متجر لا يظهر في النهار، في مساء شتوي رطب، كانت سلوى عائدة من الشركة تحمل ثوب الترقية الجديد داخل كيس أسود، حين انطفأت لافتة الصيدلية المجاورة واشتعل بدلا منها ضوء ذهبي فوق واجهة لم تتذكر أنها رأتها من قبل، خلف الزجاج وقفت ثلاثة تماثيل عرض بلا رؤوس، ترتدي أثوابا رمادية غير مكتملة الحواشي، وفوق الباب استقرت لوحة نحاسية نقش عليها بحروف صغيرة تقول دار المقاس الأخير، نعدل ما لا يلائم صاحبه.
قال سعد وهو يتفحص ساعته إن الأمر لن يستغرق سوى دقائق، يضبطون الثوب ثم يتعشيان ويتفقان على ما ستقوله سلوى للمدير، كان يمشي إلى جوارها منذ خروجهما من المكتب وكأن الترقية تخصهما معا، أما هي فكانت تسمع تحت ضجيج السيارات جملة لم تفارقها منذ العصر، مفادها أن المشروع مشروع ريم لكن الإدارة تريد اسما أقوى على الملف.
دخل سعد أولا فتبعته سلوى، رن جرس الباب رنة واحدة طويلة، وانسابت إلى أنفها رائحة الأقمشة والخشب واللافندر اليابس، امتدت الرفوف إلى عمق لا يناسب حجم الواجهة من الخارج، وتدلت بكرات القماش من الجدران مثل رايات لبلاد انقرضت أسماؤها.
ظهرت امرأة مسنة من وراء ستارة مخملية، وعلى عنقها شريط قياس أصفر تتخلله علامات سوداء كثيفة، لم تسأل عن الاسم ولا المقاس، بل مدت يدها نحو كيس الثوب وسألت عن المناسبة، فأجاب سعد قبل سلوى بأنها ترقية، نظرت المرأة إليه لحظة ثم أعادت عينيها إلى سلوى وقالت إنها سألت صاحبة الثوب.
المقاس الذي لا يكتب بالأرقام
ابتلعت سلوى اعتراضها المعتاد، ذلك الاعتراض الصغير الذي كان يصعد إلى حلقها ثم يموت هناك منذ سنوات، وقالت بهدوء إن لديها غدا اجتماعا مهما وتريد أن يبدو الثوب مناسبا، مررت المرأة أصابعها فوق القماش الكحلي فخشخش تحت يدها كأنه جلد مخلوق نائم، ثم قالت إن المناسب شيء وما تريده سلوى شيء آخر، ضحك سعد بخفة قائلا إنه مجرد ثوب، رفعت المرأة شريط القياس عن عنقها، وكانت الأرقام قد اختفت منه.
قادتها إلى آخر المتجر، حيث وقفت غرفة قياس منفردة خلف ستارة بلون النبيذ المعتق، وقبل أن تدخل سلوى، انحنت العاملة نحو أذنها وهمست ألا تجيب حين يسألها المقاس بما اعتادت قوله، لم تفهم سلوى العبارة إلا حين أغلقت الستارة.
حين بدأ الثوب يطرح الأسئلة
ثبتت سلوى الثوب عند كتفيها وحدقت في المرآة، كان المقاس مثاليا تقريبا باستثناء ضيق طفيف عند الأكمام، فطرقت المرأة الباب وسألت من الخارج كيف تجده، قالت سلوى إنه ممتاز، وإنها تريد فقط أن تبدو مناسبة للمنصب، تحرك خيط عند خصرها من تلقاء نفسه.
شد القماش نفسه فجأة حتى غاصت الحافة في جلدها، وانخفضت الياقة مقدار إصبع، شهقت سلوى وحاولت إدخال كفها بين الثوب وصدرها، لكن القماش كان دافئا بصورة غير طبيعية، كأن نبضا خفيا يسري بين خيوطه، نادت مذعورة سائلة ماذا فعلت، فجاءها صوت المرأة ساكنا يقول إنها لم تلمسه.
اقتربت سلوى من المرآة، فلاحظت شيئا لم يكن موجودا قبل لحظات، تحت انعكاسها ظهرت كتابة رفيعة كأن إصبعا غير مرئي يرسم الحروف على بخار زجاج بارد، تسأل ماذا تريد، حدقت فيها طويلا، قال سعد من الخارج إنها تريد المنصب طبعا، وطلب أن تقول للمرأة أن توسع الخصر قليلا لينتهوا، أجابت سلوى وعيناها على الحروف بأنها تريد المنصب فعلا، فانكمش الثوب ثانية.
المساحة التي تنازلت عنها
هذه المرة لم يكن الألم خفيفا، ضغط القماش ضلوعها حتى اضطرت إلى الانحناء، بينما أخذ شريط القياس المعلق قرب المرآة يتحرك بلا يد، يرتفع عن خطافه ويلتف حول جسدها، لم يستقر حول خصرها أو صدرها، بل دار حولها على مسافة شبر، ثم اتسعت دائرته إلى ذراعين وبعدها إلى ثلاثة، كأنه يقيس فراغا لا جسدا، ظهر على المرآة سطر جديد يقول إن المساحة التي تركتها للآخرين تبلغ سبع سنوات.
ارتدت سلوى إلى الخلف فاصطدمت بالحائط، توالت الصور فوق الزجاج بدل انعكاسها، فرأت نفسها قبل سبع سنوات تمحو اسمها من عرض تقديمي لأن رئيسها قال إن وجود أسماء كثيرة يربك العميل، ثم رأتها تمنح مكتبها ذا النافذة لزميل أقدم لأنه يحب الضوء، رأت عشرات فناجين القهوة التي حملتها إلى اجتماعات لم يكن أحد يطلب من الرجال فيها حمل شيء، وعشرات الجمل التي بدأت بلا مشكلة بينما كانت المشكلة تجثم في صدرها كحجر، ثم ظهرت ريم.
الاسم المحذوف من المشروع
كانت ريم تقف في الصورة المنعكسة أمام سبورة غرفة الاجتماعات، وشعرها مرفوع بقلم رصاص، ترسم الأسهم والدوائر وهي تشرح الفكرة التي ستضاعف أرباح القسم، تذكرت سلوى تلك الليلة التي بقيتا فيها حتى الثانية صباحا، تأكلان بسكويتا مالحا وتبنيان المشروع رقما بعد رقم، بينما قالت ريم وهي تحدق في المخطط إنها إن نجح هذا المشروع فستحصل أخيرا على قيادة الفريق.
ثم تغيرت صورة المرآة، فظهر اجتماع الظهيرة الذي حدث قبل ساعات فقط، حين أغلق المدير الباب وقال لسلوى وسعد إن مجلس الإدارة أعجب بالمشروع لكنه لا يثق بخبرة ريم لقيادته، وإن القيادة ستمنح لسلوى وسيحمل الورق الرسمي اسمها بينما تبقى ريم ضمن الفريق، كان سعد أول من ابتسم واصفا القرار بأنه عملي جدا، أما سلوى فنظرت إلى الملف أمامها وقالت إن كان هذا هو الأفضل للشركة فليكن، في غرفة القياس، اشتد الثوب على حنجرتها.
كذبة صغيرة تحتاج إلى قفص كبير
رفعت سلوى أصابع مرتجفة إلى الياقة، لكن الأزرار اندمجت بالقماش حتى اختفت ثقوبها، حاولت أن تصرخ، ولم يخرج سوى هواء خشن، قال سعد من الخارج وقد نفد بعض صبره إنها لا ينبغي أن تعقد الأمر، وأن ريم موهوبة وستأتيها فرصة أخرى، وأن سلوى لم تسرق شيئا لأن الإدارة هي من اختارتها، ظهرت جملته على المرآة ثم سالت حروفها إلى أسفل كالحبر، وجاء سؤال بدلا منها يسألها ماذا ستختار لو لم يغضب أحد.
أغمضت سلوى عينيها، فظهر خلف جفنيها وجه أبيها وهو يطلب منها أن تكون عاقلة ولا تزعج أمها، ثم صوت معلمتها يطلب منها أن تدع زميلتها تفوز هذه المرة، ثم صوت مديرها القديم يصفها بأنها مرنة وأن هذه أفضل صفاتها، كم بدت الكلمة جميلة حين كانت تعني في الحقيقة أنها تتقن الانحناء، قالت سلوى بصوت خافت إنها تريد المنصب، فتقلص الثوب حتى سقطت على ركبتيها.
الغرفة الأخيرة لا تخيط الأكاذيب
صاح سعد طالبا إيقاف ما يحدث وضرب الستارة براحة يده، طالبا من سلوى أن تفتح الباب، لكن الستارة لم تتحرك رغم أنه جذبها من الخارج، ومن داخل الغرفة رأت سلوى أن القماش المخملي لم يعد ستارة أصلا، بل صار جدارا كاملا بلا شقوق، جلست على الأرض تتنفس بصعوبة، وكان طرف الثوب قد ارتفع إلى ركبتيها من شدة تقلصه، فتكلمت عاملة القياس للمرة الأولى منذ بدأت الغرفة تتغير قائلة إنها لا تستطيع توسيع ثوب يضيقه صاحبه.
سألت سلوى ماذا تفعل إذن، فأجابتها المرأة بكلمة واحدة هي أن تجيب، ظهر السؤال للمرة الأخيرة على المرآة، ولم تكن حروفه فضية هذه المرة بل بلون داكن يشبه أثر إبرة وخزت إصبعا، يسألها عن الشيء الذي تريده ولو خسرت إعجاب من حولها، صمت المتجر كله، وحتى سعد لم يتكلم.
حدقت سلوى في نفسها، في احمرار وجهها وشعرها الملتصق بصدغيها، وفي الثوب الأنيق الذي بدا الآن أشبه بيدين تحاولان عصرها إلى حجم توقعات الآخرين، قالت إنها لا تريد منصبا ثمنه اسم ريم، فارتخى الخيط الأول وشهقت حين عاد الهواء إلى رئتيها، أضافت بصوت أعلى أنها تريد الترقية التي تستحقها هي، لا التي تحتاج إلى محو امرأة أخرى كي تتسع لها، فارتخت الياقة، ثم نظرت مباشرة إلى المرآة وقالت إنها غاضبة لأنهم ظنوا أنها ستقبل، فسقط شريط القياس على الأرض.
ما قاله سعد حين فتحت الستارة
انفرج الجدار المخملي فجأة حتى كادت سلوى تسقط إلى الخارج، وقف سعد أمامها وهاتفه في يده، بينما كانت عاملة القياس تخيط شيئا صغيرا خلف الطاولة كأن شيئا غير مألوف لم يقع، تفحص سعد الثوب وقال إنه صار مناسبا الآن ويمكنهما الذهاب والتفكير بعقلانية.
نزعت سلوى الثوب ودخلت خلف الستارة لترتدي ملابسها، وحين خرجت وضعته فوق الطاولة بدل أن تعيده إلى الكيس، وقالت إنها لن تحتاجه غدا، عقد سعد حاجبيه وسألها إن كانت سترفض العرض، فأجابت أنها سترفضه بصيغته الحالية، اقترب منها وخفض صوته سائلا إن كانت ستضحي بمستقبلها من أجل ريم.
نظرت سلوى إلى انعكاسهما في مرآة المتجر، ولاحظت لأول مرة أن سعد كان يقف دائما نصف خطوة أمامها حتى حين كان الحديث عنها، قالت إنها لن تضحي بشيء، وإنها ستطلب أن تنسب ملكية المشروع إلى ريم وأن تناقش الإدارة ترقيتها هي بناء على عملها، ضحك سعد بلا ابتسام متسائلا إن كانت تظن أنهم سيحبون ذلك، فأجابت أن هذه أول مرة لا تعرف فيها إن كانوا سيحبون ما ستفعله، وتجاوزته إلى الباب.
الاجتماع الذي تغير فيه المقاس
في التاسعة صباحا، كانت غرفة الاجتماعات في الطابق السابع عشر مغمورة بضوء أبيض قاس، والمدينة وراء الزجاج تبدو كشبكة معدنية هائلة، جلس المدير في رأس الطاولة، وإلى جواره سعد، بينما احتلت ريم المقعد الأخير أمام ملف مغلق، لم ترتد سلوى الثوب الكحلي، بل جاءت بسترتها القديمة الرمادية التي لم تمنحها يوما هيئة مديرة تنفيذية في إعلان لامع، لكنها سمحت لها بأن تتنفس.
وضع المدير ورقة الترقية أمامها وطلب توقيعها ليعلن القرار، سمعت سلوى قلبها يضرب ضلوعها، وشعرت للحظة بأن غرفة القياس قد تبعتها إلى هنا، امتدت أصابعها نحو القلم، فالتقت عيناها بعيني ريم التي كانت تنظر إلى الورقة لا إليها، دفعت سلوى القلم بعيدا وقالت إن هناك تصحيحا قبل الإعلان.
تغير وجه سعد، سأل المدير عن التصحيح، ففتحت سلوى نسخة المشروع ووضعتها في منتصف الطاولة، موضحة أن الفكرة الأساسية والنموذج التنفيذي الأول لريم، وأنها شاركت في تطويره لاحقا، وأن العرض الذي يقول إن المشروع لها غير دقيق، وأنها لن تقبل المنصب إن كان مشروطا بتسجيله باسمها، صمت المدير طويلا، وكان المكيف ينفث هواءه البارد فوق الأوراق حتى ارتجفت إحدى الزوايا، قال سعد إن هذا ليس ما اتفقا عليه، فردت سلوى بأنه هو من اتفق، وهي من سكتت.
حين تكلمت ريم
رفعت ريم رأسها ببطء، بدت كمن خرج للتو من ماء عميق ولم يقرر بعد إن كان الهواء آمنا، سأل المدير وهو يضم أصابعه إن كانت تستطيع إثبات نسبة عملها، قبل أن تجيب ريم، سحبت سلوى حاسوبها وفتحت سجل النسخ والتعديلات ورسائل الأشهر الماضية، وقالت إن كل شيء موثق، كان يمكنها في تلك اللحظة أن تجعل نفسها بطلة القصة، أن تشرح كم خاطرت وكم رفضت، لكنها أغلقت فمها ونظرت إلى ريم، فهمت ريم الإشارة، ففتحت ملفها وبدأت تتكلم.
الفاتورة التي لم تحمل سعرا
بعد أسبوعين، عادت سلوى إلى الشارع نفسه، لم تكن تعرف تحديدا لماذا جاءت، ربما لتدفع ثمن التعديل، وربما لتسأل المرأة كيف جعلت قماشا ينكمش بلا مقص أو إبرة، كان الاجتماع قد انتهى يومها بلا ترقية فورية وبلا عقوبة درامية أيضا، فقد فتح تحقيق داخلي في نسب المشروع، وأعيد تقديم ريم بوصفها صاحبته، أما ملف سلوى الوظيفي فأحيل إلى لجنة مستقلة لمراجعة ترقيتها على أساس إنجازاتها السابقة، وسعد لم يعد يرسل لها رسائل بعد منتصف الليل يخبرها فيها بما ينبغي أن تقوله.
وصلت إلى المكان فتوقفت، بين الصيدلية ومحل الأحذية لم يكن هناك متجر، ولم تجد واجهة ذهبية ولا تماثيل بلا رؤوس ولا لوحة نحاسية، بل جدار ضيق متسخ يمتد، وفق ما بدا واضحا الآن، منذ سنوات طويلة، سألت صاحب الصيدلية عن متجر الخياطة الذي كان هناك، فأشار إلى الجدار مستغربا وسألها عن أي متجر تتحدث.
عادت سلوى إلى بيتها وهي تحاول إقناع نفسها بأن الإرهاق قادر على اختراع أشياء أكثر غرابة من ذلك، وحين فتحت حقيبتها لتخرج مفاتيحها، لمست أصابعها ورقة مطوية لم تضعها هناك، كانت فاتورة صفراء صغيرة، بلا اسم متجر ولا عنوان ولا رقم هاتف ولا سعر، بل فقط قياسان بخط أسود دقيق، الأول عند الدخول يقول إن المساحة المتروكة للآخرين هي سبع سنوات، والثاني عند الخروج يقول إن المساحة المطلوبة هي مقاس صاحبتها.
ضحكت سلوى لأول مرة منذ أيام، ثم وضعت الورقة في درج مكتبها، في صباح اليوم التالي، وصلتها رسالة من لجنة الترقيات تحدد موعد مقابلة جديدة، قرأتها مرة واحدة، ثم فتحت ملفا أبيض وبدأت تكتب ما أنجزته خلال السنوات الماضية، من دون أن تمحو اسما ليس لها، ومن دون أن تمحو اسمها هي أيضا.
ليست كل الثياب التي تضيق بنا أصغر من أجسادنا، بعضها صنع من موافقات قلناها كي لا نخيب ظن أحد، ومن اعتراضات ابتلعناها حتى حسبنا الصمت جزءا من طباعنا، وحين نتوقف أخيرا عن اقتطاع أنفسنا لتلائم المقاسات التي رسمها الآخرون، قد لا تتسع لنا الطرق كلها، لكن الطريق الذي يبقى يكون، للمرة الأولى، بعرض خطوتنا.
