قلم الرصاص الذي أحب الهامش قصة أطفال مؤثرة

الراوي
0

الصفحة التي رفضت أن تمتلئ، جلست حلا إلى مكتبها الصغير قرب النافذة، بينما كانت شمس العصر تنسكب فوق الدفاتر كقطعة حرير ذهبية، وتلمع ذرات الغبار في الهواء حول مصباحها الأزرق.

فتحت دفتر الواجبات على صفحة جديدة، وسوت أطرافها بكفها، ثم أخرجت قلمها الرصاص المفضل، وكان نحيلا أصفر اللون، تعلوه ممحاة وردية مستديرة.

قالت وهي تحدق في الصفحة البيضاء إن هذه المرة لن تترك مساحة فارغة، وإنها ستكتب واجبها كاملا من أول الورقة إلى آخرها.

لم يجب القلم، غير أن سنه الحاد ارتجف ارتجافة صغيرة بين أصابعها، كأنه سمع كلامها ولم يعجبه.

قلم الرصاص الذي أحب الهامش قصة أطفال مؤثرة


بداية الواجب

كتبت حلا عنوان الدرس بخط عريض، ثم بدأت تنقل الأسئلة وتحلها بعناية، وكانت تتوقف كل بضعة أسطر لتتأمل انتظام الحروف وتساوي المسافات بينها.

كانت تحب الصفحات المملوءة، وتظن أن الورقة الجميلة هي التي لا يبقى فيها موضع فارغ، وأن النجاح يشبه غرفة مرتبة لا مكان فيها للمفاجآت.

لكن حين اقتربت كلماتها من الطرف الأيمن، شعر القلم بثقل غريب في يده، ثم انحرف وحده إلى السطر التالي، تاركا شريطا أبيض عريضا بجانب الكلام.

تجمدت حلا، ثم أعادت القلم إلى نهاية السطر وطلبت منه أن يكمل، فما زال هناك مكان.

ضغطت على سنه، فرسم نقطة داكنة، ثم خطا قصيرا مترددا، قبل أن ينسل مرة أخرى بعيدا عن الحافة.

الهامش العنيد

تكرر الأمر في السطر الثاني والثالث والرابع، وبدا الهامش كأنه نهر أبيض يمتد من أعلى الصفحة إلى أسفلها، يفصل كلمات حلا عن طرف الدفتر.

أمسكت حلا القلم بكلتا يديها وسألته بغضب لماذا يفعل هذا، فهي تريد صفحة كاملة، لا صفحة تبدو كأن نصفها ضائع.

هذه المرة سمعت صوتا خافتا، رقيقا مثل احتكاك ورقة بورقة، يقول إن ليس كل فراغ ضياعا.

التفتت حلا بسرعة، فلم تجد أحدا في الغرفة، وكانت أمها في المطبخ، وأخوها يلعب في الشرفة، والباب مغلقا.

نظرت إلى القلم بين أصابعها، فرأت السن يتحرك حركة دقيقة فوق الورقة، ثم يكتب وحده داخل الهامش أن بعض الأماكن يجب أن تبقى مفتوحة.

شهقت حلا وأسقطت القلم فوق المكتب، فتدحرج حتى اصطدم بعلبة الألوان، وظل ساكنا كأنه لم يفعل شيئا.

معركة الكلمات والحافة

بعد لحظات من الذهول، اقتربت حلا من القلم بحذر، ثم التقطته من منتصفه، وأخذت تقلبه بين أصابعها بحثا عن زر خفي أو خيط دقيق يحركه.

سألته بصوت منخفض إن كان هو من كتب تلك الجملة.

تحرك القلم فوق راحة يدها، ثم انزلق منها إلى الدفتر، وكتب أنه نعم هو من فعل ذلك، وهو من يترك الهامش.

شعرت حلا بأن الغرفة صارت أكثر هدوءا، حتى إن صوت عقارب الساعة بدا كخطوات شخص يقترب ببطء.

سر القلم الصغير

سألته حلا لماذا يفعل ذلك، فالهامش يجعل الصفحة ناقصة في رأيها.

كتب القلم أن الهامش لا ينقص الصفحة، بل يمنحها مكانا تتنفس فيه.

عقدت حلا حاجبيها، فلم يعجبها هذا الكلام، فقد كانت ترى أن الأوراق خلقت لكي تملأ، وأن كل مساحة بيضاء دليل على أن صاحبها لم يبذل جهدا كافيا.

قالت بعناد إن الكلمات أهم من الفراغ، وكلما كتبت أكثر أصبحت الصفحة أفضل.

تحرك القلم ببطء وكتب أن الكلمات مهمة، لكنها لا تعرف دائما ما ستحتاج إليه بعد كتابتها.

ضحكت حلا ضحكة قصيرة وقالت إنها تعرف واجبها جيدا، ولن تحتاج إلى شيء آخر.

ثم أمسكت المسطرة، ورسمت خطا عند حافة الصفحة، وأجبرت القلم على الكتابة بعده، حتى وصلت الحروف إلى الطرف تماما، وتزاحمت الكلمات كركاب حافلة صغيرة لا يجدون مكانا للوقوف.

صفحة بلا منفذ

حين انتهت، رفعت حلا الدفتر أمامها، وشعرت بنشوة الانتصار، فقد امتلأت الصفحة من أولها إلى آخرها، ولم يبق فيها سوى فراغات ضيقة بين السطور.

قالت للقلم إن هذه هي الصفحة المثالية.

ظل القلم صامتا، وكان سنه قد صار أكثر قصرا، بينما بدت الممحاة الوردية في أعلاه كأنها وجه عابس صغير.

وضعت حلا خطا تحت آخر إجابة، ثم بدأت تراجع الواجب، تقرأ كل سؤال بصوت خافت وتحرك شفتيها مع الكلمات.

وفجأة توقفت، إذ كانت قد كتبت في المسألة الأخيرة أن عدد الأقلام في العلبة سبعة، بينما الإجابة الصحيحة تسعة، وقد بنت على الرقم الخاطئ حسابات طويلة ملأت نصف الصفحة.

الخطأ الذي ابتلع الملاحظات

شعرت حلا بحرارة تصعد إلى وجهها، فأدارت القلم سريعا واستخدمت ممحاته في إزالة الرقم والخطوات الخاطئة.

تصاعد غبار الممحاة فوق الورقة، وانتشرت فتاتات وردية صغيرة بين السطور، بينما راحت حلا تمحو بعجلة حتى صار موضع الإجابة رماديا رقيقا.

لكنها حين حاولت كتابة الحل الصحيح، اكتشفت أن المساحة لا تكفي.

حين ضاقت الصفحة

حشرت الرقم الجديد بين كلمتين، ثم كتبت خطوة أخرى فوق السطر، وحاولت إضافة ملاحظة صغيرة أسفل الصفحة، فلم تجد إلا شريطا ضيقا لا يتسع حتى لجملة واحدة.

بدأت الكلمات تتداخل، وانحنى بعضها فوق بعض، وأصبح الخط الذي كان منظما قبل دقائق أشبه بأغصان يابسة تشابكت في مهب الريح.

قالت حلا بقلق إنه لا بأس، فستمحو جزءا آخر وتعيد ترتيب كل شيء.

أخذت تمحو السطر السابق، لكنها لم تنتبه إلى قصاصة صغيرة كانت قد كتبت عليها ملاحظة مهمة، ووضعتها فوق الدفتر قبل أن تبدأ.

سحبت يدها القصاصة دون قصد، فسقطت أرضا والتصقت بأسفل حذائها، ثم خرجت بها من الغرفة حين ذهبت لتجلب المبراة.

الملاحظة المفقودة

حين عادت، بحثت عن القصاصة فلم تجدها، وكانت تحتوي على الجملة التي قالت المعلمة إنها يجب أن تكتب بجانب الحل لتوضيح طريقة التفكير.

قلبت الكتب، وفتشت تحت علبة الألوان، ونفضت الدفتر، لكن الملاحظة اختفت كأنها ذابت في الهواء.

سألت القلم بانفعال إن كان قد رآها.

كتب القلم داخل مساحة صغيرة بين سطرين أنه لم يرها، لكن كان يمكنها كتابة الملاحظة في الهامش.

توقفت حلا عن البحث، وحدقت في الصفحات السابقة التي ترك فيها القلم مساحات بيضاء واسعة، ثم نظرت إلى الصفحة الحالية الممتلئة حتى الاختناق.

كانت الجمل متزاحمة، والحل الجديد عالقا فوق الكلمات القديمة، ولم يعد هناك مكان لسهم أو تفسير أو حتى علامة استفهام.

كتب القلم أن الصفحة التي لا تترك مكانا للتغيير، تصبح أسيرة أول خطأ يقع فيها.

رحلة البحث عن المساحة المفقودة

خرجت حلا إلى الممر تبحث عن القصاصة، وكانت تنظر إلى الأرض تحت الكراسي وبجوار الأبواب، حتى رأت طرفا أبيض يطل من أسفل سجادة الصالة.

ركضت نحوه، ورفعت السجادة، فوجدت القصاصة مطوية وقد التصقت بها ذرات من الغبار، لكن الكلمات المكتوبة عليها ما زالت واضحة.

أمسكتها بسعادة، ثم عادت إلى مكتبها، غير أن فرحتها انطفأت حين وضعتها بجوار الصفحة، فقد عادت المشكلة نفسها، إذ لم تجد مكانا لكتابة الملاحظة.

الورقة الجديدة

قالت حلا إنها ستمزق الصفحة وتبدأ من جديد.

لكن القلم تدحرج فوق الدفتر ووقف على السطر الأخير، ثم كتب أن ليس كل خطأ يحتاج إلى تمزيق البداية.

سألته وماذا تفعل إذن، فلا يوجد مكان.

صمت القلم لحظة، ثم أشار بسنه ناحية الصفحة المقابلة، وكانت صفحة جديدة بيضاء لم تكتب فيها كلمة واحدة.

كتب أن بإمكانها إعادة كتابة الواجب، لكن هذه المرة عليها أن تترك مساحة لما لا تعرفه بعد.

فتحت حلا الصفحة الجديدة، وشعرت في البداية بالضيق، فقد بدا لها أن إعادة العمل عقوبة ثقيلة، وأن كل ما كتبته سابقا قد ضاع بلا فائدة.

لكنها حين نظرت إلى الورقة القديمة، رأت الخطأ والمحو والكلمات المتداخلة، وفهمت أنها لم تكن صفحة كاملة، بل صفحة مغلقة لا تسمح لشيء جديد بالدخول.

اتفاق بين حلا والقلم

وضعت القلم عند أول السطر وقالت إنها موافقة على أن يترك الهامش، لكن ليس واسعا جدا.

كتب القلم كلمة صغيرة يوافقها فيها الرأي.

بدأت حلا تنقل واجبها من جديد، وترك القلم مساحة هادئة بجانب كل إجابة، لا كبيرة فتبتلع الصفحة، ولا ضيقة فتخنق الكلمات.

وحين وصلت إلى المسألة الأخيرة، كتبت الحل الصحيح، ثم وضعت الملاحظة التي وجدتها في الهامش، ورسمت سهما صغيرا يصل بينها وبين الخطوة المقصودة.

بدت الصفحة مرتبة على نحو مختلف، لم تكن ممتلئة تماما، لكنها كانت واضحة، واسعة، وتسمح للعين بأن تنتقل بين الأفكار دون أن تتعثر.

الهامش الذي أنقذ الحكاية

في صباح اليوم التالي، حملت حلا دفترها إلى المدرسة، وكانت تتوقع أن تسألها المعلمة عن سبب ترك المساحات البيضاء بجوار الإجابات.

لكن المعلمة أخذت تتفحص الصفحة، ثم توقفت عند الملاحظة المكتوبة في الهامش، وابتسمت، وقالت إن هذا تنظيم ممتاز، وإن حلا تركت مكانا للتصحيح والتوضيح، ما جعل من السهل فهم خطواتها.

شعرت حلا بالفخر، لكنها نظرت إلى قلمها داخل المقلمة، فرأت سنه يهتز قليلا كأنه يضحك في صمت.

المفاجأة الأخيرة

أعادت المعلمة الدفتر، وقد كتبت بجوار إحدى الإجابات أن الفكرة جميلة، لكن عليها أن تحاول إضافة مثال آخر.

فتحت حلا الصفحة، ولم تشعر بالارتباك أو الخوف، فقد كان هناك مكان كاف في الهامش لإضافة المثال الجديد دون محو أو ازدحام.

أخرجت قلمها، وكتبت المثال بخط واضح، ثم همست بأنه يبدو أنه كان على حق.

تحرك القلم بين أصابعها وكتب أسفل المثال أنه لم يكن يحب الهامش لأنه فارغ، بل لأنه مستعد.

ابتسمت حلا، ثم تركت في نهاية الصفحة مساحة صغيرة أخرى لم تكتب فيها شيئا، لا لأنها نسيت، ولا لأنها عجزت عن إكمال واجبها، بل لأنها أدركت أن الأيام قد تأتي دائما بفكرة جديدة.

مساحة لما سيأتي

منذ ذلك اليوم، لم تعد حلا تخاف من الفراغ في دفاترها، ولم تعد تملأ كل زاوية بالكلمات لمجرد أن تراها مكتظة أمامها.

صارت تترك بجوار واجباتها هوامش مرتبة، تكتب فيها التصحيحات والأسئلة والأفكار التي تظهر بعد انتهاء الدرس، حتى تحولت تلك المساحات إلى أكثر أجزاء دفترها حياة.

أما القلم الأصفر، فقد ظل معها طوال العام، يقصر يوما بعد يوم، لكنه لم يتخل عن عادته القديمة، فكلما اقتربت الكتابة من الحافة، مال قليلا وترك منفذا أبيض للغد.

وفي آخر صفحة من الدفتر، كتبت حلا بنفسها، دون أن يوجه القلم يدها، أن الجمال ليس أن نملأ كل شيء، بل أن نترك مكانا لما قد نتعلمه لاحقا.

قد تبدو المساحات الخالية في حياتنا نقصا ينبغي ملؤه بسرعة، فنحشد أيامنا بالكلمات والمواعيد والقرارات، ونضيق بأي فراغ لا نعرف فائدته.

لكن بعض الفراغات ليست أبوابا للضياع، بل نوافذ يدخل منها التصحيح، وتولد عندها الأفكار الجديدة، ويجد الإنسان فيها فرصة ليعيد النظر دون أن يمزق الصفحة كلها.

فالحكمة لا تسكن دائما فيما كتبناه، بل قد تختبئ أحيانا في الهامش الذي تركناه مفتوحا لما لم نعرفه بعد.

التصنيفات:

إرسال تعليق

0 تعليقات
يُرجى عدم نشر تعليقات لا تحترم الشروط هنا, جميع التعليقات تخضع للمراجعة.
إرسال تعليق (0)

المحتوى

+

إقرأ أيضاً

يستخدم موقع Dseel.com ملفات تعريف الارتباط (Cookies) لضمان حصولك على أفضل تجربة إستخدام وتخصيص المحتوى المفضل للزوار, باستمرارك في تصفح الموقع، فإنك توافق على استخدامنا لها لمعرفة المزيد.