجدار بيد واحدة، بينما تدلت المروحة من يده الأخرى فوق الزقاق، صرخت مريم من الأسفل، وأسرع الحداد والخباز ليمدا غطاء قماشيا تحسبا لسقوطه، لكن يونس رفع نفسه بصعوبة وزحف حتى بلغ النافذة.

ثبت المروحة الأخيرة، غير أنها ظلت ساكنة، فقد توقف أهل القرية عن التلويح وهم يراقبونه بقلق، وعاد السكون للحظة أثقل من كل ما سبق، رفعت مريم قطعة الكرتون عاليا وصاحت أن الهواء لا يأتي لمن ينتظره، بل لمن يبدأ بتحريكه.

عادت الأذرع إلى الحركة، ولوح الجميع بما في أيديهم، فارتجفت المروحة الأخيرة ثم دارت نصف دورة، ثم دورة كاملة، عندها دوى من باطن الأرض صوت عميق، وانفتح بين التلين ممر قديم كان مغطى بالحجارة، فاندفعت منه ريح باردة واسعة اجتاحت الأزقة دفعة واحدة.

رفرفت الستائر، وصفقت الأبواب، وتطاير الغبار عن الأسطح، وراحت جميع المراوح الورقية تدور بسرعة حتى تحولت ألوانها إلى دوائر مضيئة حول النوافذ.

الهدية التي تركها العم عمران

بعد أيام عاد يونس إلى دكان جده لينظفه، فوجد داخل الصندوق الخشبي ظرفا لم يكن موجودا من قبل، وقد كتب عليه اسمه بحبر أزرق حديث لم يجف تماما، فتح الظرف فوجد ورقة واحدة تحمل جملة قصيرة، قال فيها جده إنه لم يكن يحمي القرية بالمراوح، بل كان يذكر أهلها فقط بأن الريح تبدأ من يد تتحرك.

قلب الورقة فوجد رسما جديدا لمروحة ذات ثماني ريشات، وإلى جوارها اسم مريم، فضحك للمرة الأولى منذ زمن، ثم وضع الرسم فوق الطاولة، في المساء جلس يونس ومريم أمام الدكان يصنعان مراوح جديدة للأطفال، ولم تعد النوافذ تنتظر حلول السكون كي تتزين بها.

صار كل بيت يحتفظ بمروحة قرب نافذته، لا خوفا من الكيان الأسود، بل ذكرى لليلة أدرك فيها أهل القرية أن اجتماع الأيدي الصغيرة قد يفتح ممرا ظنه الجميع مغلقا إلى الأبد.

لم تعد الريح في قرية السرو مجرد هواء يعبر بين البيوت، بل أصبحت حكاية يتناقلها الناس عن صبي حمل صندوقا من الورق، وفتاة لوحت بقطعة كرتون حين ظن الجميع أن الحركة مستحيلة، فبعض الأبواب لا تفتحها القوة، وبعض الظلمات لا يبددها الضوء وحده، وإنما تبدأ النجاة أحيانا بحركة بسيطة لا يراها أحد مهمة، ثم تمتد من يد إلى يد حتى يستيقظ العالم كله من سكونه.

التصنيفات:

إرسال تعليق

0 تعليقات
يُرجى عدم نشر تعليقات لا تحترم الشروط هنا, جميع التعليقات تخضع للمراجعة.
إرسال تعليق (0)

المحتوى

+

إقرأ أيضاً

يستخدم موقع Dseel.com ملفات تعريف الارتباط (Cookies) لضمان حصولك على أفضل تجربة إستخدام وتخصيص المحتوى المفضل للزوار, باستمرارك في تصفح الموقع، فإنك توافق على استخدامنا لها لمعرفة المزيد.