الخريطة التي تحذف البيوت قصة قصيرة عن رجل نسيه الجميع

الراوي
0

الرجل الذي كان يؤجر حزنه، حين وصل صفوان إلى عزاء بهجت، كان البيت المرسوم على الخريطة قد بدأ يختفي بالفعل، انمحت نافذته الشرقية أولا، ثم تلاشى نصف الباب تحت إصبع المحامي المرتجف، وكأن ممحاة خفية تعمل من الجهة الأخرى للورق.

لم يلحظ أحد ذلك في البداية، فقد كان المعزون منشغلين بعد المقاعد الخالية أكثر من انشغالهم بالدعاء للميت، بينما جلس صفوان في آخر الصف كعادته، يؤدي المهمة التي يتقاضى عنها أجرا، أن يجعل موت الغرباء أقل وحدة، ولو بجسد مستعار ووجه يتظاهر بالحزن.

كان صفوان يعرف رائحة الجنائز الفقيرة كما يعرف الخباز رائحة عجينه، مزيجا من البن المحروق وماء الورد الرخيص وغبار السجاد الذي لا ينفض إلا حين يموت أحد أصحاب البيت، كان الاتصال يأتيه غالبا بصوت خفيض، كأن طالب الخدمة يخجل من الاعتراف بقلة المحبين، فيقول إنهم يحتاجون إلى بعض الرجال في العزاء حتى لا يبدو المكان فارغا، ثم يذكر الأجر والعنوان واسم الميت الذي ينبغي أن يحفظه صفوان قبل أن يصل.

لم يكن مطلوبا منه أن يبكي، فالبكاء يثير الأسئلة، بل أن يرتدي قميصا داكنا، وأن يصافح أهل المتوفى بحرارة محسوبة، ثم يجلس في المقعد الأخير حيث تمنح الأجساد المتباعدة وهما بأن المجلس ممتد إلى ما وراء الضوء، كان يراقب من مكانه أرجل الكراسي وأطراف العباءات والأيدي التي تنقلب فوق بعضها في انتظار انتهاء التلاوة، وإذا سأله أحد عن صلته بالميت أجاب بجملة مرنة لا تكذب تماما ولا تقول شيئا، فيقول إن بينهما معرفة قديمة.

في ذلك المساء، حملته سيارة أجرة إلى حي قديم عند طرف المدينة، حيث كانت البيوت متلاصقة كعجائز يسند بعضها بعضا خشية السقوط، وجد بيت بهجت في نهاية زقاق ضيق، تعلو بابه شرفة حديدية صدئة تتدلى منها أصيصات يابسة، كان المطر قد توقف قبل وصوله بدقائق، وترك الحجارة سوداء لامعة تحت المصابيح.

أمام الباب وقف شاب ممتلئ الجسد ينظر إلى ساعته كل لحظة، ثم استقبل صفوان بارتياح لم يحاول إخفاءه، ودس في يده نصف الأجر مقدما، وطلب منه أن يجلس في الخلف ويبقى حتى يقرأ المحامي الوصية، لأن عمه بهجت كان يحب المظاهر ولا يريدون أن يقال إن عزاءه كان خاليا، سأله صفوان كعادته إن كان هناك شيء ينبغي أن يعرفه عن الميت، مهنة أو هواية أو موقف مشهور، فتردد الشاب ومسح عرقا لم يصنعه الحر عن عنقه، وقال إن بهجت كان يملك البيت وبعض المخازن، وهذا كل ما يهم.

الخريطة التي تحذف البيوت قصة قصيرة عن رجل نسيه الجميع


المقاعد التي تعرف أصحابها

في الداخل، كان عدد الكراسي أكبر من عدد الحاضرين بثلاث مرات، وقد رتبت في صفوف مستقيمة توحي باستعدادها لاستقبال جمهور لن يأتي، جلس في الصف الأول رجل ذو شارب مصبوغ، وإلى جواره امرأة تضع خاتمين ثقيلين وتضغط حقيبتها إلى صدرها، لم يكن الحزن ظاهرا على الوجوه، بل شيء أقرب إلى الترقب، نظرات متقطعة نحو الباب الداخلي، وهمسات تتوقف كلما تحرك المحامي العجوز قرب طاولة صغيرة فوقها حقيبة جلدية مغلقة.

جلس صفوان في المقعد الأخير، فصدر عن الخشب أنين خافت، وشعر للحظة أن الكرسي يعرف أنه ليس من أهل البيت، ثم تذكر أن المقاعد مثله لا تختار من يجلس عليها، مرت أمامه امرأة في أواخر الأربعينيات تحمل صينية أكواب، ترتدي ثوبا رماديا فوقه مئزر أزرق باهت، شعرها مشدود تحت غطاء أسود، وعلى ظهر يدها اليمنى أثر حرق قديم يشبه جزيرة صغيرة، وضعت أمامه كوبا ولم تسأله عن صلته بالميت، واكتفت بنظرة ثابتة إلى حذائه المبلل، ثم أحضرت قطعة قماش ومسحت آثار الماء التي تركها عند المدخل، زجرها الرجل ذو الشارب قائلا إن القهوة باردة وعليها أن تنتبه للضيوف، فأخذت الكوب من أمامه من دون اعتراض، لكن صفوان لمح أصابعها ترتجف قليلا، ارتجافا لم يكن خوفا من الرجل بل غضبا ظل طويلا محبوسا حتى تعلم كيف يتنفس من دون صوت.

بعد انتهاء التلاوة، لم يغادر أحد، بل على العكس تقاربت الأجساد، وامتلأت المقاعد الأمامية فجأة بأقارب ظهروا من الغرف المجاورة، كأن اسم الوصية أقدر من اسم الموت على جمع العائلة، فتح المحامي حقيبته وأخرج مظروفا أصفر وخريطة قديمة مطوية أربع طيات، ووضعها على الطاولة، فانبعثت منها رائحة رطوبة تشبه رائحة الأقبية المغلقة.

وصية لا تعترف بالأقارب

سعل المحامي مرتين، ثم رفع ورقة مختومة وأعلن أن المرحوم بهجت عبد الرحيم أوصى ألا يقسم شيء من تركته قبل تنفيذ الشرط الوارد في الوثيقة، وأنه طلب قراءة الشرط بحضور كل من جاء إلى عزائه، تبدلت هيئة المجلس، اعتدلت الظهور وتوقفت المراوح الورقية وانحنت الرؤوس إلى الأمام، حتى نجلاء بقيت قرب الباب ممسكة بالصينية كأنها درع رقيق.

قرأ المحامي أن التركة توزع على كل شخص يروي عن الفقيد ذكرى صادقة، لم تختلق طمعا ولم تحفظ لمصلحة، وأن نصيبه يحدد بقدر ما تكشفه الذكرى من معرفته به، تعالت الاعتراضات قبل أن ينتهي صدى الجملة، فصاح الرجل ذو الشارب، وكان يدعى مدحت، بأن بهجت لم يكن عاقلا في أشهره الأخيرة، بينما سألت المرأة ذات الخاتمين إن كانت العقارات داخلة في هذا الاختبار السخيف، رفع المحامي يده وأشار إلى الخريطة، وأوضح أن هناك فقرة أخرى تطلب فتح الخريطة بعد قراءة أول ذكرى واتباع التعليمات المكتوبة على ظهرها.

مد الخريطة فوق الطاولة بحذر، وكانت تمثل الحي نفسه مرسوما بحبر أسود دقيق، وتحمل كل بناية رقمها واسم مالكها القديم، حتى الشرفات والأشجار وآبار المياه الصغيرة ظهرت عليها بتفاصيل لا تتسع لها خرائط البلدية، في نهاية الزقاق بدا بيت بهجت واضحا بلون بني داكن، محاطا بخط أحمر، وفوق سطحه نقطة حبر زرقاء تشبه عينا مفتوحة لا ترمش.

ذكريات مصنوعة من الفواتير

تقدم مدحت أولا، ومسح شاربه بأصبعه قبل أن يتكلم، وقال إنه يتذكر أن بهجت كان كريما، فقد منحه مهلة ستة أشهر لسداد دين كبير، وإنه كان رجلا لا يضيق بالمحتاج، سأله المحامي عن موعد ذلك، فذكر مدحت سنة تقريبية وأضاف تفاصيل كثيرة عن مبلغ الدين وموعد السداد والشهود، كانت حكايته دقيقة كفاتورة، لكن وجه بهجت لم يظهر فيها قط، لم يذكر كيف كان صوته ولا ماذا قال حين وافق ولا إن كان غاضبا أو رحيما.

ما إن أنهى كلامه حتى تحرك خط أحمر رفيع على الخريطة، ثم انمحت إحدى نوافذ بيت مدحت المرسوم في الشارع المجاور، شهقت المرأة ذات الخاتمين، وانحنى المحامي حتى كاد يلامس الورق بأنفه، وركض شاب إلى النافذة الحقيقية وأطل ناحية بيت مدحت، ثم قال بصوت متكسر إن النافذة المطلة على السطح اختفت، وإن مكانها صار جدارا فقط، ضحك بعضهم ضحكة متوترة، لكن مدحت اندفع إلى الخارج، وعاد بعد دقائق شاحب الوجه، وفي يده هاتف يعرض صورة جدار أملس مكان النافذة التي أقسم أنها كانت موجودة منذ ثلاثين عاما.

قرأ المحامي الكلمات المكتوبة خلف الخريطة، وفيها أن كل ذكرى كاذبة تمحو موضعا عاش فيه صاحبها دون أن يرى من حوله، وأن كل ذكرى صادقة تعيد إلى الخريطة بيتا محاه النسيان، خيم على الغرفة صمت كثيف، حتى إن صفوان سمع قطرة ماء تسقط من طرف معطفه إلى الأرض، أما نجلاء فوضعت الصينية ببطء فوق خزانة قريبة، وكأنها فهمت شيئا لم يفهمه سواها.

تقدمت المرأة ذات الخاتمين، واسمها سلوى، وقالت إن بهجت كان يحب أبناء إخوته وإنه كان يرسل لهم الهدايا في الأعياد، وحين سألها المحامي عن هدية واحدة ذكرت ظرفا من المال وصلها بعد خلاف على إيجار متجر، اختفى باب شقتها من الخريطة، ثم علا رنين هاتفها، فأجابت فصرخ صوت من الجهة الأخرى بأن باب بيتها تحول إلى جدار وأن ابنتها محاصرة في الداخل، استدار الحاضرون نحو المخرج، لكن باب بيت بهجت نفسه كان قد انكمش حتى صار أضيق من كتفي رجل بالغ، وحين حاول مدحت فتحه وجد خلفه زقاقا بلا ملامح تغطيه طبقة ضباب رمادي لا تظهر من خلالها المصابيح، أعلن المحامي وهو يقرأ بقية التعليمات أنه لا يخرج أحد قبل اكتمال الوصية، وأنه إذا انتهت الذكريات ولم يظهر وجه الميت، حذف بيت العزاء بمن فيه.

الخريطة التي تأكل الجدران

بدأت البيوت على الورق تتلاشى واحدا بعد آخر، لا دفعة واحدة بل بتؤدة مرعبة، شرفة تفقد قضبانها، درج ينقص منه منعطف، سقف يبهت حتى يصير لون الورقة، كأن الخريطة لا تمحو الحجارة بل تسحب حقها في الوجود، راح الأقارب يتدافعون نحو المحامي، وكل واحد منهم يحمل ذكرى تشبه عقدا أو شيكا أو خصومة، وتحدثوا عن بهجت الذي باع واشترى وأقرض ورفض ووقع، لكنهم لم يعرفوا ماذا كان يفعل حين يخاف، ولا أي طعام كان يكرهه، ولا لماذا ظل مصباح غرفته مشتعلا حتى الفجر، كلما انتهى أحدهم محا الحبر جزءا من بيته، وبعد المحاولة السادسة ارتج السقف فوقهم وسقطت ذرات من الجص على الأكتاف، فيما اختفى من خريطة بيت بهجت ممر كامل.

كان صفوان يراقب نقطة الحبر الزرقاء فوق السطح، وقد اتسعت حتى بدت كعين غارقة في الدمع، وأدرك أن البيت لا يحذف بسبب سحر أعمى، بل لأن كل شهادة تؤكد أن الرجل عاش بين الناس من دون أن يراه أحد، أمسك الشاب الممتلئ بذراع صفوان وهمس متوسلا أن يقول أي شيء لأنهم دفعوا له ليكون هناك وليساعدهم، فنظر صفوان إلى أصابعه التي ضغطت كمه ثم إلى نصف الأجر المستقر في جيبه، كان يستطيع أن يخترع ذكرى مقنعة، فهو رجل حضر مئات الجنائز وحفظ من الحكايات ما يكفي لصناعة حياة كاملة لأي ميت، لكنه قال بصوت منخفض إنه لا يعرفه، فهتف الشاب أن لا أحد يعرفه، وهذه هي المصيبة.

في تلك اللحظة سقط إطار صورة من الجدار، وانكسر زجاجه، وظهرت تحته صورة باهتة لبهجت شابا يقف أمام البيت، وإلى جواره امرأة تحمل طفلة صغيرة، التقطت نجلاء الصورة قبل أن تطأها الأقدام، ومسحت الزجاج المتناثر عن وجه المرأة بأطراف أصابعها، ثم ضمت الإطار إلى صدرها.

المرأة التي كانت تنظف آثار الجميع

انتبه صفوان إلى أنها الشخص الوحيد الذي لم يحاول مغادرة البيت، والوحيد الذي لم يسأل عن قيمة الميراث، وكانت عيناها معلقتين بصورة بهجت لا بملامح عاشق أو قريب، بل بنظرة من يعرف مكان الجرح لأنه غسله مرارا، اقترب منها وقال إنها كانت تعرفه، فهزت رأسها نافية، لكن كفها انغلق على الصورة حتى ابيضت مفاصلها، وقالت إنها تنظف البيت منذ خمسة عشر عاما، وإن العامل يرى أشياء كثيرة لكن هذا لا يعني أن أحدا يسأله عما رأى.

سمعها مدحت فاندفع نحوها مطالبا إياها أن تتكلم إن كانت تعرف شيئا، وأنهم سيرون نصيبها بعد ذلك، رفعت نجلاء عينيها إليه، وكان فيهما هدوء أشد قسوة من الصراخ، وقالت إن هذا بالضبط ما يجعلها لا تتكلم، لأنهم ما زالوا ينظرون إلى الذاكرة كأنها مفتاح مخزن، على الخريطة تلاشى السلم المؤدي إلى الطابق العلوي، وفي البيت الحقيقي دوى صوت انهيار مكتوم، ثم تدحرجت درجات خشبية من موضعها وانتهت عند أقدامهم، قال المحامي إن الوقت يضيق، وإن النقطة الزرقاء إذا ابتلعت سطح البيت كاملا فلن يعود بالإمكان إيقاف المحو، وكانت البقعة قد بدأت تتمدد بالفعل، بطيئة ودائرية، تشرب الحبر البني المحيط بها.

جلس صفوان قرب نجلاء على حافة كرسي مكسور، ولم يطلب منها إنقاذ الأقارب أو حماية الميراث، بل قال إنه بعد قليل سيختفي الرجل للمرة الثانية، الأولى كانت حين مات، وهذه ستكون حين لا يبقى أحد قادرا على إثبات أنه عاش، ارتجف فمها، ثم نظرت إلى الصورة مرة أخرى، وقالت إنه كان يكره الصور، فسألها لماذا احتفظ بهذه، فمسحت بإبهامها وجه الطفلة الواقفة إلى جواره، وقالت إنه لم يستطع الاحتفاظ بهما، لم يسأل صفوان أكثر، فقد عرف من خبرته في مجالس الموت أن بعض الأبواب لا تفتح بالدفع، وإنما بالجلوس أمامها طويلا حتى يطمئن من خلفها.

الذكرى التي لم يكن لها ثمن

وقف صفوان أمام الحاضرين وطلب من المحامي أن يكتب أنه لا يطالب بشيء من التركة، وأنه سيشهد على ما تقوله نجلاء إن أرادت الكلام، أما إن رفضت فلا يحق لأحد إجبارها، اعترض الأقارب، لكن صوتا قويا صدر من الجدار خلفهم، وظهر فيه شق طويل يمتد من السقف إلى الأرض، وتساقط الغبار فوق رؤوسهم وانطفأ أحد المصابيح.

وضعت نجلاء الصورة على الطاولة، ثم تقدمت حتى وقفت أمام الخريطة، ولم تنظر إلى البيوت التي تتلاشى بل إلى البقعة الزرقاء التي كانت تلتهم بيت بهجت من أعلاه، قالت إنها في أول يوم عملت فيه هناك كسرت مزهرية في الصالة، كانت ثمينة أو هكذا ظنت، فجلست على الأرض تبكي لأن ثمنها كان يساوي أجرها شهورا، توقفت وكأنها تستعيد رائحة ذلك اليوم، وكانت الغرفة ساكنة حتى إن مدحت أنزل يده عن شاربه، وسلوى نسيت هاتفها الذي ظل يهتز داخل حقيبتها.

روت أن الحاج بهجت دخل ورآها تجمع القطع بيدها، فلم يسأل عن المزهرية بل أمسك معصمها لأن الدم كان يسيل من إصبعها، وأحضر صندوق الإسعافات بنفسه، لكنه لم يعرف كيف يضع الضمادة فلفها حول إصبعها كله حتى صار كأنه رأس عصفور، ظهر خط أبيض على الخريطة، وتوقف عند موضع بيت صغير كان ممحوا قرب السوق، وأخذت جدرانه تتشكل من جديد، وبرز بابه الأخضر وشباكه الوحيد، شهق المحامي وسأل لمن هذا البيت، فقالت نجلاء إنه كان بيت أمها، هدم منذ اثني عشر عاما.

واصلت حديثها وصوتها يزداد ثباتا كلما عادت التفاصيل إليها، فأخبرت كيف جلس بهجت على الأرض إلى جوارها، وكيف اعترف بأن المزهرية كانت هدية من زوجته الراحلة، ثم قال وهو يجمع الشظايا إن الأشياء التي نحبها لا تصبح أهم من الناس لمجرد أنها بقيت بعدهم، تراجعت البقعة الزرقاء عن سطح البيت قليلا، وعاد الممر الذي اختفى قبل دقائق، وارتفعت رؤوس الحاضرين إلى الجدار فوجدوا الشق قد توقف عن الاتساع، لكن المحامي قال إن الذكرى صادقة إلا أنها لم تكشف كل شيء، وإن الخريطة ما زالت مفتوحة.

الابنة التي عادت باسم مستعار

أغمضت نجلاء عينيها ثم التقطت الصورة، وقالت إن المرأة فيها زوجته وإن الطفلة ابنته مريم، ماتت زوجته في حريق ونجت مريم لكنها أصيبت بحروق في وجهها، وكبرت وهي تظن أن أباها كان يخجل منها لأنه أخفاها عن الناس ولم يضع صورها في البيت، حدقت في أثر الحرق على ظهر يدها، وفهم صفوان قبل الآخرين أن الأثر لم يكن أثر حادث عمل، وأن نجلاء لم تكن مجرد عاملة نظافة.

قالت بصوت خافت إنها مريم، تراجع أحد الأقارب خطوة، بينما فتح مدحت فمه ثم أغلقه، أما المحامي فخلع نظارته ومسحها رغم أنها لم تكن متسخة، أكملت أنها هربت من البيت وهي في التاسعة عشرة، بعد أن سمعت أباها يطلب من المصور إخفاء صورها القديمة، وظنت أنه يريد محو وجهها من حياته، فغيرت اسمها وعاشت بعيدا.

بعد سنوات عادت حين سمعت أنه مريض، لكنها لم تملك شجاعة الدخول إليه بصفتها ابنته، فقدمت نفسها باسم نجلاء، عاملة تنظيف تحتاج إلى وظيفة، فقبلها بهجت دون أن يقول إنه عرفها، قالت إنه عرفها منذ اليوم الأول، وابتسامة موجوعة تمر فوق شفتيها، وإنه كان يترك الشاي كما تحب، ويضع قرب دلو التنظيف مرهم الحروق الذي استعملته في طفولتها، لكنه لم يناديها باسمها قط.

سألها صفوان كيف تأكدت أنه عرفها، فأخرجت من جيب مئزرها مفتاحا صغيرا، وفتح به المحامي درجا مخفيا في أسفل الطاولة، فوجدوا داخله عشرات الرسائل، كتب على كل ظرف منها عبارة إلى مريم حين تسامحينني، فتحت نجلاء الرسالة الأولى، وكانت يدها ترتجف حتى خشخش الورق، ولم تقرأ منها إلا سطرا واحدا بصوت مسموع، أنه لم يخف صورها خجلا منها بل لأنه كان يخشى أن يعثر عليها الرجل الذي أشعل الحريق، ساد المجلس صمت حاد كحد السكين، وتحت الرسائل ظهر ملف قديم يحوي تحقيقا في حريق متعمد، واسم شريك سابق لبهجت هدده بقتل أسرته بعد نزاع مالي.

قالت نجلاء والدموع تنحدر دون أن تغير نبرة صوتها إنه حماها لكنه لم يخبرها، واختار أن تكرهه وهي حية بدل أن تحبه وتكون في خطر، ما إن نطقت الجملة حتى أضاءت الخريطة بضوء باهت، وعادت البيوت الممحوة واحدا بعد آخر، فظهرت النوافذ والأبواب والشرفات، وارتفعت من الخارج أصوات الجيران المذعورين وهم يكتشفون رجوع الجدران إلى أماكنها، لم يعد بيت بهجت وحده كما كان، فقد ظهر خلفه بناء صغير لم يكن موجودا من قبل، تحيط به حديقة مرسومة بالحبر الأخضر، وفوق بابه كتبت كلمتان، دار الذاكرة.

الميراث الذي رفض أن يصبح غنيمة

فتح المحامي الصفحة الأخيرة من الوصية، وقد بدا صوته هذه المرة أقل مهنية وأكثر خشوعا، نصت الفقرة على أن ظهور دار الذاكرة يعني نجاح شخص واحد في استعادة وجه بهجت الحقيقي، وعندها تنتقل ملكية البيت إلى صاحب الذكرى الصادقة، أما المخازن والأموال فتخصص لإنشاء دار صغيرة تستقبل الجنائز التي لا يجد أصحابها من يشيعهم، وتدفع للعاملين فيها أجورا عادلة مقابل تجهيز الموتى وخدمة أهلهم، لا مقابل تمثيل الحزن.

التفتت العيون إلى صفوان، كأن الوصية كانت تعرف مهنته قبل أن يدخل البيت، فشعر بنصف الأجر في جيبه يثقل فجأة، فأخرجه ووضعه أمام الشاب الممتلئ، وقال إنه جلس سنوات في المقاعد الأخيرة كي تبدو الجنائز أقل فراغا، ولم يفكر يوما أن الفراغ الحقيقي قد يكون في حياة الميت لا في عدد من حضروا موته.

لم تطالب نجلاء بطرد الأقارب، ولم تشمت حين علموا أنهم لن يرثوا شيئا، بل طلبت فقط أن يبقى لكل واحد منهم كرسي في الدار الجديدة، بشرط أن يحضر يوما من دون انتظار مال أو مصلحة، بعد أسابيع أزيلت لافتة بيت بهجت القديمة، وثبت مكانها لوح خشبي كتب عليه، دار الذاكرة لا يرحل أحد بلا شاهد، احتفظت نجلاء بالصورة المكسورة، لكنها لم تستبدل زجاجها، فقد رأت أن الشق المار فوق وجه أبيها جزء من الحكاية لا ينبغي إخفاؤه.

أما صفوان فصار أول موظف في الدار، وظل يجلس في المقاعد الأخيرة، لكن أحدا لم يعد يدفع له ليتظاهر بمعرفة الموتى، فكان يصل قبل الجميع، يسأل عن أسمائهم، ويجمع حكاياتهم من البقال والجيران وسائق الحافلة والطفل الذي كانوا يحيونه كل صباح.

البيت الذي لم تسمح له الخريطة بالاختفاء

بعد عام كامل، توفي رجل مجهول في غرفة مستأجرة قرب محطة القطار، ولم يجدوا في جيبه إلا مفتاحا صدئا وقصاصة كتب عليها عنوان دار الذاكرة، حضر جنازته أربعة أشخاص فقط، نجلاء والمحامي وحارس المحطة وصفوان، وحين انتهى الدفن، فتح صفوان دفتره ليسجل ما عرفه عن الرجل، فلم يجد سوى جملة قالها الحارس، إنه كان يطعم القطط قبل أن يأكل.

في تلك الليلة، عاد صفوان إلى الدار، فوجد خريطة بهجت معلقة في الممر، وقد ظهر على طرفها بيت صغير بلا عنوان، كان البيت باهتا لكنه لم يمح، وفوق بابه رسمت قطة تنتظر طبقا، ابتسم صفوان وأشعل مصباح المقعد الأخير، وأدرك عندها أن ذكرى واحدة صادقة، مهما بدت ضئيلة، تستطيع أن تمنح الإنسان بيتا في هذا العالم بعد أن يفقد كل البيوت.

لا يمحو النسيان الناس دفعة واحدة، بل يبدأ بحذف تفصيل صغير، ثم صوت، ثم عادة لا يلاحظها أحد، حتى لا يبقى من الإنسان سوى اسم على حجر بارد، غير أن قلبا واحدا يتذكر كيف كان يلف الضمادة، أو يطعم قطة جائعة، قد يكون أقوى من الخرائط كلها، فالحياة لا تقاس بما امتلكناه من جدران، بل بما تركناه مضيئا في ذاكرة من عبروا أبوابنا.

التصنيفات:

إرسال تعليق

0 تعليقات
يُرجى عدم نشر تعليقات لا تحترم الشروط هنا, جميع التعليقات تخضع للمراجعة.
إرسال تعليق (0)

المحتوى

+

إقرأ أيضاً

يستخدم موقع Dseel.com ملفات تعريف الارتباط (Cookies) لضمان حصولك على أفضل تجربة إستخدام وتخصيص المحتوى المفضل للزوار, باستمرارك في تصفح الموقع، فإنك توافق على استخدامنا لها لمعرفة المزيد.