سبعة أصوات في الملح حكاية منجم أخفى أسرار موتاه

الراوي
0

آخر وردية في المنجم الأبيض، حين ضرب صالح للمرة الأخيرة الجدار الأبيض، لم يسمع رنين الحديد على الملح، بل سمع رجلا يصرخ باسمه، ارتدت المطرقة من يده، وظل صدى الضربة يتدحرج في النفق الذي يوشك أن يغلق إلى الأبد، بينما ارتجفت مصابيح الخوذ فوق الجدران المبللة كنجوم غارقة، ثم خرج الصوت ثانية، خافتا ومخنوقا، لا من فم إنسان، بل من عرق ملحي شفاف يمتد في الصخر كشريان متجمد، قال الصوت بوضوح: لا تغلقوا الممر، ما زال سبعة منا هنا، وكان صالح يعرف ذلك الصوت جيدا، رغم أن صاحبه مات قبل اثنين وعشرين عاما.

كان منجم السديم يهبط تحت الجبل في طبقات متتابعة، حتى بدا لمن يعمل فيه أن الأرض قد ابتلعت سماء أخرى وصنعت نجومها من الملح، في تلك الليلة انسكب ضوء المصابيح على البلورات فتلألأت كقطع زجاج مغروسة في لحم أسود، لم يأت صالح ليستخرج شيئا، بل كانت مهمته مع بقية العمال تثبيت الدعامات الأخيرة وإغلاق الأنفاق الثانوية، ثم صب الخرسانة في المدخل القديم، بعد ثلاثة أيام كانت الشركة ستعلن أن المنجم استنفد اقتصاديا، وهي العبارة النظيفة التي اختارتها لنهاية مكان أكل أعمار رجال كثيرين.

مسح صالح الغبار الأبيض عن شاربه ومد يده إلى المطرقة الساقط، لكن أصابعه توقفت قبل أن تلمس مقبضها، حين عاد الصوت من الجدار، هذه المرة لم يكن صراخا، بل سعالا طويلا جافا، أعقبه صوت رجل يقول بوضوح موجع أن يبعدوا الحفار عن السقف، تجمد الدم في أطراف صالح، إذ كان أبوه سالم قد مات في المنجم نفسه سنة ألفين وأربعة، بحسب السجل الرسمي، في حادث فردي ناتج عن مخالفة تعليمات السلامة.

سبعة أصوات في الملح حكاية منجم أخفى أسرار موتاه


الصوت الذي عرفه الابن

أخرج صالح هاتفه بيد مرتعشة وضغط زر التسجيل، ثم اقترب من الجدار حتى التصق خده بالملح البارد، لم يسمع شيئا لثوان سوى المضخات البعيدة واحتكاك الهواء بأنابيب التهوية، فشعر بسخافة ما يفعله، ثم همس الجدار قائلا إن السقف يتحرك، تبعته أصوات كثيرة دفعة واحدة، طرق على معدن، شتائم مذعورة، اسم الله يتكرر بين الأنفاس، ثم هدير كثيف انتهى فجأة كما لو أن يدا أغلقت بابا على كارثة كاملة.

تراجع صالح حتى اصطدمت كتفاه بدعامة فولاذية، وحين شغل التسجيل لم يجد إلا طقطقة مشوشة، غير أن شيئا واحدا استقر في ذاكرته أشد وضوحا من أي تسجيل، وهو أن أباه في اللحظات الأخيرة كان يحذر الآخرين، لا يخالف تعليمات السلامة كما زعمت الشركة، اقتطع صالح بسن المطرقة بلورة صغيرة من الموضع الذي خرج منه الصوت، وما إن انفصلت عن الجدار حتى انطلق منها طنين خاطف، ثم صمتت في راحة يده كقطعة ثلج لا تذوب، عرف عندها شخصا واحدا لن يسخر منه، وكان عليه أن يصل إليها قبل أن يصل الخبر إلى الإدارة.

ماسة تسمع ما لا ينبغي للعلم أن يسمعه

وصلت الدكتورة ماسة نجيب إلى المنجم قبل الفجر، تحمل حقيبة أجهزة أكبر من حقيبتها الشخصية، كانت باحثة في فيزياء المواد، استعانت بها الشركة قبل عام لدراسة التشققات المجهرية في طبقات الملح، ثم أنهت عقدها بعدما اعترضت على تقارير سلامة رأت أنها مكتوبة لإرضاء المحامين لا الصخور، استقبلت صالح في مقطورة مهجورة قرب بوابة المنجم، فوضع البلورة على الطاولة وحكى ما سمعه دون أن يحاول إقناعها، إذ كان يعرف أن المبالغة أمامها أسرع الطرق لتحويل المعجزة إلى خطأ في القياس.

قلبت ماسة البلورة تحت ضوء أبيض وقالت إن البلورات تستطيع الاحتفاظ بعيوب بنيوية وإجهادات داخلية، لكنها شككت في أن تحمل صوتا بهذا المعنى، رد صالح بأنها قالت لا قبل أن تسمعها، فرفعت عينيها إليه ثم أغلقت باب المقطورة، بعد ساعة كانت البلورة مثبتة داخل حجرة عزل، وسلطت عليها نبضات ضوئية واهتزازات متدرجة، ظلت شاشة الحاسوب تعرض ضجيجا غير منتظم إلى أن مر التردد بنقطة محددة، فظهر على الرسم طيف حاد كنبضة قلب استفاقت من موت طويل، ومن السماعة خرج نفس بشري.

البلورات لا تنسى الضغط

لم يكن التسجيل نقيا، فقد تقطعت الكلمات وسط فرقعات دقيقة، كأن المتحدث يقف خلف عاصفة من الرمل، لكن ماسة انحنت إلى الشاشة حتى كاد جبينها يمسها، سمعا صوتا يطلب إيقاف الحفار لارتفاع الغاز وإبلاغ المشرف، فرد صوت آخر بأن الشحنة يجب أن تخرج تلك الليلة، حدقت ماسة في صالح وقد اختفى من وجهها ذلك البرود العلمي الذي دخلت به المقطورة.

أعادت الاختبار وغيرت التردد وموضع الليزر على البلورة، وفي كل مرة خرج جزء آخر من اللحظة القديمة، صرير آلة وأرقام وأسماء وتحذيرات وأصوات رجال يتجادلون مع شخص يأمرهم بمواصلة العمل، قالت ماسة إنها لا تعرف الآلية بعد، وربما سجلت التشوهات المجهرية أنماط الاهتزاز أثناء نمو البلورات تحت الضغط، لكن يمكنهما اختبار أمر واحد، وهو إن كانت طبقة واحدة فقط تحمل الصوت أم أن المنجم كله أرشيف، وحين نطقت تلك الكلمة، تغير كل شيء.

أرشيف الموت تحت الجبل

عادا بعد شروق الشمس إلى المستوى التاسع بحجة فحص الشقوق قبل الإغلاق، حمل صالح معداتها، بينما كانت هي تحدد على خريطة المنجم مواقع الانهيارات القديمة التي وجدتها في سجلات الصحف والنقابات لا في أرشيف الشركة، عند أول نقطة أطلقت ماسة نبضة تجريبية على الجدار، فخرج صوت رجل يذكر تاريخا يعود إلى سنة ألف وتسعمئة وسبع وتسعين، وهي سنة لم يسجل فيها تقرير الشركة أي وفاة داخل المنجم.

تتابعت العينات وتتابع معها الموت، طبقة تتذكر انهيارا طمر أربعة رجال، وأخرى تحفظ صوت انفجار أعقبه بكاء شخص ظل حيا ساعات، وثالثة سجلت مشرفا يصرخ في العمال أن يعيدوا تشغيل الناقل رغم تصاعد الغاز، لم تكن البلورات تحفظ كلمات منفردة فحسب، بل كانت تحتفظ بشظايا زمنية، لحظات ضغط عنيف انطبعت فيها الاهتزازات بطريقة لم تفهمها ماسة بعد، وكلما كان الحدث أشد بدت الإشارة أعمق وأكثر قابلية للاستخراج.

ثم وصلا إلى الجدار الذي سمع عنده صالح أباه، وضعت ماسة المجسات عليه واتسعت عيناها، وقالت إن هذه ليست جيوبا صغيرة، مررت الجهاز بمحاذاة الطبقة فظل المؤشر مضاء عشرات الأمتار، فأدركت أن الشريط كله يحمل إشارات، امتد الملح أمامهما مثل مكتبة بيضاء لا كتب فيها، لكنها امتلأت بالموتى.

سبعة أسماء شطبت من الورق

استغرق استخراج المقطع الأول عشرين دقيقة، فجلس صالح على الأرض يسمع والده يتحدث من زمن كان فيه هو طفلا ينتظر عودته إلى العشاء، سمع سالم يقول إن سبعة رجال في الممر الشرقي، ويطلب إخبار الإدارة قبل التفجير، رد صوت المشرف بأن الممر مسجل فارغا، فأصر سالم على أنه ليس كذلك، جاء صوت ثالث يقول إن إيقاف التفجير سيؤخر الشحنة أسبوعا، وبعد صمت طويل كرر سالم أن هناك رجالا في الداخل، فجاء الجواب باردا بأنه رسميا لا يوجد أحد، بعد دقائق دوى الانفجار.

خلع صالح خوذته ووضعها أمامه، ولم يبك، بل بقي يحدق في البلورات وقد أحس أن المسافة بينه وبين أبيه لم تعد اثنين وعشرين عاما، بل بضعة سنتيمترات من الملح، همست ماسة أنهما بحاجة إلى نسخ وعينات مستقلة وتوثيق سلسلة الحيازة، لأن التسجيلات إن كانت قابلة للتحقق فقد تكون أدلة على أكثر من حادث تم إخفاؤه، وقبل أن يجيبها اشتعل جهاز الاتصال على كتف صالح، وجاء صوت مدير الموقع يطلب منهما الخروج فورا من المستوى التاسع، ثم أضاف بعد لحظة ألا يأخذا أي عينات معهما.

حين علمت الإدارة أن الموتى تكلموا

كان مدير المنجم رائد منصور ينتظرهما عند المصعد، مرتديا قميصا نظيفا لا أثر فيه للغبار، وخلفه رجلان من الأمن، وإلى جواره المهندس المسؤول عن خطة الإغلاق يتجنب النظر في عيني صالح، مد رائد كفه مطالبا بالعينات باعتبارها ملكا للشركة، فسألته ماسة عن الشهادات التي بداخلها، لم ترتعش ابتسامته لكن أصابعه انقبضت، وقال إن الصخور لا تدلي بشهادات.

أخرجت ماسة هاتفها وأخبرته أنها أرسلت صباح ذلك اليوم طلبا رسميا إلى هيئة سلامة المناجم لإيقاف أعمال الإغلاق حتى فحص الطبقة، اختفت ابتسامته للمرة الأولى، فسألها متى يصلون، فأجابت أنهم سيصلون ظهر اليوم التالي، نظر رائد إلى المهندس، ولم يحتج صالح إلى سماع الأمر كي يفهم ما سيحدث.

اثنتا عشرة ساعة لمحو اثنين وعشرين عاما

في الظهيرة علقت الشركة إشعارا جديدا في استراحة العمال، يقضي بتقديم موعد إزالة الطبقة الشرقية إلى السادسة مساء، على أن تدخل آلات القطع وينقل الملح إلى المطحنة ثم إلى مستودعات التعبئة خارج المحافظة، قالت الإدارة إن القرار لأسباب تشغيلية، لكن الجميع عرف أن لجنة التحقيق ستصل ظهر اليوم التالي، انتشر الخبر بين العمال أسرع من غبار التفجير، فطلب بعضهم حماية الطبقة، وشتم بعضهم الشركة همسا، بينما ظل معظمهم صامتا أمام لوحة المناوبات التي تحمل أسماءهم ورواتبهم.

قال عامل يدعى حسان لصالح إن لديه ثلاثة أطفال، وإن إيقاف الإغلاق وفتح تحقيق يمتد سنة كاملة سيجعله عاجزا عن دفع الإيجار، سأله صالح عما سيحدث إذا طحنوا الجدار، فخفض حسان صوته وقال إن الميت لن يجوع، كانت العبارة قاسية، لكن وجه الرجل لم يكن كذلك، بل كان وجه إنسان يحسب أرغفة الخبز أمام حقيقة أكبر من راتبه، فهم صالح عندها أن سلاح الإدارة الحقيقي لم يكن الأمن، بل الخوف من الغد.

المطحنة تنتظر ذاكرة الموتى

عند الخامسة وخمسين دقيقة مساء، زحفت آلة القطع إلى المستوى التاسع، ودارت أسنانها الفولاذية ببطء وانبعث منها أزيز خشن جعل البلورات ترتعش في الجدار، وقفت ماسة أمام المشغل وحذرته من أن القطع سيدمر البنية المجهرية التي تحمل الإشارات، وربما لن يستعيدوا شيئا بعدها، كان المشغل هو حسان نفسه، وخلفه وقف عشرات العمال في صمت، وبينهم رجال عاش آباؤهم وإخوتهم في المنجم، وربما مات بعضهم في سجلات لا تعترف حتى بوجودهم.

جاء صوت رائد عبر مكبر الاتصال يأمر بالبدء، فقبض حسان على الذراع وتحرك رأس القطع نحو الجدار، وفي اللحظة التي لامست فيها الأسنان أول نتوء ملحي، صرخت الطبقة كلها، لم يكن الصوت خارجا من جهاز ماسة وحده، بل اهتز الجدار بفعل الآلة عند نطاق عريض من الترددات، فانطلقت عشرات الأصوات دفعة واحدة عبر الصخر والمعدن، امتلأ النفق بأسماء وصرخات وأوامر واستغاثات، كأن المنجم فتح فمه بعد عقود من الصمت، ورفع العمال رؤوسهم وهم يسمعون الموتى يتكلمون.

أنا لم أكن وحدي

وسط الضجيج خرج صوت سالم أقوى من البقية، محمولا عبر هيكل آلة القطع حتى ارتجت به المقصورة، طالبا ممن يصل إلى صالح أن يقولوا له إنه حاول، ترك صالح المصباح من يده، ولم يكن يعرف إن كانت الكلمات موجهة إليه حقا أم أن عقله جمع شظايا الأصوات إلى ما أراد سماعه، لكن ماسة كانت قد ثبتت مسجلاتها والشاشات أمامها تلتقط الإشارة نفسها.

ثم جاء صوت جديد يتلو أسماء الموجودين، سالم ناصر وفؤاد مرعي وجابر خلف، حتى بلغ سبعة أسماء، رفع أحد العمال رأسه عند الاسم الرابع وقال إنه عمه، وعند السادس شهق رجل مسن يعمل في الصيانة ثم اتكأ على الجدار، أما الاسم السابع فجعل حسان يرفع يده عن ذراع التشغيل كأنها احترقت، إذ كان اسم أبيه الذي قيل له إنه هرب، قال حسان بصوت لم يسمعه أحد تقريبا إن هذا ما قالوه لهم، ثم أطفأ آلة القطع.

الحرب على زر التشغيل

وصل رائد إلى المستوى التاسع بعد سبع دقائق يرافقه الأمن، فوجد الآلة ساكنة والعمال مصطفين بينها وبين الجدار، بينما كانت ماسة تنسخ البيانات إلى أكثر من وحدة تخزين، هدد رائد بفصل أي شخص يعطل العمل فورا، فتحرك بعض الرجال في أماكنهم، إذ كانت كلمة الفصل أكثر واقعية لديهم من كلمة العدالة، ولها فاتورة كهرباء ومدرسة ودواء وأقساط، بدأ عامل في آخر الصف يبتعد، ثم تبعه آخر.

عندها أخرج حسان هاتفه وأخبر رائد أنه بث الصوت مباشرة، وأن أخاه شاهده وزوجته سجلته، وأنه صار خارج المنجم، لم يكن ذلك كافيا لحماية الطبقة نفسها، لكنه غير ميزان الصمت، فأخرج عامل آخر هاتفه ثم ثالث، وسرعان ما أضاءت الشاشات في النفق كصف من النوافذ الصغيرة المفتوحة على العالم، قالت ماسة إن اللجنة تحتاج الأصل لا المقاطع المتداولة، وإن هذا الجدار هو الأصل، فرد رائد بأن لديه أمر تشغيل قانونيا، وأشار إلى مشغل احتياطي أن يشغل الآلة.

ما الذي يساويه يوم عمل؟

صعد المشغل الاحتياطي إلى المقصورة تحت عيون زملائه وجلس أمام المفاتيح، وظل لثوان يحدق في زر التشغيل الأخضر، أدار المفتاح فاشتعل المحرك، ورفع رائد ذقنه قليلا، لكن الرجل لم يحرك رأس القطع نحو الجدار، بل أدار الآلة عرضيا حتى سد بها الممر، ثم أطفأها ونزل وقال إن يكتبوه غائبا، تبعه صوت آخر يقول المثل، ثم ثالث.

لم يكن ذلك تمردا بطوليا خاليا من الثمن، فبعض الرجال كانوا شاحبين، وآخرون يرسلون رسائل سريعة إلى بيوتهم يخبرون زوجاتهم بما فعلوا، ورجل جلس على صندوق الأدوات وقد أدرك أن راتب الشهر المقبل ربما لن يأتي، لكن أحدا لم يشغل المطحنة.

الليلة التي حرس فيها الأحياء أصوات الموتى

أغلقت الإدارة بوابة المستوى التاسع وقطعت شبكة الاتصال الداخلية، غير أن الهواتف كانت قد أرسلت ما يكفي، خلال ساعتين انتشرت المقاطع ووصلت إلى نقابة العمال وصحفيين وأسر رجال قالت الشركة لسنوات إنهم تركوا وظائفهم أو ماتوا خارج الموقع، بقي العمال في النفق، تقاسموا الماء والقهوة الباردة، وجلسوا أمام الطبقة البيضاء كما يجلس حراس أمام مقبرة بلا شواهد، بينما وقف الأمن في الجهة الأخرى لا يتقدم ولا ينسحب.

أما ماسة فلم تتوقف عن القياس، فاكتشفت أن كل موضع في الطبقة يستجيب إلى نطاق مختلف، وأن بعض الأنماط يمكن تكرارها دون تغير يذكر، فسجلت الإجراءات والحرارة والترددات وأرقام العينات، مدركة أن الغرابة وحدها لا تكفي أمام محكمة أو مختبر، عند الثالثة فجرا اقترب صالح منها وسألها إن كانوا سيصدقونها، فنظرت إلى الجدار وقالت إنهم قد لا يصدقون تفسيرهم لكيفية تخزين الأصوات، لكن يمكنهم التحقق من أن الإشارات قابلة للتكرار، ومن الأسماء والتواريخ والسجلات، فالعلم لا يحتاج أن يعرف كل جواب كي يثبت أن السؤال حقيقي.

الرسالة الأخيرة لسالم

قبل الفجر بقليل تمكنت ماسة من عزل نهاية التسجيل الذي يحمل صوت سالم، جلس صالح وحده إلى جانب الجهاز، بينما ابتعد الباقون عنه دون أن يطلب، خرج صوت أبيه متعبا محاطا بأزيز الصخور المتكسرة، يطلب من فؤاد أن يسجل الأسماء، ثم يقرأها مرة أخرى، بعدها ساد صمت قصير، وجاء صوت سالم أضعف يقول إنهم إن قالوا إنهم لم يكونوا هناك، فإن الجبل يعرف، ثم انقطع التسجيل.

مد صالح أصابعه نحو البلورة لكنه لم يلمسها، لأول مرة منذ طفولته لم يتخيل أباه تحت الأنقاض طالبا النجدة، بل تخيله واقفا قبل الانهيار يحاول أن يحفظ أسماء الآخرين، حتى وهو يعرف أن أحدا قد يمحو اسمه معهم، وخارج المنجم كان الضوء الأول يشق السماء.

حين وصلت لجنة التحقيق

وصلت سيارات الهيئة عند السابعة وثلاث وأربعين دقيقة صباحا، قبل الموعد المعلن بأكثر من أربع ساعات، إذ أجبر انتشار التسجيلات السلطات على تقديم الزيارة، ولم تعد المسألة مجرد إغلاق منشأة قديمة، حين دخل المحققون المستوى التاسع، وجدوا العمال ما زالوا هناك، ووجدوا الآلة متوقفة والطبقة سليمة، ووجدوا ماسة تحمل سجلا زمنيا لكل تجربة أجرتها طوال الليل، مع نسخ للبيانات موزعة على عدة جهات مستقلة.

حاول ممثل الشركة الاعتراض على أخذ العينات، لكن رئيس اللجنة أصدر أمرا فوريا بحجز الموقع ومنع الطحن والنقل، ثم وضعت أختام رسمية على المعدات، وصار الجدار الذي كان يفصله دقائق عن المطحنة دليلا تحت الحماية، ولم تنته القصة في ذلك الصباح، بل بدأت.

الأسماء تعود إلى أصحابها

استغرقت التحقيقات أحد عشر شهرا، أثبتت مراجعة سجلات الرواتب القديمة وسجلات الدخول ورسائل داخلية مستخرجة من أرشيف الشركة وجود عمال في مواقع قالت التقارير الرسمية إنها كانت خالية، وربطت عدة أسماء وردت في الإشارات الملحية بحوادث لم تبلغ كما ينبغي، لم يستطع العلماء الاتفاق سريعا على الآلية الدقيقة التي حفظت بها البلورات تلك الأنماط الصوتية، ولذلك لم تعامل الأصوات وحدها باعتبارها الحقيقة النهائية، لكنها قادت المحققين إلى الوثائق والأنفاق المغلقة وشهادات المتقاعدين، وإلى تناقضات ظلت مدفونة عقودا.

أوقف عدد من المديرين السابقين والحاليين عن العمل، وأحيلت ملفات تتعلق بإخفاء حوادث وسجلات سلامة إلى القضاء، أما العمال الذين أوقفوا آلة القطع، فقد واجهوا شهورا ثقيلة، لكن صندوقا نقابيا وتعويضات مؤقتة خففت عن أسرهم ثمن القرار الذي اتخذوه تحت الأرض.

عند المدخل القديم أقيم بعد عام لوح حجري حمل أسماء الموتى الذين أعيد توثيقهم، وقف صالح أمامه صباح الافتتاح، ومرر إصبعه على اسم أبيه سالم ناصر، وإلى جواره كانت الأسماء السبعة كاملة، لم يكتب أحد أن الجبل تكلم، ولم يكتبوا أن الموتى انتصروا، بل كانت هناك أسماء وتواريخ فحسب، أشياء صغيرة مقارنة بمنجم كامل، لكنها الأشياء ذاتها التي حاول أحدهم محوها.

أخرج صالح من جيبه البلورة الأولى التي سلمتها إليه اللجنة بعد انتهاء فحصها، ورفعها إلى الشمس، فاشتعل داخلها ضوء أبيض صاف، لكنه لم يسمع هذه المرة صوتا واحدا، ابتسم وأعادها إلى جيبه، لم يعد يحتاج إلى أن تتكلم.

ليست كل الأشياء التي تدفن ميتة، وليست السجلات الرسمية دائما أقدر من الذاكرة على حفظ الحقيقة، قد يستطيع الخوف أن يؤجل شهادة إنسان، والمال أن يمحو اسما من ورقة، والآلة أن تطحن حجرا، لكن الحقيقة أحيانا تختار لنفسها مخبأ لا يخطر لأحد، وفي منجم السديم، لم تكن معجزة الملح أنه احتفظ بأصوات الرجال، بل أن الأحياء حين سمعوها اختاروا أخيرا ألا يصمتوا.

التصنيفات:

إرسال تعليق

0 تعليقات
يُرجى عدم نشر تعليقات لا تحترم الشروط هنا, جميع التعليقات تخضع للمراجعة.
إرسال تعليق (0)

المحتوى

+

إقرأ أيضاً

يستخدم موقع Dseel.com ملفات تعريف الارتباط (Cookies) لضمان حصولك على أفضل تجربة إستخدام وتخصيص المحتوى المفضل للزوار, باستمرارك في تصفح الموقع، فإنك توافق على استخدامنا لها لمعرفة المزيد.