لحظة انقطاع الصوت في الفجر، عند السادسة وثلاث دقائق صباحا، بينما كانت المدينة تنفض عن نوافذها زرقة الفجر الباردة، انقطع صوت سهير في منتصف جملة عن الفقد، ولم يبق في سماعات آلاف المستمعين سوى خشخشة خافتة تشبه احتكاك ورقة قديمة بقلب مذعور، خلف الزجاج العازل أضاء المصباح الأحمر بكلمة على الهواء، لكن المؤشر الأخضر في جهاز الإرسال هبط فجأة إلى الصفر، رفعت سهير عينيها فرأت كمال واقفا وراءها وفي يده مفك صغير، وعلى وجهه ذلك السكون الذي طالما استفزها أكثر من أي شجار.
اقترب من الميكروفون المعطل وحرك سلكا محترق الطرف، ثم نظر إليها وقال بصوت لم يصل إلى المستمعين إن الصمت هذه المرة ربما كان أكثر صدقا مما كانا سيقولانه، لم تعرف سهير يومها أن المحطة كلها ستتعلم خلال سبعة أيام فقط كيف تصمت، ولا أنها ستسمع وسط ذلك الصمت الشيء الوحيد الذي أمضت سنوات تبث أصوات الآخرين كي لا تضطر إلى سماعه في داخلها.
صباح يبدأ بعطل ولا ينتهي عنده
كان استوديو راديو المدينة في الطابق الخامس من بناية عتيقة، تتسلل إليه رائحة القهوة المحروقة من الممر، وتزدحم جدرانه بصور مذيعين رحلوا وبطاقات شكر تركها مستمعون مجهولون، وكانت سهير بصوتها الدافئ الواثق أشهر ما بقي للمحطة من زمنها المزدهر، كل صباح كانت تجلس أمام الميكروفون الأسود، تقرب شفتيها منه كما لو أنها تهمس بسر لشخص واحد، مع أن عشرات الآلاف كانوا يسمعونها، كان برنامجها بيننا كلام يستقبل اعترافات الناس، حبا تأخر، وزواجا تصدع، وابنا هاجر، وأبا مات قبل أن يسمع كلمة اعتذار.
أما كمال فكان يصل حين تغادر الأصوات، يأتي بعد التاسعة ليلا بقميص داكن تفوح منه رائحة المعدن والغبار، يحمل حقيبة العدد ويختفي بين الكابلات وأجهزة المزج القديمة، كان يعرف للمحطة قلبا آخر لا يسمعه المستمعون، طنين المحولات وأنين المراوح وفرقعة الأسلاك العجوز حين يسري فيها التيار، لم تكن سهير تراه إلا عند الأعطال، ولذلك ارتبط وجوده لديها دائما بشيء لا يعمل.
في ذلك الصباح فك كمال غطاء وحدة الصوت، وأخرج منها قطعة سوداء احترقت حافتها، وأعاد البث الاحتياطي بعد دقائق، وحين تنفست سهير استعدادا لمتابعة مكالمة امرأة كانت تبكي طلاقها، بقي واقفا خلف الزجاج يحدق فيها بطريقة ضايقتها، بعد انتهاء البرنامج خرجت إليه وسألته إن كان لديه شيء يريد قوله، أم أن إصلاح الأجهزة يتطلب مراقبة المذيعين أيضا، أعاد المفك إلى جيبه وقال إن الأجهزة أسهل، فعندما تتعطل لا نطلب منها أن تعيد شرح اللحظة التي تعطلت فيها أمام الجمهور.
الرجل الذي يكره الاعترافات على الهواء
فهمت سهير مقصده فورا، فاشتد فكها، كان كمال قد انتقد برنامجها أكثر من مرة، خصوصا الأسئلة التي تدفع المتصلين إلى كشف أوجاعهم الشخصية، وكان يسمي ذلك بنبرته الجافة تحويل الجرح إلى فقرة بين نشرتي طقس، قالت إن هؤلاء يتصلون بإرادتهم، فأجابها وهو يمسح السواد عن أصابعه أن الغريق يمسك أي يد تمتد إليه، لكنه لا يوافق بذلك على أن يصبح غرقه مشهدا.
وقعت عبارته في صدرها أثقل مما ينبغي، ربما لأنها عرفت أن جزءا منها صحيح، لكنها عرفت أيضا أصواتا اتصلت بها مرتجفة وغادرت أكثر ثباتا، ورسائل وصلت بعد شهور تقول إن كلمة قيلت في البرنامج منعت قرارا أحمق أو أصلحت علاقة انقطعت، سألته إن كان يصلح الآلات لأن الآلات لا تبكي، فاضطربت ملامحه للمرة الأولى، كأنها لمست سلكا مكشوفا، أغلق حقيبته دون جواب، وعبر الممر، بينما بقيت في الهواء وراءه رائحة معدن ساخن وسؤال لم تجد له اسما.
الأسبوع الذي اختفت فيه الإعلانات
عند الظهيرة استدعاهم مدير المحطة إلى غرفة الاجتماعات، والستار نصف مغلق، والغبار يتراقص في حزمة ضوء ضيقة، وعلى الطاولة أمامه ملف أزرق بدا أثقل من الأوراق الموجودة داخله، قال إن المعلن الرئيسي جمد عقده عقب أزمة مالية، وإن شركتين أخريين فعلتا الشيء ذاته، ولم يكن في الحساب ما يكفي لتشغيل المحطة بطاقتها المعتادة أكثر من سبعة أيام، وبعدها سيقرر المالكون إما البيع أو الإغلاق.
حل صمت غريب، حتى إن سهير سمعت عقرب الثواني في الساعة المعلقة فوق الباب، نظر المدير إليها وإلى كمال تحديدا، وقال إنهم سيخفضون الطاقم خلال هذا الأسبوع، وإن سهير ستتولى البث الأساسي وكمال الجانب التقني، بلا إعلانات ولا إنتاج مكلف ولا برامج مسجلة إلا الضروري، سبعة أيام كي يثبتوا أن لهذه المحطة جمهورا يستحق أن تبقى من أجله، ابتسم كمال ابتسامة بالكاد ظهرت، وقال إنها أخيرا محطة بلا إعلانات، وإنهم سيسمعون ما يبقى عندما يتوقف أحد عن بيع شيء، لم يعجب سهير قوله، لكن الكلمات علقت في ذهنها.
اقتراح لا يشبه الراديو
في اليوم الأول ملأت سهير الفراغات بأغان قديمة واتصالات أطول، غير أن المحطة بدت كمن يرتدي ثوبا أوسع منه، كانت الفواصل الإعلانية تشغل سابقا دقائق كثيرة، وحين اختفت انفتح في جدول البث فراغ مخيف، كنافذة نزعت منها الستائر، وفي الليلة الثانية وجدها كمال جالسة وحدها أمام لوحة البرامج، ترسم خطوطا وتمحوها، وضع كوب قهوة بجانبها وقال إنها ينبغي أن تبث الصمت، دقيقة واحدة كل ساعة، لا موسيقى ولا مذيع ولا إعلان، فقط أصوات المكان كما هي.
ضحكت سهير وسألته إن كان يريد إنقاذ محطة إذاعية بعدم الإذاعة، لكنه أدار أحد المقابض فانفتح مكبر الاستوديو على صوت المطر خارج النافذة، قطرات تضرب الزجاج، وسيارة بعيدة تمر في شارع مبتل، وصفير ريح يتسلل إلى إطار نافذة هرمة، قال إن هذا أيضا بث، والفرق أن أحدا لم يرتبه ليجعله أكثر حزنا أو أكثر قابلية للبيع، كان عليها أن ترفض الفكرة، لكنها بقيت تستمع.
عندما صار الصمت أكثر البرامج استماعا
في صباح اليوم الثالث أعلنت سهير التجربة بصوت لم يخل من السخرية، قائلة إن الدقيقة القادمة ليست عطلا فنيا مهما ظن بعضهم، بل دقيقة بلا كلام، وطلبت من المستمعين أن يسمعوا فقط أين هم، ثم ابتعدت عن الميكروفون، دخل إلى البث صوت ساعة الاستوديو، واحتكاك المطر بالزجاج، ونفس سهير الخافت حين حركت الكرسي، وفي منتصف الدقيقة سقط قلم فوق الطاولة فصدر له صوت صغير وحاد، بدا في السماعات أكثر حياة من موسيقى كاملة.
حين انتهت الدقيقة امتلأت شاشة الرسائل، كتب سائق حافلة أنه سمع للمرة الأولى صوت المحرك الذي يقضي داخله نصف عمره، وكتبت امرأة من مخبز صغير أنها أوقفت العجن دقيقة فسمعت تنفس أمها المسنة جالسة قربها، لكن رسالة ثالثة جعلت يد سهير تتجمد فوق الفأرة، إذ كتبت امرأة تطلب إعادة الصمت في اليوم التالي، فزوجها مات منذ شهرين والجميع يحاول مواساتها بالكلام، وهي تحتاج مكانا لا يحاول فيه أحد إصلاحها، لم تقل سهير شيئا، ونظرت عبر الزجاج إلى كمال فوجدته يحدق في الرسالة ذاتها.
أول خلاف لا ينتهي بباب مغلق
بعد البرنامج قالت له إنه كان محقا في الدقيقة، لكنه مخطئ في الباقي، كان يصلح مفتاحا في لوحة التحكم فسألها دون أن ينظر إليها عن أي باق تقصد، قالت إن ليس كل حديث عن الألم استغلالا، فأحيانا يحتاج الإنسان إلى أن يقول إن هذا حدث له وكان حقيقيا وأنه ما زال هناك، توقفت يده، رفعت الرسالة على شاشة هاتفها وقالت إن هذه المرأة احتاجت صمتا، وغيرها قد يحتاج صوتا، فمن هما ليختارا له.
استدار إليها، وكان قريبا بما يكفي لأن ترى شقا صغيرا في حاجبه الأيسر لم تلحظه من قبل، قال إن المشكلة ليست في أن يتكلم الناس، بل في أنهم تعودوا سؤالهم عن أكثر شيء يؤلمهم لأن الألم يجذب المستمعين، سألته لماذا يزعجه الأمر إلى هذا الحد، وهذه المرة لم يهرب بالسخرية، بل قال إن أمه فعلتها.
التسجيل الذي بقي أحد عشر عاما في درج مقفل
قادها كمال إلى غرفة الأرشيف في آخر الممر، حيث تراكمت أشرطة التسجيل في خزائن معدنية تفوح منها رائحة الورق الرطب والمغناطيس القديم، فتح درجا سفليا وأخرج شريطا صغيرا كتب على غلافه تاريخ يعود إلى أحد عشر عاما، ووضعه في جهاز قديم، دار الشريط ببطء، ثم خرج صوت امرأة رقيق لكنه متعب، كانت أم كمال.
سمعت سهير المذيع يسألها عن ابنها الأصغر الذي توفي في حادث، ثم يعيد السؤال بصيغ أشد قسوة كلما حاولت تغيير الموضوع، وفي الخلفية كان صوت شاب يحتج بعيدا عن الميكروفون، عرفت صوت كمال رغم السنوات، قالت المرأة في التسجيل إنها لا تريد أن تحكي كيف رأت ابنها بعد الحادث، لكن المذيع سألها مرة أخرى، مد كمال يده وأوقف الشريط قبل الإجابة، فكأن الغرفة نفسها شهقت ثم انقطعت أنفاسها، قال إنهم بثوا الحلقة بعنوان أم تفتح قلبها بعد المأساة، وظل الناس في الحي يسألونها عنها شهورا، وفي كل مرة كانت تعود إلى البيت وكأن الحادث وقع صباح ذلك اليوم.
لم تجد سهير دفاعا جاهزا هذه المرة، لم تكن هي المذيعة، ولم يكن برنامجها موجودا آنذاك، لكن الشعار القديم للمحطة المطبوع على الشريط جعل الخجل يلسعها كما لو أنها شاركت في تلك المقابلة، سألته برفق لماذا عمل هنا إذن، فأعاد الشريط إلى غلافه وقال إنه أراد أن يفهم كيف يمكن لشيء يكرهه أن يكون الشيء نفسه الذي كانت أمه تشغله كل صباح.
جواب جاء بعد منتصف الليل
في تلك الليلة لم تغادر سهير، وحين تجاوزت الساعة الواحدة جلس الاثنان على أرض الاستوديو يأكلان شطائر باردة تحت الضوء الأزرق للوحة المزج، بينما كانت المدينة خلف الزجاج مجموعة نوافذ قليلة مضاءة وسط السواد، قالت إن أباها كان يتصل بها كل صباح بعد البرنامج، يسألها عن الضيوف، ثم يقول دائما إنها تجيد الاستماع إلى الغرباء أكثر مما تجيد الاستماع إليه، ابتسمت، لكن ابتسامتها انكسرت سريعا حين أضافت أن آخر مرة اتصل رأت اسمه على الشاشة ولم تجب لأن لديها اجتماعا، ومات مساءها.
لم يقل كمال العبارة المعتادة التي اعتاد الناس قولها لها، ولم يقل إن أباها كان يعرف أنها تحبه، ولم يحاول تليين الحكاية حتى تصبح محتملة، جلس فقط، وكان ذلك أغرب أنواع العزاء التي عرفتها، بعد وقت مد يده نحو علبة المناديل الموضوعة خلفها، فتلاقت أصابعهما لحظة فوق الطاولة، سحبت سهير يدها أولا، لكن الحرارة التي خلفها تماس جلده بقيت في أطراف أصابعها أطول من اللازم.
برنامج لم يكن موجودا في الجدول
بحلول اليوم الخامس صارت دقيقة الصمت حديث مستمعي المحطة، وارتفعت المشاركات على موقعها بصورة لم يتوقعها المدير، اقترحت سهير توسيع الفكرة في آخر يوم إلى ساعة كاملة بعنوان ما يستحق أن يسمع، سألها كمال إن كانت ساعة اعترافات، فهزت رأسها وقالت إنهم لن يسألوا الناس عن أسوأ ما حدث لهم، بل عن سؤال واحد، وهو ما الصوت الذي يخشون أن يختفي من حياتهم، ظل ينظر إليها لحظة ثم قال إن هذا سؤال جيد، فابتسمت وقالت إنها ستسجل التاريخ، لأن كمال أعجبه سؤال لمذيعة.
ابتسم هو أيضا، وكانت ابتسامته حين تكتمل تغير وجهه كله، إذ اختفت الصرامة حول فمه، وظهر في عينيه دفء جعلها تشيح بنظرها نحو لوحة التحكم بلا سبب تقني مقنع.
أصوات لا تملكها نشرات الأخبار
جاءت الإجابات في اليوم الأخير أغرب وأجمل مما توقعا، قال رجل مسن إنه يخشى اختفاء صوت زوجته وهي تقلب صفحات الجريدة، وقال طفل إنه يريد الاحتفاظ بصوت مفتاح أبيه عند باب المنزل، قالت فتاة جامعية إنها تخاف اليوم الذي لن تسمع فيه نداء بائع الذرة تحت نافذتها، وأرسل عامل تسجيلا لأصوات زملائه وهم يضحكون في استراحة مصنع سيغلق أبوابه آخر الشهر، لم تسأل سهير أحدا لماذا.
كان هذا التغيير صغيرا إلى درجة أن المستمع العابر ربما لم ينتبه إليه، إلا أن كمال انتبه، في كل مرة كانت تترك للمتصل حق اختيار حدود حكايته، كان ينظر إليها عبر الزجاج، وكانت تشعر بنظرته قبل أن تراها، وشيئا فشيئا لم يعد الاختلاف بينهما جدارا، بل صار طاولة يجلسان إلى جانبيها.
المكالمة التي أعادت الخوف إلى الاستوديو
قبل نهاية الساعة بسبع دقائق أشار كمال إلى اتصال أخير، ظهرت على الشاشة عبارة رقم غير معروف، فتحت سهير الخط وسألت المتصلة عن الصوت الذي تخشى أن يختفي، فجاءها نفس امرأة مسنة قالت إنها تخشى اختفاء صوت ابنها وهو يصلح الأشياء في البيت ويظن أنها لا تعرف أنه يكسر نصفها أولا، رفع كمال رأسه فجأة، وتوقف الدم في وجهه.
سألت سهير بحذر عن اسم ابنها، فضحكت المرأة ضحكة قصيرة وقالت كمال، فأغلق كمال عينيه، ساد الاستوديو صمت كثيف لا يشبه الدقائق التي خططا لها، إذ كانت أم كمال على الخط.
هذه المرة للمستمع حق التوقف
لم تمد سهير يدها إلى زر رفع الصوت، مع أن خبرتها القديمة كانت تصرخ فيها أن هذه لحظة إذاعية نادرة، بل ضغطت زر كتم البث فورا ونزعت سماعتها، قالت لكمال إن المكالمة له ولن تبث إلا إذا أرادا، حدق فيها، خلف الزجاج كان المدير يشير بانفعال، والوقت يمر، والبرنامج على الهواء غارق في صمت غير مخطط، لكنها تجاهلته.
رفع كمال السماعة بيد مرتجفة، لم يسمع الجمهور شيئا من الحديث الذي دار بينه وبين أمه سوى الصمت، أما سهير فابتعدت إلى الطرف الآخر من الغرفة، ولم تحاول التقاط الكلمات، كأن احترامها للمسافة صار هذه المرة جزءا من مهنتها، بعد ثلاث دقائق أغلق كمال الخط، وكانت عيناه حمراوين، سألته إن كان بخير، فقال إنه لا يعرف، ثم أضاف بعد لحظة أنه سعيد لأنها لم تبثه.
الدقيقة الأخيرة قبل احتمال الإغلاق
بقيت دقيقتان من أسبوع الإنقاذ، ولم يكن أحد يعرف قرار المالكين بعد، جلس كمال إلى جوار سهير داخل الاستوديو بدل غرفة الأجهزة للمرة الأولى، ووضع أمامه ميكروفون ثان ظل مطفأ سنوات، قالت سهير على الهواء إن هذا كان أسبوعا بلا إعلانات، لكنه لم يكن بلا ثمن، وإنهم اكتشفوا أن كل صوت يأخذونه من إنسان يضع في أيديهم شيئا لا يملكونه، حتى لو سمح لهم ببثه، ثم نظرت إلى كمال.
أضاء مفتاح ميكروفونه، فاقترب وقال إنه اكتشف أن الصمت ليس دائما أكثر صدقا من الكلام، فأحيانا يكون مجرد مكان يختبئ فيه المرء حتى لا يراه أحد، كانت الجملة موجهة إلى آلاف الناس، إلا أن عينيه بقيتا على سهير وحدها، شعرت بحرارة تصعد إلى وجهها، وفي اللحظة نفسها انفتح باب الاستوديو بعنف، وكان المدير يحمل هاتفه.
حين أنقذ المستمعون المحطة
انتظرت سهير الخبر السيئ، لكن المدير وضع شاشة هاتفه أمامهما، لم يصل عقد إعلان ضخم، ولم يظهر مستثمر غامض، بل كانت هناك آلاف الاشتراكات الصغيرة التي دفعها المستمعون خلال الساعات الأخيرة بعد أن أطلقت الإدارة خيار العضوية الداعمة، خمسة، عشرة، عشرون، مبالغ ضئيلة منفردة، لكنها حين اجتمعت صنعت رقما يكفي لثلاثة أشهر أخرى من البث وإعادة التفاوض على مستقبل المحطة، قال المدير بصوت مبحوح إنهم لن يغلقوا يوم الاثنين.
من غرفة التحرير انطلقت صيحة ثم تصفيق، وبدأ الهاتف الثابت يرن، وأضاءت شاشة الرسائل حتى لم تعد تستطيع عرض الوافد الجديد بالسرعة الكافية، أما كمال فلم ينظر إلى الشاشة، بل كان ينظر إليها.
السؤال الوحيد الذي لم يصلح للبث
بعد انتهاء البرنامج انصرف الآخرون للاحتفال في الممر، وبقيت سهير تطفئ الأزرار واحدا بعد آخر، الأحمر فالأخضر فالأزرق، حتى غرق الاستوديو في ضوء الصباح الطبيعي، كان كمال يجمع كابلاته حين سألته إن كان سيعود إلى العمل ليلا بعد الآن، فقال إن الأجهزة تتعطل ليلا أيضا، فردت أنها لم تسأل عن الأجهزة، توقفت يداه.
خلف النافذة ارتفعت المدينة في نهارها، أبواق السيارات، وبائع ينادي، وحمامة تضرب جناحيها بالحافة الخارجية للزجاج، كل الأصوات التي لم يكن أحد يعدها برنامجا ملأت المكان، اقترب كمال حتى لم يبق بينهما سوى طرف الطاولة، وقال إن هناك شيئا يريد قوله لكنه لا يريده على الهواء، نظرت سهير إلى المصباح الأحمر فوجدته مطفأ، فقالت له أن يقول.
قال إنه بدأ ينتظر الصباح لأن صوتها يكون أول ما يسمعه بعد ليلة من الأسلاك والدوائر الصامتة، وإنه قاوم الاعتراف بذلك لأنها تمثل له كل ما كان يغضبه في الإذاعة، ثم اكتشف أنها قادرة على تغيير الطريقة التي تمسك بها حكايات الناس، لم يجبها بقصيدة، ولم يحتج إلى واحدة، مدت سهير يدها وأمسكت بأصابعه التي طالما رأتها ملطخة بزيت الأجهزة، كانت خشنة ودافئة، وفي تلك الملامسة الصغيرة انطفأ آخر شيء احتاج إلى تفسير بينهما.
أول قبلة خارج الهواء
أمال كمال رأسه قليلا، كأنه ما زال يطلب إذنا لا يريد افتراضه، لم تتراجع سهير، بل اقتربت هي المسافة الباقية، فالتقت شفتاهما في قبلة هادئة لم يكن فيها شيء من الحب الذي تصنعه الأغاني المستعجلة، لم يكن الميكروفون مفتوحا، ولم تسجل الكاميرات شيئا، ولم يصفق مستمع مجهول في الطرف الآخر من المدينة، بقيت اللحظة لهما وحدهما، وللمرة الأولى أدركت سهير أن أجمل ما حدث لها داخل محطة الراديو كان الشيء الوحيد الذي لم يحتج إلى جمهور.
بعد ثلاثة أشهر بقيت المحطة مفتوحة، وتحول برنامج ما يستحق أن يسمع إلى موعد أسبوعي، لم يعد السؤال يبحث عن الجرح الأكثر إثارة، وصارت هناك قاعدة معلقة أمام كل مذيع، وهي أن الحكاية ملك صاحبها حتى بعد أن يمنحك صوته، أما دقيقة الصمت فبقيت في موعدها كل صباح، وكان كمال أحيانا يقف خلف الزجاج خلالها، فترفع سهير عينيها إليه وتبتسم، لا يسمع المستمعون شيئا، لكن ذلك لم يعد يعني أن لا شيء يحدث.
ليست كل الحكايات التي نستطيع روايتها حكايات يحق لنا امتلاكها، وليست كل لحظة صمت فراغا ينبغي أن نسارع إلى ملئه، فبين الكلام والسكوت مساحة دقيقة يسكن فيها الاحترام، وربما يبدأ الحب حين يجد إنسان أمام آخر تلك المساحة، فلا يقتحمها ولا يهرب منها، بل ينتظر عند بابها حتى يدعى إلى الدخول.
