الليلة التي بدأ فيها كل شيء، في تلك الليلة الشتوية القارسة، سمعت سلاف صوتا غريبا لم يكن ينبغي لأذن بشرية أن تلتقطه، طقطقة خفيفة أشبه بانكسار زجاج بعيد، التفتت لتجد الصقيع ينسحب من عباءتها الصوفية، وكأن قوة خفية تسحبه بعيدا، بينما كان مخلوق أبيض صغير، لا يتجاوز حجمه كف يدها، يقف فوق النسيج ويلتهم برودته.
بقي الصوف كما هو، سليما لم يتمزق، لكن البرد الذي كان يسكنه اختفى تماما، لمسته سلاف بأصابعها فوجدته دافئا، كأنه ظل طوال الليل قريبا من موقد مشتعل، أما العثة، فكانت ترتجف بلذة غريبة، وينبعث من جناحيها بخار فضي رقيق تفوح منه رائحة الثلج فوق أغصان الصنوبر.
لم تدرك الفتاة في تلك اللحظة أنها لم تطعم مجرد حشرة جائعة، بل فتحت في جسد الشتاء نفسه ثقبا صغيرا، ثقبا سيتسع شيئا فشيئا حتى يأتي يوم لا تجد فيه المملكة بأكملها ذرة صقيع واحدة.
العثة التي كانت تأكل البرد
عاشت سلاف في أقصى الشمال، في مملكة تدعى أروان، حيث كانت النوافذ تغلق بطبقتين من الخشب المتين، وتعلق الأقمشة السميكة على الجدران لمنع الريح القارسة من التسلل إلى الداخل، كان الشتاء هناك ضيفا ثقيلا يطيل إقامته، يبدأ قبل أن يكتمل الخريف، ولا يرحل إلا بعدما يدفن تحت الثلج عشرات الفقراء الذين لا يملكون ثمن الدفء.
كانت سلاف ابنة صانعة أقمشة، تقضي أيامها بين لفائف الصوف والكتان والحرير، حتى عثرت ذات مساء على شرنقة ضخمة عالقة في عباءة أحد الصيادين، كانت الشرنقة باردة إلى درجة أن أنفاسها تجمدت فوق سطحها، ومع ذلك كان ثمة نبض حياة خافت في داخلها.
خبأتها في صندوق الأقمشة بالقرب من الموقد، وبعد سبع ليال من الانتظار، انشق الغلاف عن عثة بيضاء ذات عينين سوداوين كبيرتين، وجناحين رسم عليهما شكلان يشبهان هلالين من الجليد.
الجوع الغريب
وضعت سلاف أمام العثة قطعة صوف قديمة، متوقعة أن تثقبها كما يفعل العث المعتاد، لكن المخلوق تجاهل الخيوط تماما، وراح يمرر خرطومه فوق بلورات الصقيع الملتصقة بالنسيج، ومع كل حركة كانت البلورات تختفي دون أن تترك خلفها قطرة ماء واحدة.
قالت سلاف وهي تحدق فيها بدهشة: أنت لا تأكلين الثوب، أنت تأكلين برده.
وحين رفعت القطعة، وجدتها دافئة تماما، جربت في الليلة التالية قفازا متجمدا، ثم بطانية تركت عند النافذة، ثم عباءة أبيها القديمة، وفي كل مرة كانت العثة تبتلع البرد وتترك القماش سالما، بدأت سلاف تخشى تلك المعجزة بقدر ما تفتنها.
حين أصبحت المعجزة صناعة
انتشر الخبر بعدما أنقذت سلاف طفلا وجد شبه متجمد عند بوابة المدينة، وضعت العثة على غطائه، فزحفت فوقه ببطء، ومع كل خطوة كانت الزرقة تنسحب من شفتيه، حتى فتح عينيه أمام عشرات الشهود المذهولين.
وصل الخبر إلى الملكة، فاستدعيت سلاف إلى القصر، لا كسجينة ولا كخادمة، بل حاملة صندوقها الصغير بين صفين من الحرس، كانت قاعة العرش يومها أشد بردا من الشوارع، فقد صار الحطب نادرا بعد عاصفة أغلقت الطرق الجبلية.
وضعت العثة على ستائر العرش الثقيلة، فتحركت فوق المخمل والتهمت البرد العالق في نسيجه، سرعان ما ارتفعت حرارة القاعة، وسقطت قطرات الماء من لحى الوزراء، وخلع الحراس قفازاتهم للمرة الأولى منذ أسابيع طويلة.
سألت الملكة: كم واحدة منها تستطيعين تربية؟
ترددت سلاف قبل أن تجيب: لا أعرف يا مولاتي، ولا أعرف أيضا كم واحدة ينبغي لنا أن نربي.
لكن البلاط لم يسمع سوى النصف الأول من إجابتها.
ملكة العث
منحت سلاف بيتا زجاجيا ضخما قرب مشاغل النسيج الملكية، وجمعت لها شرانق من الجبال المحيطة، اكتشفت أن العث يتكاثر بسرعة مذهلة حين يشبع من الصقيع، فصار عددها من المئات إلى الآلاف، ثم غدت أسرابها ترسل في صناديق مثقبة إلى القرى والمدن البعيدة.
أطلق الناس على سلاف لقب ملكة العث، وكانوا يستقبلون صناديقها كما تستقبل عربات القمح في زمن المجاعة، تفتح الأغطية فتتصاعد الأجنحة البيضاء، وبعد ساعات قليلة تصبح البطانيات دافئة، وتجف الستائر، ويتراجع الجليد عن عتبات الأبواب.
مات عدد أقل من الأطفال في ذلك الشتاء، لم تتجمد أصابع الحطابين، ولم يعد الفقراء يحرقون كراسيهم للتدفئة، حتى أمرت الملكة بصنع تمثال لسلاف وهي تحمل عثة فضية بين كفيها.
لكن العث لم يكن يعرف معنى الاكتفاء.
الشتاء الذي لم يصل
مر عامان، وذات صباح من شهر كان ينبغي أن تدفن فيه الأشجار حتى منتصف جذوعها تحت الثلج، استيقظت سلاف على صوت المطر.
لم يكن مطرا متجمدا كالمعتاد، بل ماء فاترا يقرع زجاج بيتها الملكي، خرجت إلى الحديقة فرأت الأرض سوداء رخوة، ورأت أسراب العث معلقة على الأغصان العارية، تحرك أجنحتها كجيش ينتظر طعاما لم يعد موجودا.
همست وهي تنظر حولها: أين الثلج؟
كان الشتاء قد وصل إلى حدود أروان بالفعل، لكنه لم يستطع الدخول، فوق الجبال الشمالية كانت أسراب العث تعبر الهواء بالملايين، تلتقط البرودة من الرياح ذاتها، وكانت السحب تصل ثقيلة بالثلج ثم تمر فوق المملكة مطرا دافئا بعدما تلتهم الحشرات قلبها البارد.
البذور النائمة
في الربيع التالي، خرج الفلاحون إلى حقولهم وانتظروا الخضرة، غير أن مساحات كاملة ظلت بلون التراب القاحل، حفر شيخ يدعى هامد بيديه وأخرج حفنة بذور، فوجدها سليمة وممتلئة، لكنها ساكنة تماما كما لو اختارت الموت بمحض إرادتها.
أرسل علماء القصر إلى سلاف صناديق من بذور التفاح والقمح الجبلي والخزامى، فامتنعت جميعها عن الإنبات، أو خرجت منها نباتات ضعيفة شاحبة، وفي غرفة التجارب وضع عالم عجوز بذرة في راحة يد سلاف وقال جملة حرمتها النوم أسابيع طويلة.
قال: هذه لم تمت، إنها تنتظر شتاء لم يأت.
فهمت سلاف أخيرا حقيقة ما فعلته، كانت بعض البذور تحتاج شهور البرد لكسر أقفالها الداخلية، وكان الصقيع الذي اعتبره البشر عدوا لدودا يؤدي عملا خفيا تحت التراب، يهيئ الحياة بينما يبدو كل شيء حولها ميتا، وفي ذلك الصيف، لم تزهر أشجار كاملة.
البركان يطالب بالنار
في السنة الثالثة بدأ الجوع يزحف، ارتفعت أسعار الحبوب، وقل العسل بعد اضطراب مواسم الأزهار، وظهرت حشرات لم يكن الشتاء يترك بيوضها حية من قبل، حتى غدت بعض البساتين مجرد هياكل من أغصان عارية جرداء.
ثم استيقظ جبل راغان من سباته، كان البركان هامدا منذ مئات السنين، لكن الأرض اهتزت ثلاث ليال متتابعة، وخرج دخان أسود كثيف من قمته، وفي صباح اليوم الرابع، وصل إلى القصر رجل يدعى بركان، حارس معابد النار عند سفح الجبل، مرتديا عباءة حمراء تفوح منها رائحة الكبريت والرماد.
وقف أمام الملكة، لكنه أشار مباشرة إلى سلاف وقال: احرقيها كلها.
ساد صمت ثقيل حتى سمعت رفرفة عثة صغيرة مختبئة خلف إحدى الستائر.
قالت الملكة بحدة: أنقذت هذه المخلوقات آلاف الناس.
رد بركان دون تردد: وإذا بقيت، فستقتل ملايين لم يولدوا بعد.
ثمن الرحمة
واجهته سلاف في فناء القصر، والسماء فوقهما مملوءة بأجنحة بيضاء حتى حجبت أجزاء من الشمس، أخبرها بركان أن أسرابها لم تعد تكتفي بالتهام برد الثياب وحده، بل صارت تقتات على الفارق بين الفصول نفسه، تمتص البرودة قبل أن تستقر في الماء والحجر والتربة.
قال لها: أردت إنقاذ الناس من قسوة الشتاء، فقررت أن الشتاء نفسه زائد عن حاجة العالم.
أجابته سلاف والغضب يحرق حلقها: كان الأطفال يموتون في أسرتهم.
قال: أعرف.
قالت: والعجائز كانوا يتجمدون خلف أبوابهم.
قال: أعرف.
توقعت أن يدينها بقسوة، لكنه نظر إلى سرب العث طويلا ثم قال: المشكلة لم تكن في الرحمة يا سلاف، المشكلة أننا وجدنا علاجا للألم فأردناه بلا نهاية.
أسراب تأكل آخر ليلة باردة
رفضت الملكة في البداية إبادة العث، فقد صار دفء المملكة رمزا لعهدها، وصار النبلاء يرتدون أثوابا رقيقة في أشهر الشتاء متفاخرين بأن أروان هزمت الطبيعة نفسها، لكن الطبيعة لم تدخل معهم في حرب مباشرة، بل اكتفت بإرسال الفاتورة صامتة.
جفت أنهار كانت تغذيها الثلوج الجبلية، لأن الثلج لم يعد يتراكم فوق القمم كالسابق، تراجعت المياه في الصيف حتى ظهرت الحجارة البيضاء في القاع، ثم وصل إلى العاصمة طابور من أهل القرى يحملون أكياسا فارغة بدل الضرائب المعتادة.
في تلك الليلة دخلت سلاف بيتها الزجاجي القديم، كان السقف مكتظا بالعث حتى بدا كأنه مكسو بفرو أبيض حي، وحين فتحت الباب اندفعت نحوها حرارة خانقة محملة برائحة غبار الأجنحة، وهناك، داخل صندوق صغير حافظت عليه طوال السنين، وجدت العثة الأولى.
كانت أكبر حجما الآن من وجهيها، شاحبة الأجنحة، وعلى بطنها صفوف من البيوض اللامعة كحبات اللؤلؤ، مدت سلاف يدها، فصعدت العثة إلى أصابعها كما فعلت قديما دون أدنى خوف.
تمتمت سلاف: كنت صغيرة جدا.
ثم تذكرت أن الشتاء كذلك بدأ أمامها صغيرا يوما ما، مجرد بلورة صقيع فوق قطعة صوف.
القرار الذي لا يصنع التماثيل
كان اقتراح بركان بسيطا وقاسيا في آن واحد، ستجمع الأسراب في وادي راغان بواسطة أثواب مجمدة تنقل من كهوف عميقة لم يصل إليها العث بعد، ثم تفتح شقوق البركان القديمة وتطلق منها الغازات الحارة والرماد، لن ينجو معظم العث من هذا المصير.
لكن سلاف رفضت أن يمحى النوع بالكامل، فقد أدركت أن الخطأ نفسه قد يعود بصورة معكوسة تماما، فمن يقتل مخلوقا لأنه صار مؤذيا قد يكتشف بعد سنوات أنه اقتلع خيطا آخر من نسيج العالم كله.
قالت لبركان: نحرق الأسراب، لا النوع.
ثم اختارت اثنتي عشرة شرنقة ووضعتها في جرار زجاجية مختومة بإحكام، وحملتها إلى كهف حجري تحت القصر، حيث لا نوافذ ولا أقمشة متجمدة ولا سبيل إلى التكاثر خارج رقابة البشر الصارمة، وافق بركان على مضض، وإن لم يبتسم قط.
ليلة احترقت فيها الأجنحة البيضاء
في أطول ليلة من السنة، حملت العربات أطنانا من الأقمشة التي قضت أسابيع طويلة داخل كهوف الشمال المتجمدة، وما إن فرشت فوق وادي راغان حتى ارتج الهواء بصوت ملايين الأجنحة القادمة من كل ناحية.
كان المشهد جميلا إلى حد القسوة، تدفقت الأسراب البيضاء تحت ضوء القمر مثل نهر صاعد إلى السماء، ثم هبطت على الأثواب تتزاحم بجوع محموم لالتهام آخر مخزون كبير من البرد المتبقي.
وقفت سلاف فوق الحافة وبجوارها بركان، كان تحت قدميهما شق حجري تتوهج أعماقه بحمرة خافتة، وبيد الرجل مطرقة ثقيلة تنتظر ضربة واحدة لتحطم سدا قديما أقامه حراس النار منذ زمن بعيد.
قال بركان: حين يبدأ، لا يمكننا إيقافه.
نظرت سلاف إلى العث الذي منح المملكة سنوات من الدفء، وإلى المخلوقات التي لم تطلب يوما أن تصبح سلاحا ضد فصل كامل من فصول الأرض، ثم نظرت إلى حقول بعيدة تنتظر بذورها شيئا لا يستطيع الذهب ولا السحر أن يحل محله.
ضربت المطرقة بنفسها.
اندفع من الشق زفير الأرض الساخن، صعد البخار أولا، ثم الغاز والرماد والحرارة، فارتفع العث دفعة واحدة في سماء الوادي، امتلأ الليل بأجنحة فضية تلمع لحظة داخل الضوء الأحمر، قبل أن تتحول إلى رماد رقيق دفعته الريح نحو الشرق، بكت سلاف دون أن تشيح بعينيها عن المشهد.
العثة الأخيرة في كف الملكة
لم يمت العث كله في ليلة واحدة، فقد استغرقت مطاردة الأسراب الشاردة أسابيع طويلة، احتفظت المملكة بعدد ضئيل منه داخل حجرات محكمة، تستخدمه فقط لإنقاذ من يوشك على الموت من التجمد، لا لتدفئة البيوت ولا لإلغاء الشتاء بالكامل.
ثم جاء صباح كانت سلاف تنتظره وتخشاه في آن معا، وجدت بلورة جليد على نافذتها.
لامستها بطرف إصبعها، فعضها البرد حتى سحبت يدها بسرعة، ثم ضحكت ضحكة قصيرة اختلطت بالبكاء، وفي الخارج بدأ الثلج يتساقط فوق العاصمة للمرة الأولى منذ سنوات طويلة، بطيئا وثقيلا وصامتا.
لم يحتفل الجميع بعودته، تذمر بعضهم من الحطب، وارتجفت الأيدي في الأسواق، وعادت الأثواب السميكة إلى الشوارع من جديد، لكن سلاف رأت الأطفال يمدون ألسنتهم لالتقاط الثلج، ورأت الفلاحين يقفون عند أطراف حقولهم بوجوه يبللها الأبيض، تركوا البذور تحت التراب وسمحوا لها أن تبرد، ولم يطالبوها بأن تستيقظ قبل أوانها.
عودة ما ظنه البشر عدوا
بعد عام، صعدت سلاف إلى التل الذي يحمل تمثالها، فوجدت أن الناس غيروا النقش الموجود عند قاعدته، لم يعد الحجر يقول إلى سلاف التي هزمت الشتاء، بل حمل عبارة أقصر اختارتها بنفسها: إلى سلاف التي تعلمت أن تتركه يعود.
كان الوادي أسفلها أخضر من جديد، أزهرت أشجار التفاح بعد سكون طويل، وامتلأت السنابل بما يكفي لإعادة فتح مخازن الحبوب، بينما ظلت قمم الجبال بيضاء تحفظ ثلوج الشتاء لمياه الصيف المقبل.
فتحت سلاف علبة صغيرة تحملها، فظهرت داخلها عثة بيضاء واحدة، وضعتها على وشاح صبي يرتجف من الحمى والبرد، فالتهمت الصقيع عن النسيج، ثم أعادتها برفق إلى العلبة قبل أن تشبع أكثر مما ينبغي لها.
رفع الصبي رأسه إليها وسأل: لماذا لا نطلقها كلها؟ عندها لن نشعر بالبرد مرة أخرى.
نظرت سلاف إلى الجبال، حيث كان الثلج يلمع تحت شمس شتوية ضعيفة، وقالت: لأن الدفء جميل حين يكون بيتا نعود إليه، لا حين يصبح العالم كله.
ظل الشتاء قاسيا بعد ذلك، ولم يتحول فجأة إلى صديق رحيم، تجمدت الجداول، وعض الصقيع الأصابع، وعاد الناس إلى عد ألواح الحطب قبل الليالي الطويلة، لكن تحت ذلك البياض الصامت، كانت البذور تنجز عملها الخفي، وكانت الثلوج تدخر أنهار الصيف، وكانت الأرض تستريح أخيرا من وفرة لم تكن قادرة على احتمالها إلى الأبد.
أما سلاف، فلم تعد تعرف بملكة العث لأنها امتلكت تلك المخلوقات، بل لأنها تعلمت أين تنتهي سلطة اليد التي تنقذ، فقد يكون في العالم ألم يستحق أن نقاومه، وألم لا نستطيع تخفيفه، وأشياء تبدو مؤذية لأنها لا تكشف فائدتها إلا بعد موسم كامل من الصبر، والحكمة الحقيقية ليست في أن نجعل الطبيعة بلا شتاء، بل في أن نصنع للإنسان موقدا دافئا، ثم نترك للثلج مكانه خلف النافذة.
